المشكلات الزوجية تفرش أجنحتها على أسرة “أبو حسام”

يصاب الأولاد بالاكتئاب، وتغادر الزوجة بيت زوجها، الأب لا يملك ما يعيل أسرته، كيف تحافظ الأسرة على تماسكها؟

الأيام السورية؛ علياء الأمل

تبكي جود بصمت، تبتعد عن صديقاتها، لباسها ليس أنيقاً كما كان، كثيرة الشرود، تخنق العبرة أنفاسها ما كدت أسألها حتى انهارت باكية، جلست معها أثناء فرصة التلاميذ لأسمع مشكلتها.

جود تلميذة في الصف السادس الابتدائي، متفوقة في دروسها، كثيرة الحياء، لاحظت تأخر مستواها في الفترة الأخيرة، استغربت واستدعيتها لتجيبني منهارة ” ماما عند أهلها وما حدا بعلمني، بابا عصبي كتير بخاف أسأله أي سؤال”

لجود أخ آخر في ذات الصف اسمه حسام، متفوّق أيضاً لكنه ضعيف الشخصية، إذا بادرته باستفسار عن الدرس يتلعثم كثيراً حتى أفهم إجابته لكنه في الامتحانات الكتابية ينال أعلى الدرجات.

شدتني هذه الأسرة للغوص في تفاصيل حياتها علّي أتمكن من مساعدة طلابي في تجاوز بعض آلامهم النفسية، علمت من جود وحسام أنّ أمّهم “حردانة” باللهجة السورية، بما يعني مفارقة بيت زوجها، تاركة ثلاثة بنات وصبي أكبرهما التوأم جود وحسام، وعند سؤالي عن السبب تقول جود: ” بابا عصبي كتير، بيضربنا وبيضرب ماما، ولا يسمح لأمي باستقبال الضيوف أو العمل لمساعدته مع أن والدتي موظفة في دائرة الامتحانات، منعها والدي من الذهاب إلى وظيفتها”.

يتابع حسام وهو مرتبك: ” والدي لا يتقاضى راتباً، وبضل معصب علينا وبيضربنا شو ذنبنا نحن”

هدّأت من روعهما، وامتصصت حزنهما، قررت أن أكون لهما أمّا وحاولت التواصل مع أسرة الأولاد لكن دون جدوى.

بعد فترة قصيرة لاحظت تغيراً على تصرفات جود وحسام وسعادة تغمرهما وتحسناً في مستواهما، وعلمت أنّ أمهما عادت إلى بيتها، هذه الأم بعد توقف راتبها وراتب زوجها، فتحت محلاً لبيع المكياجات والعطورات والألبسة النسائية، الأمر الذي لم يتقبله الزوج رغم حاجته المادية الشديدة.

ذهبت إلى محلّهم الجديد لشراء بعض الحاجيات، فرحّبت بي الأم ترحيباً كبيراً، وسألتني عن مستوى أولادها، الأمر الذي شجعني على التدخل في شؤونهم العائلية، وقلت لها أن أولادها كانوا في حالة نفسية متردية مع تراجع في دروسهما، وأنّهم ما زالوا صغارا وبحاجة كبيرة للرعاية والحنان، عندها بكت الأم وقالت أن زوجها يغار عليها كثيراً، ومنعها من البيع، وأنها تجري الآن تصفيات للمحل لإغلاقه رغم حاجتهم للعمل، وأنه سيعيل أسرته بما يستطيع من أعمال حرّة، تقول الأم: ” زوجي عصبي المزاج ويغار علي كثيراً وخاصة أنه الآن وقد أسدلت الحرب السورية على أسرتنا ضغطا معنوياً ومادياً، والله طقت روحي وما عم أحسن أتحمل عصبيته، بس بدي أصبر مشان ولادي”.

عملت جاهدة على حمل الأم على الصبر وأعلمتها بالحالة النفسية التي أصابت أولادها من حب للانطواء وسرعة البكاء لأي أمر، وتلعثم ابنها الشديد أثناء الكلام ومردّ ذلك إلى الخوف الشديد.

ازدادت الأم إصراراً على الصبر، وقالت بملء فيها لن أترك بيتي ثانية حباً لأطفالي، ولكنني مثل زوجي الضغط الذي نعاني منه قضى على أشياء كثيرة تجمع بيتنا الصغير.

أيقنت بعد حديثي معها أن عاطفة الأمومة أقوى من المصلحة الخاصة، وتربية الأبناء واجب على الأهل لا تراجع فيه، وهنا تسمو التضحيات والصبر لأن تماسك مجتمعنا من تماسك الأسر.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل