المجتمع المتجانس وحقّ العودة

ما علاقة اعتقالات النظام للسوريين في مناطق المصالحات، بمصطلح “مجتمع متجانس”؟ لماذا لا يريد النظام لأحد أن يعود إلى مناطق سيطرته حتى ولو أجرى مصالحة معه؟

الأيام السورية | رزق العبي

دارَ نقاش طويل بيني وبين صديق أردني، حول الأوضاع في سوريا، بدأته معاتباً كيف ذهب مئات الأردنيين إلى سوريا منذ إعادة فتح معبر نصيب – جابر؟، فحاول صديقي تبرير ذهابهم إلى “حظيرة آل الأسد” بأنّ أهل الأردن يحبّون سوريا كثيراً، وهم لم يذهبوا إلى الأسد بعينه بل إلى الشام.. في الوقت الذي سعيتُ لإقناعه بأنّ أي عمل مهما كان بسيطاً يستخدمه نظام الأسد لتلميع صورته أمام المجتمع الدولي، ونحنُ كسوريين معارضين للأسد ولمؤيدي الأسد نرى بأنّ الأشقاء في الأردن ذهبوا إلى سوريا بعد إعادة فتح معبر نصيب، على دماء مئات الآلاف من أشقائهم في سوريا.

إلى أن وصلنا إلى الأخبار التي تفيد بأنّ نظام الأسد اعتقل بعض الأردنيين على الحدود السورية، فتحدّث صديقي الأردني مستغرباً من غباء هذا النظام قائلاً: لو أنّه انتظر أشهراً ومن ثمّ بدأ باعتقال الناس لكان أفضل له، أما أن يفعل ذلك بعد أيام من افتتاح المعبر فهذا بالتأكيد غباء!

وهنا فتح شهيتي على القول: بأنّ نظام الأسد لا يريد لأحد أن يعود إلى سوريا سواءً من أهلها أو من العرب، وإنّه باتَ يرى في نفسه منعزلاً عن كلّ شيء وكل الكون أعداؤه وهذا أمر واقع.

فلو عدنا إلى إعادة سيطرة النظام على الغوطة ودرعا، وكيف بدأ بعد أيام من السيطرة باعتقال المئات من الناس بتهم واهية، وكيف يضيّق على الناس هناك، لتأكّدنا بأنّه لا يريد لأحد أن يبقى في مناطقه، باستثناء أولئك المنضوون تحت مسمّى “المجتمع المتجانس” الذي تحدّث عنه الأسد في إحدى خطاباته.

هذا النظام المبني على الوحشية والبربرية، لو أنه أعطى قليلاً من الأمان للسوريين الذين ظلّوا في مناطق سيطرته لنقلوا الصورة إلى أهلهم وأقاربهم؛ الذين هُجّروا إلى الشمال السوري، وبذلك يكون النظام قد حرّضهم على العودة إلى ديارهم، وكسب بذلك صفقة إعلامية مهمة للقول: إنّ الناس هُجرت بسبب “الإرهاب”، ولكنّ النظام أساساً لا يريد لأحد أن يعود إلى بيته في مناطق عدّة من البلاد، أهمها درعا والغوطة الشرقية والقصير وداريا..

إنّ بشار الأسد لم يتحدّث عن المجتمع المتجانس من فراغ، إنما قال ذلك بعناية ودراية تامة، فهو لا يرغب بأي بوجود أي سوري رفع صوته يوماً في وجهه، وحطّم تماثيل حافظ، بل يريد مجتمعاً متجانساً يتكوّن من مؤيد أعمى، وصامت؛ يرى البلد مكاناً للأكل والشرب والنوم فقط..

يريد الأسد أناساً لا مبدأ لهم في هذه الحياة، ولا يعرفون الوطنية، ويعيشون حياتهم على مبدأ (الحيط الحيط ويالله الستر)، دون التفكير بما يحصل مع أبناء وطنهم في مكان آخر، يريد أناساً لا يرفعون أصواتهم أبداً، همّهم صور السيلفي والتظاهر بأنّ كل شيء وديع في هذا البلد..

لقد سعى النظام إلى صناعة فجوة مخيفة بين السوريين، ليس من السهل أن يعاد ترميمها في القريب العاجل، فكم من مشاهد مرّت في أذهاننا، كان فيها سكّان دمشق يرقصون ويعيشون حياتهم الطبيعية وجيرانهم في الغوطة يموتون بالبراميل، وكذلك في حلب الغربية حين كانت الشرقية تدكّ بالصواريخ.. وهؤلاء الزمرة من السوريين، استطاع الأسد أن يروّضهم ويكسب صمتهم ولا مبالاتهم تجاه أهلهم خلال الثورة السورية.

أما الحديث عن حقّ السوريين في العودة إلى بيوتهم التي اقتلعوا منها، فهذا أكثر ما يجعل النظام في حالة قلق، تماماً بذات القلق الذي يشعر به المحتل الصهيوني، تجاه الفلسطينيين وحقّهم في العودة.

لابدّ أن يتمسّك السوريون اليوم بحقّهم في العودة، وألا يتنازلوا عن ممتلكاتهم لأي سبب كان، لأن مخطط النظام بمجتمع متجانس يقضي بأن ينسى السوريون المهجرون بأنّ لهم بيتهم أو قطعة أرض لهم في مكان يسيطر عليه الأسد حالياً.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل