إعادة الإعمار… ملف سوريّ بأيادي العالم

حجم الخسائر في سوريا يحتاج لميزانية دول، لكن كيف تتعاطى هذه الدول على اختلافها مع هذا الملف؟

الأيام السورية؛ بقلم: خالد المحمد

لا بوادر حل أو انفراج تلوح في الأفق القريب أو المدى البعيد، ورغم ذلك لا ينقطع العزف بشكل يومي حول إعادة إعمار سوريا مع قائد الأوركسترا المنفرد بملف الأزمة حالياً “روسيا”.

روسيا وبصفتها دخلت الحرب السورية، وبشكل رسمي وعلني وفعلي اعتبرت نفسها انتصرت (من منظورها العسكري)، وأنّها وصلت لمرحلة ما بعد الحرب، أي مرحلة إعادة الإعمار فكانت أن طرحت وألحت على الموضوع، وباتت تطرق البوابات والأبواب فهي كدولة عظمى لا تريد أن تحكم ركاماً.

أرقام في الركام:

بيّن تقرير البنك الدولي صيف عام 2017 أنّ خسائر الحرب السورية بلغت /226/ مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي السوري، وأنّ /27% / من الوحدات السكنية في سوريا تعرّض للدمار الكلّي أو الجزئي، وأنّ /60% / من الشعب السوري بات يعيش في فقر متقع، وأنّ /67% / من صناعة سوريا قد دمرت، وباعتراف النظام السوري نفسه. فيما لحق /25/ مليار دولار خسائر في القطاع الزراعي و/14/ مليار خسائر قطاع السياحة.

وفي ميدان البنى التحتية الطبية هناك أكثر من /38/ مشفى و /450/مركز صحي جمعيها تعرّضت للدمار.

وبحسب منظمة اليونيسف فإنّ هناك أكثر من /6/ آلاف مدرسة سوريّة هي خارج الخدمة حالياً، مع /2.8/ مليون طفل خارج التعليم، بالإضافة لخسائر وصلت إلى /400/ مليون دولار أمريكي في قطاع التعليم.

وكانت أكثر المدن تعرّضاً للدمار حلب وحمص والرقة وحماة وإدلب ودرعا.

إعادة إعمار ساخن ومواقف باردة:

لم يكن طرح روسيا لملف إعادة الإعمار استعجالاً من وجهة نظرها، فهي بلغت النصر وانطوت الحرب من منظورها، خصوصاً بعد تفاهماتها مع تركيا، وسيطرتها على كل المفاصل السورية، فسيكون إعادة الإعمار فرصة أخرى لتثبيت نفوذها في سوريا، وسيطرتها على الاقتصاد والبنى التحتية، وخلق مجال عمل للشركات والخبراء الروس، وورقة مساومة اقتصادية أمام الدول الأخرى وشركاتها … لكنّ حماس موسكو لم يلقَ لا صوتاً متجاوباً ولاصدىً من الأطراف الأخرى بمجملها، وربّما كان الموقف صادماً لحماس واندفاع روسيا ، فالأخيرة باقتصادها الضعيف لا تستطيع تحمّل عملية إعادة إعمار قدّرتْ تكلفتها الأمم المتحدة بأكثر من /300/ مليار دولار .

ووسط الاندفاع والسمسرة الروسية يخرج بشار الأسد في مقابلته مع قناة (NTV) الروسية يوم 24 يونيو/ حزيران من العام الجاري، ليقول وبعيداً عن الإيقاع الروسي: ” لن نسمح للدول الأوربية المشاركة في عملية الإعمار … يمكننا الحصول على القروض من أصدقائنا ومن السوريين الذين يعيشون في الخارج ومن السوريين في الداخل وكذلك من أموال الحكومة “.

وتماشياً مع هذا التصريح يروّج إعلام النظام للدول الصديقة: روسيا ، إيران ، الصين ، فنزويلا،  ودورها المهم في استقرار وإعادة إعمار البلد، واهتمامه الكبير بهذه الدول في معرض دمشق الدولي الذي انطلق يوم 17 أغسطس/ آب من هذا العام كمظهر من مظاهر عودة الاستقرار وبدء إعادة الإعمار، مع تطبيل إعلامي كبير لهذا المعرض وللمشاركين فيه، وعلى رأسهم إيران حيث شاركت فيه 30 شركة إيرانية، كأكبر مشاركة بين الدول، وعقدت إيران العديد من الصفقات التجارية، وشجّعت الأفراد على امتلاك العقارات وخصوصاً في دمشق، ليكون لها نصيب – بحكم الأمر الواقع – من إعادة أعمار سوريا وتمّلك حصّة من مستقبلها بعد الثورة.

وعلى النقيض كانت مواقف الدول الغربية، التي بذلت روسيا جهداً في إقناعها بإعادة الإعمار، فكان شرط الدول السبع الكبرى : الولايات المتحدة، كندا، اليابان، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، السير بالعملية السياسية والانتقال السلمي للسلطة لتقديم المساعدة في إعادة الإعمار ورفضت الحديث في الأمر قبل رحيل الأسد وهو ما عبّر عنه أيضاً المبعوث الأممي لسوريا ستيفان ديمستورا حين قال: ” تقديم الحل السياسي على مشروع إعادة الإعمار في سوريا “.

وأيضاً أكّدت مفوضة الاتحاد الأوربي للشؤون الخارجية فيديريكا موغيريني، في 31 أغسطس/ آب من العام الجاري، أنّ ” أموال الأمم المتحدة لن تذهب إلى سوريا إلا بعد إطلاق عملية سياسية واثقة في البلد. ”

وأضافت أمريكا شرطاً آخراً وهو طرد إيران من سوريا… مع غياب أي دور عربي عن الموضوع غياباً مرتبطاً بالموقف الغربي والمنتظر لما يقرّره:  ادفع أو لا تدفع .

إعادة الإعمار في المدى القريب:

لن يتعبَ المجتهدون والمحلّلون بتوقّع مسار العملية في القادم من الأيام، في ظل عدم الاتفاق على المستقبل السياسي للبلد، مع تمسّك روسيا بالأسد حتى عام /2021/ على الأقل وتمسّك الدول الغربية والدول المانحة برحيل الأسد والانتقال السياسي للبدء بعملية إعادة الإعمار وحتى لو مضت روسيا وحلفاؤها بالأمر بعيداً عن الغرب ستصطدم بـ:

  • تفتت البلد بين مناطق نفوذ أمريكية، إيرانية، تركية، وميلشيات مافياوية …
  • عدم قدرتها والدول التي تدور في فلكها على تحمّل كلفة إعادة الإعمار التي تعدّ أكبر عملية إعادة إعمار منذ الحرب العالمية الثانية.
  • العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، والتي تمنع حركة الأموال إليها، ودخول الشركات الكبرى / حتى الروسية منها / فعلاقة هذه الشركات مع أوربا وأمريكا أهم بالنسبة لها من إعادة إعمار سوريا.
  • عدم الاستقرار الأمني حتى الآن في معظم مناطق سوريا، فما نفع أن تبني بيتاً أو مدرسة أو جسراً وهي معرّضة للتدمير أو التفجير في اليوم التالي.
  • ضخامة المشروع الذي يشمل العقارات والقطاع الصناعي وقطاع الخدمات والخدمات العامة والنقل والاتصالات والزراعة والخدمات المالية والخدمات التعليمية … مع غياب ما يسمى دولة ومؤسسات في سوريا، حيث تسيطر القبضة الأمنية وعقلية العصابة على هذه المؤسسات والوزارات.
  • نقص اليد العاملة مع 400 ألف قتيل من الطرفين و6 ملايين نازح، و 5 ملايين لاجئ وفق إحصائيات أممية.بالإضافة إلى وجود عشرات الآلاف من المعتقلين وفق إحصائيات محلّية، لتعذّر إحصاءهم رسمياً، ناهيك عن هجرة معظم الكفاءات المهنية والعلمية من سوريا.
  • انهيار الدخل الوطني مع سيطرة فصائل انفصالية مدعومة أمريكياً على معظم مناطق وحقول الثروات الباطنية في سوريا.
  • الشرخ الوطني ما بين مكونات الشعب السوري، وفقدان الثقة بالحكومة حتى من المؤيدين لها.
  • رفض أغلب النازحين /داخلياً وخارجياً/ العودة مع بقاء الأسد، حيث عودتهم تشكل أولى خطوات إعادة الإعمار.

يبدو أنّ طريق روسيا وخطّتها في إعادة إعمار سوريا لن يكون ممهّداً، مع رفض الغرب لهذه الخطّة، أم أنّ هذا الرفض ما هو إلا تقاسم أدوار لإبقاء الركام والحطام أطول ما يمكن في حياة السوريين، كما وسبق أن تقاسموا الأدوار في عز شباب الثورة السورية لإطالة أمد الثورة والحرب وتدمير البشر قبل الحجر، والأجدر بالأولوية الآن إعادة إعمار الإنسان السوري بشيبه وشبابه وأطفاله، إنسانياً وعلمياً وصحّياً … بعد أن دمّرت مخطّطات المتدخّلين بقضيته، شخصيته ومجتمعه وجيله، قبل أن تدمّر منزله وتحرق أرضه.

مصدر الأمم المتحدة وكالات
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل