بين الطرحة والشلل 3 أشهر و”رصاصة”… فاطمة ضحيّة جديدة لزواج القاصرات.

أسباب ونتائج لزواج القاصرات.. كيف يراه الدين؟ وكيف يقيّمه الاجتماعيون؟

الأيام السورية | أحمد عبيد

(إدلب- سوريا) بعد شعور اليأس والعجز والفقر والحرمان الذي سيطر على كثيرٍ من السوريين، وسعياً منهم لإيجاد حياة كريمة لأبنائهم وخاصة الفتيات منهم، وجد العديد من السوريين في تزويج بناتهم بسنٍ مبكرةٍ وسيلة لتأمين مستقبل أفضل لهنّ، ما أدى إلى ارتفاع نسبة القاصرات المتزوّجات في الداخل السوري ودول اللجوء ولا سيما العربية منها، لكن ما لم يكن بالحسبان أن تكون هذه الخطوة بداية جديدة لمعاناة أشدّ قسوة وأكثر خطورة من سابقتها.

تزوّجت فاطمة قاسم (٢١ عاماً) وهي من أهالي قرية الدير الشرقي في ريف إدلب الجنوبي مطلع عام ٢٠١٣، عندما كانت في ربيعها السادس عشر بشاب يكبرها بخمسة أعوام، من أبناء قرية مجاورة لقريتها بطريقة تقليدية.
لم تكمل فاطمة ثلاثة أشهر في هذا الزواج حتى عادت إلى عائلتها مجدداً، لكن على كرسيّ متحرّك بعد رصاصة غضب اخترقت ظهرها وشلّت حركتها.

تفاصيل إصابة فاطمة

وعن تفاصيل إصابتها، تقول فاطمة لصحيفة الأيام: “نشب خلاف بين زوجي وعائلته التي نعيش معها في المنزل ذاته، وبعد انسحاب زوجي من الخلاف اعتقدت أنه دخل إلى غرفتنا ليستعد إلى الخروج كعادته بعد كل مشكلة، لحقت به لأساعده بما يحتاج، وإذ به خارجاً من الغرفة حاملاً سلاحه بيده، فحاولت العودة إلى الغرفة الثانية لكنه بدأ بإطلاق الرصاص قبل وصولي إليها، فارتميت على الأرض وأغلقت أذنيّ بيديّ خوفاً من صوت الرصاص، وبعد خروج عائلته لتهدئته حاولت الوقوف مجدداً إلا أنني كنت قد أُصبت.

طلبَ إبعاد الشبهة عنه

وتابعت فاطمة: “استعدت الوعي من الصدمة على صوت شقيقته تصرخ “قتلتها لفاطمة”!!، ومع ذلك بقيت عدة دقائق ممدّدة على الأرض حتى انتهوا من تهدئته، ثم نقلوني إلى مشفى قرية “تلمنس” المجاورة، وأجريت فيها عمل جراحي فوري، ونقلت منها إلى مشفى باب الهوى الحدودي _الأكثر تطوراً_ صباح اليوم التالي لإجراء صور الطبقي المحوري والفحوصات اللازمة، حيث دخل زوجي إلى غرفة التصوير وطلب مني القول بأنها رصاصة قادمة من وادي الضيف (كانت تسيطر عليه قوات النظام آنذاك) في حال وجّهت لي إدارة المشفى سؤال عن سبب الإصابة”.

إعاقة دائمة ولا قضاء يحاسب

وأضافت قاسم: “عند استيقاظي من تأثير المخدر طلبت من والدتي مساعدتي على الجلوس عدة مرات، إلا أنّها كانت تكتفي بالبكاء وتغيير الموضوع، إلى أن جاء والدي وأخبرني أنّني فقدت كليتي والطحال وتعرّضت لكسر في العمود الفقري ولن أتمكن من الحركة بعد اليوم”.

وبحسب فاطمة فإنّها تقدّمت بشكوى للّجنة الأمنية في المنطقة بعد أن نقلها زوجها إلى منزل عائلتها وامتنع عن طلاقها، فقامت اللجنة بسجنه ثلاثة أيام وإطلاق سراحه بعدها، فاضطرت عائلاتها لإرسال وجهاء من القرية لإقناعه بالطلاق بعد تنازلها عن كامل حقوقها.

رحلة علاج ونجاح

تابعت فاطمة علاجها الفيزيائي وخضعت لعمل جراحي لتثبيت الفقرات تكلّل بالنجاح وباتت تستطيع الجلوس على الكرسي المتنقل ومنها إلى السير بمساعدة العكاز، وتقدمت بامتحانات الشهادة الثانوية خلال هذه الفترة، لكنّها لم تتمكّن من متابعة تعليمها بسبب رفض إدارة المعهد الطبي في معرة النعمان استقبالها نظراً لوضعها الصحي، فاختارت تعلُّم أساسيات التمريض في مشفى قريتها الميداني الذي تعمل فيه حتى الآن في قسم الاستقبال والمحاسبة.

صورة لمشاركة فاطمة في مظاهرة معرة النعمان المصدر صفحتها على فيسبوك

إحصائيات ونِسب

المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية ذكرَ في تقريرٍ نشره في وقتٍ سابق من العام 2017، أنّ ظاهرة زواج القاصرات في سوريا ارتفعت إلى ٣٠ في المائة عام ٢٠١٥ بعد أن كانت لا تتجاوز الـ ٧ في المائة قبل عام ٢٠١١، مشيراً إلى أنّ نسبة زواج القاصرات في مناطق الأرياف البعيدة أكثر من نسبتها في المدن، حيث تبلغ نسبة الزيجات التي عقدت على قاصرات ٦٠ بالمئة من الزيجات غير المسجلة في المحاكم.

واستند المركز في تقريره على إحصائيات صادرة عن وزارة العدل التابعة لنظام الأسد بدمشق، مبيناً أنها لا تشمل المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة.

وبحسب إحصائيات لمنظمة الأمم المتحدة “يونيسيف” نشرتها العام الماضي، فإنّ نسبة زواج القاصرات من حالات الزواج بين اللاجئين السوريين بلغت ٣٢ في المائة في لبنان، و٣٥ بالمائة في الأردن و٢٥ بالمائة في مصر، مشيرةً إلى أن ارتفاع نسبة زواج القاصرات مرتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية، وأن نسبتها تتفاوت بين دولة وأخرى من دول اللجوء.

الفقر والخوف من أهم الأسباب

أوضحت الأخصائية الاجتماعية اللبنانيّة “سالي بو عبيد” لـ”الأيام ” أنّ الفقر والتشرّد الذي تعيشه الغالبية العظمى من السوريين جراء الحرب الدائرة، دفعت العديد منهم للقبول بتزويج بناتهم القصَّر لتخفيف العبء المادي الذي يقع على عاتقهم، مشيرةً إلى أنّ البعض تعامل مع هذا الزواج كصفقة رابحة بهدف تحسين وضعه المادي من خلال تزويج بناتهم برجال أغنياء كأية سلعة تباع وتشترى.

وتابعت بو عبيد: “خوف بعض الأهالي على فتياتهم في ظل الفلتان الأمني في الداخل والاضطهاد الذي يعيشونه في بعض دول اللجوء دفعهم للقبول بمثل هذا الزواج كوسيلة للحفاظ على بناتهم وشرفهن، إضافة للخوف من العنوسة ولا سيما في العائلات الفاقدة معيلها”، مضيفةً أنّ العادات والتقاليد المجتمعية عند البعض تشجّع على الزواج المبكّر وتعتبره الأفضل.

وبحسب الأخصائية فإنّ جهل الفتاة القاصر بمتطلبات الزوج وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات المناسبة داخل الأسرة، حتماً سيخلق فجوة بين الفتاة وزوجها، وقد تعرّضها للإهانة والعنف اللفظي والجسدي في أكثر الأحيان، إضافة للآثار الصحية كتعرّض الكثير منهنَّ للإجهاض وعدم القدرة على تحمّل الحمل بسبب عدم اكتمال نموها بشكل طبيعي، وإن أنجبت فلا شك أنّها ستعجز عن معاملة طفلها، متسائلة: “كيف لطفل أن يربّي طفل آخر؟!”

نظرة الشريعة الإسلامية

يقول خطيب المسجد الكبير في مدينة معرة النعمان الشيخ “أحمد علوان” لـ “الأيام”: “لا حرج شرعي في زواج الفتاة في سنٍ مبكرةٍ شرط أن تكون قد بلغت حلمها ولو كانت في سن الثالثة عشر ما دام الزواج تمّ بموافقة الأب، فالشرع ينظر في هذه المسألة إلى أنّ الأب صاحب الولاية على الفتاة سواء كانت قاصر أم في سن البلوغ أو ما يعرف بالسن القانوني، وذلك لشدة خوفه وشفقته على ابنته من جهة، وعدم خبرتها بالواقع الاجتماعي ومعدن الرجال من جهة أخرى، فيجتهد في اختيار الزوج الكفء لها ويستأنس برأيها أثناء عقد القران كما هو معروف”.

وأشار علوان إلى أنّ مشروع الزواج يحتاج لعقول كبيرة واستيعاب ووعي من قبل الزوج والزوجة وأهلهما، مضيفاً: “نعاني اليوم من كثرة حالات الطلاق بين القاصرات، وذلك بسبب عدم النضوج، فيقوم الزوج وعائلته بمعاملة الزوجة القاصر معاملة الراشدة وهو فوق طاقاتها، لذلك علينا توجيههم بشكل صحيح، واصفاً ذلك بـ “الظلم”.

وختم علوان: “إن لم يحظَ زواج القاصرات برعاية ومتابعة من قبل العائلة فنحن ضدّه بالتأكيد، لأنه سيؤدي في المحصلة لارتفاع حالات الطلاق وخيبات الأمل”.

لم تكن فاطمة الطفلة الوحيدة التي ظُلمت في زواجها المبكر، فهناك مئات القاصرات السوريات المتزوجات يتعرّضن للعنف والإهانة بشكل متكرّر، ما خلّف عشرات المطلقات الصغيرات، اللاتي ينظر إليهنّ المجتمع السوري بغالبيته نظرة سيئة.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل