السوريون والفيس بوك … حكاية سورية

لا ندري اليوم من ساهم بانتشار الآخر أكثر، الفيس بوك بانتشار الثورة، أم الثورة نشرت الفيس بوك بين السوريين، فما تفاصيل هذه العلاقة الحميمة بين الكائن الأزرق ومستخدميه السوريين؟

الأيام السورية؛ خالد المحمد

في بدايته كان موقعاً للتواصل الاجتماعي وبديلاً عن البريد الإلكتروني في إيصال الصور والفيديو والحالات إلى الأصدقاء والأقارب بضغطة واحدة على جدار الحساب الشخصي.

لكن سرعان ما ساقه التطور، والانتشار، والظروف السياسيّة، والإعلاميّة ليكون منبراً إعلامياً ووسيلة نشر وانتشار تجاوزت هدف التواصل الاجتماعي.

كذلك في سوريا وبعد سنوات من الحجب الأسدي، جاءت الثورة السورية التي أشعلت كثيراً من النيران، وكان الفيس بوك واحداً من الأسهم التي انطلقت من قوس الثورة دون عودة، كما كان له كبير الأثر في تغطية الثورة وإيصال صورتها وصوتها لفضاء الإعلام.

واليوم بعد مرور أكثر من سبع سنوات، أصبح حال الفيس بوك بسوريا كحال ثورتها، والحديث يطول عنه ويتشعب إلى مالانهاية، وفي سرد للخطوط العريضة نجد:

-الإقبال الواسع: حيث بات كل من يحمل جوّالاً ذكياً، يملك حساب فيس بوك واحداً على الأقل، حتى بين كبار السن؛ الذين كانوا طوال حياتهم بعيدين عن مجالات الإنترنت والتكنولوجيا، حتى أنّ الغالبية من مختلف الشرائح بات الإنترنت مساوياً للفيس بوك، فتصفح الإنترنت يعني فيس بوك ولا مواقع أخرى: ثقافيّة أو دينيّة أو إعلاميّة أو غير ذلك فالفيس نافذة لكل ذلك.

-انتشار المعلومة والخبر: هذا الانتشار الواسع ساقنا إلى سرعة نشر وانتشار المعلومة والخبر، من خلال الضغط على أيقونة زرقاء، وكان لهذا الأمر سلبياته أيضاً، تجلّت في انتشار الأخبار غير الموثقة، مما دفع الفيس بوك إلى انتهاج سياسة مكافحة الأخبار الكاذبة على المستوى العالمي.

-الشائعات: وهي امتداد لموضوع الأخبار الكاذبة، وهو أمر كان منتشراً بين السوريين خلال حكم آل الأسد، تنتهجه الأفرع الأمنية للنظام لخدمة بعض مصالحها وقضاياها، واستمر الأمر بين السوريين نفسياً، وجاء الفيس بوك ليكون أرضاً خصبة لهذا الأمر … شائعات ثورية … شائعات اقتصادية … شائعات في التعليم … شائعات وشائعات … أمر يومي يعيشه السوريون عبر التطبيق الأزرق … عززه بروز ظاهرة القص واللصق دون التحقق من مصداقية أو واقعية المنشور، وكذلك محبة حصد الإعجابات (اللايكات) والمشاهدات لدى الكثير من الناشرين دون أن يلقوا بالاً لما ينشرون .

-الحسابات الوهمية والمزيّفة: وكذلك هذه الفكرة لها علاقة بالنظام وبداية الثورة، حيث درجتْ الظاهرة مع بداية الثورة للتهرب من قبضة النظام الأمنية، قبل أن ينتقل الناشطون إلى المناطق المحررة ويفصحون عن أسمائهم الحقيقية، ولكنّ الكثير صار اليوم يتبع هذا الأمر هرباً من القبضة الأخلاقية، فمن خلال الحساب الوهمي ينشر ما يحلو له من كذب وشائعات، ويسبّ ويتّهم دون أدلة، متستراً باسم مزيف، جاعلاً مخافة المخلوق فوق مخافة الخالق.

-الكلمات النابية والبذيئة: أصبح أمراً هيّناً على السوريين سواءً على منشورات حساباتهم الشخصية أو التعليقات في المجموعات والصفحات؛ لترسم حروفهم كلمات خارجة عن المألوف الاجتماعي والأدبي حتى نجدها تخرج من شخصيات محسوبة على الطبقات المثقفة، وكانت منشورات كثيرة منهم حول إصابة أسماء الأسد بسرطان الثدي خير مثال على ذلك.

-طغيان العامية: السوريون يتحدّثون في حياتهم اليومية اللهجة العامية، واعتادوا حينما يريدون القراءة أو الكتابة استخدام اللغة الفصحى، ولكن في السنوات الأخيرة وبسبب مواقع التواصل الاجتماعي شاعت عادة الكتابة باللهجة العامية، سواء من الطبقات العادية أو الطبقات المتعلمة على حد سواء، وهو على جانب من الخطورة؛ خصوصاً مع نزوح ملايين السوريين وإتقانهم للغات بلدانهم الجديدة وابتعادهم عن العربية.

-الميل للكوميديا: وهي صفة قديمة للسوريين / خفة الدم / سواء على مستوى صنّاع المحتوى حيث نجد آلافاً من الصفحات ذات الطابع الكوميدي / كتابة – صورة – فيديو / ومفعمة بروح الإبداع الكوميدي، وكذلك على مستوى المتابعين حيث تكون هذه الصفحات والصور والفيديوهات من أكثر المنشورات متابعة وتناقلاً ومشاركة.

وقائع فيسبوكية:

لم يكن الفيس بوك في حياة السوريين مجرد وسيلة نشر ومساحة رأي ومكان للأخذ والرد، بل أخذ جانباً مهماً في حياتهم، ولعب دوراً في مسار ثورتهم منذ البداية من خلال اعتماد الناشطين عليه في التغطية الإعلاميّة للمظاهرات والأخبار، فكانت أحداث الثورة وجرائم النظام مفتوحةًَ أمام العالم أجمع بأدق التفاصيل وبأي مكان مهما صغرت القرية أو تباعدت.

وكذلك كان الطرف الآخر؛ حيث استغل الشبيحة أيضاً هذه الهبة، في نشر أكاذيبهم وافتراءاتهم وقيادة حرب إعلامية كبيرة، وكان تأسيس الجيش السوري الإلكتروني منذ بداية الأحداث خيرَ دليل على ذلك، ولن تكون آخرها الضجة الإعلاميّة الكبيرة لمعركة إدلب المفترضة والتطبيل الكبير لهذه المعركة التي كان للفيس بوك الدور الأول في ضجّتها الكبيرة تلك.

لا ينسى السوريون والعالم كيف استغلت داعش مواقع التواصل الاجتماعي في تجنيد الآلاف من الشباب والشابات من الدول العربية، والأوربية، والأسيوية، الذين تركوا بلدانهم والتحقوا بدولة الخلافة، واستدعى ذلك حرباً كبيرة لازالت مستمرة من أجهزة المخابرات والجيوش الإلكترونية كانت ساحتها وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن صور الفيس بوك البارزة في حياة السوريين حملات التحريض التي تلاحقهم يومياً في دول اللجوء، حيث يشعر المتابع أنّ هنالك أناساً تفرغتْ لهكذا نشاط وقيادة حملات واسعة على الفيس بوك وغيره من المواقع؛ هدفها الأول هو التحريض على الوجود السوري، وتصيّد أي سلبية أو خطأ ونشره على حائط الموقع تحت هاشتاغات غالبيتها ذات نبرة عنصريّة عدائيّة، ولا يخلو الأمر من مبالغات وأخبار وشائعات كاذبة، استطاعت في كثير من الأحيان وبحكم الجمهور الكبير للفيس بوك خلق حالة تجييش للشعب ضد هذا الوجود.

وفي العموم لم يكن استخدام السوريين للفيس بوك استخداماً احترافياً، فجميع الصفحات والمجموعات مهما بلغ عدد متابعيها، لم تكن إلا اجتهاداً شخصياً بسيطاً من بعض الناشطين، فكان أغلب نشاطهم على الفيس بوك نشاطاً ثانوياً، بحكم ظروف العمل والثورة واللجوء، حاول الكثير منهم وخصوصاً في بلاد اللجوء نشر معلومة وتقديم رأي كان ذا فائدة كبيرة على غيرهم من اللاجئين، فنجد اليوم المئات من المجموعات التخصصية على الفيس بوك في مختلف المجالات /توزع تخصصي أو جغرافي/ تخدم الإنسان السوري بحسب اختصاص وتوجه هذه المجموعة.

ويبقى الفيس بوك أمراً جديداً في حياة السوريين عمره بعمر ثورتهم، تلون بلونها وحكمت علاقتهم به تطورات الثورة وأحداثها وكان متنفَّـساً لهم يرحل معهم أينما حلوا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل