زوجةُ شهيدٍ وأمّ لآخر.. أم عادل صورةٌ من الواقع السوري

الأيام السورية؛ ماهر حاج أحمد

“أتمنى لو كانت نهاية حياة الشخص متعلّقة بعدم رغبته بالاستمرار، لعجزه عن التعايش مع آلامه”، بهذه الكلمات التي رافقتها دموعٌ غزيرةٌ، بدأت أم عادل الخمسينيّة حديثها، تروي تجربتها مع الحياة في ظل حربٍ خلّفت ربّما الآلاف من القصص المأساوية.

أنا أمّ وزوجة شهيد ومربية أيتام وبيتي مدمّر، هل جمعتُ الألم من كل أطرافه أم هناك المزيد؟ تقول أم عادل لصحيفة الأيّام، وهي تقيم حالياً وحيدةً في غرفةٍ مستأجرة.

بدأت السيّدة سرد قصّة ولدها بالقول: “كان  مُخلِص (اسمه) مختلفاً عن جميع أولادي وأقاربنا في الشكل والفعل، كان أشقر الشعر يميل إلى الاحمرار قليلاً، مطيعاً، لا تكاد مهمةٌ توكل إليه حتّى ينجزها.

قبل شهرين من استشهاده أقلع عن التدخين نهائياً، وعندما سألته عن السبب قال لي أريد أن أقابل ربي برائحة طيّبة، عندما كان يقول ذلك يصيبني الجنون فتعلقي به كان لدرجة لا يتصوّرها العقل، ليس لأيّ أحدٍ من إخوته المكانة التي كان يتمتع بها هو – كلما ألفظ اسمه أحسّ بأنّ قلبي سيتوقف-.

تتابع أم عادل حديثها بحرقة، ” كنتُ أميّزه عن باقي أبنائي دون أن أشعر، فأشتري له الشامبو والعطر والثياب التي يحب، كنت دوماً ألقي اللوم على نفسي بأنني أميّز بين أبنائي لكنّ الأمر بتقدير من الله ربّما صبّ عليّ حباً مضاعفاً له لأنّ حياته ستكون قصيرة.. لطالما عاتبني ولدي الأكبر بقوله: لماذا نذهب معاً إلى حلب للدوام في الجامعة فيكون سؤالك عن مخلص وتوصياتك له ألست ابنك؟، أصمت وأقول له لا أعلم.

جاء ذلك اليوم اللعين، تقول أم عادل، وخرج ولدي إلى معركة ضدّ نظام الأسد في حلب وعاد لكن عودته هذه المرة كانت مختلفة، كان جثة مضرّجةً بالدماء مغطّاةٌ بالغبار بعد قتال طويل، وعاد لينام لكن في القبر هذه المرة ليس في فراشه، كانت صدمة لا يمكن أن توصف، كلُّ ما أتذكره هو مشهد رفاقه عندما فتحوا الباب ودخلوا به وقد غطت الدماء وجهه الجميل يحملونه على أكتافهم، كان وجهه جميلاً جداً كالطفل النائم، ثم لم أعد أتذكر أي شيء بعدها، كانت صاعقة حتى اللحظة بمضيّ عامين ونصف على استشهاده وأنا أعيش المعاناة نفسها.

تستعين أم عادل بمنديلٍ جديد لتكفكف به دموعها، مؤكّدةً توقّعها موت ابنها المدلّل، لكنّها سرعان ما تعود للبكاء مرّة أخرى لأنّها لم تكن تتوقّع وفاة زوجها.

فهو، والكلام لأم عادل، كان يعمل في لبنان في ديكورات المنازل، ثمّ استقرّ في بلده، واستأنف عمله، ولم يكن له أي دورٍ في الثورة، حتّى أنّه لا يتابع الأخبار.

تضيف: لا أعلم ماذا أصابه بعد وفاة مخلص، لقد ترك كل أدوات العمل في القرية المجاورة ولم يكمل العمل الذي بدأه، وحمل بندقيةً يريد الثأر لابنه رغم أن القتال كان آخر تفكيرٍ فكّره في حياته.

جلست ونصحته بأنّ الأمر قضاء الله وأنت لديك أولاد يريدون معيلاً لهم لم يقتنع، وتوجّه إلى حلب حيث كانت المعارك على أشدّها هناك، ذهب يوم الأربعاء وأعادوه لي الخميس (بعد يومٍ واحد) شهيداً بقصفٍ جوي.

دفنته بجوار مخلص، وكل يوم أزورهما باكراً، لم أنقطع عنهما يوماً فهما الوحيدان اللذان يمكن أن يفهما ما في قلبي من ألم، أشكو لهما ما فعلته بي الحياة بعد رحيلهما، وكيف قست عليّ وكأنها تريد أن تحاسبني عن أخطاء العالم كلّه.

الخامس من شباط من عام 2016 مات مخلص، بعد أربع أشهر ونصف مات والده، بعد شهرين ألقت مروحيات النظام حممها على القرية لتسقط أولى براميلها المتفجرة على منزلي، ففقدت آخر ما تبقى لي، لأهيم على وجهي برفقة أولادي الثلاثة الذين آثروا فيما بعد الهجرة إلى تركيا والعمل هناك وأبقى وحيدةً  في غرفةٍ استأجرتها، وتصبح حياتي بين أربعة جدران أشبه بجدران قبر أتمناه كل يوم دون أدركه.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل