استجابةً للواقع.. دارٌ لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصّة والمسنّين شمالي حلب

الأيام السورية؛ أحمد عبيد

يعيش مئات المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة في الشمال السوري الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة دون مأوى مناسب، ودون رعاية صحية خاصة، بسبب قلّة دور الرعاية وعدم اهتمام المنظمات الإنسانية بالعدد الأكبر من هؤلاء الناس.

مراسل الأيّام في ريف حلب، رصدَ خلال زيارته داراً للرعاية، ثلاثة حالات تنوّعت بين الاضطراب العقلي، والتشوّه الخلقي، والشلل الرباعي.

ممدوح شحادة (٦١ عاماً) من محافظة حماة وسط سوريا، واحدٌ من كبار السن الفاقدين لأسرهم، قصّ للأيّام، بمساعدة الممرض المشرف عليه، محطّات لا تزال تحتفظ بها ذاكرته، أوّلها توقّفه قبل نحو 40 عاماً عن دراسته الجامعية بسبب فقر عائلته، ليُساقَ بعدها لأداء خدمة العلم الإلزامية التي أصيب خلالها بمرض انفصام الشخصية كما أخبرنا الممرض (نقلاً عن أحد أقرباء المريض)، ثمّ تمّ تسريحه على خلفية هذا المرض، ليعود إلى العيش عاجزاً مع عائلته إلى أن توفي والده عام ٢٠١١.

بعد وفاة والده، نقله إخوته إلى مستشفى “ابن خلدون للأمراض العقلية” في مدينة حلب، حيث بقي هناك حتى اشتدت وتيرة المعارك بالقرب منها منتصف عام ٢٠١٤، فنُقِلَ ومن معه من المرضى إلى مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي، وبات مشرّداً متنقّلاً بين مخيم وآخر.

وضع السيد شحادة ليس أفضلَ حالاً من الطفل محمد عفش (14 عاماً)، إذ يعاني الأخير من تشوّه خلقي، زادَ صعوبته بالنسبة له تفكّك أسرته.

محمد المولود في مدينة عندان التابعة لريف حلب الشمالي، قال:”سافرت مع عائلتي إلى تركيا في نهاية عام 2013، لكن لم أعش فيها طويلاً، فبعد سفرنا مباشرة نشب خلاف بين والديّ انتهى بانفصالهما، فعاد والديَّ إلى سوريا وتزوّجت والدتي من رجل آخر رفض بقائي في منزله كوني معاق منذ الولادة، فأخذت والدتي تبحث عن وسيلة تعيدني فيها إلى سوريا، ووجدت شخص قام بنقلي إلى أحد المخيمات الحدودية في مدينة جرابلس الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، وأخذوا ينقلونني من مكان إلى آخر بسبب عجزهم عن تقديم العناية الصحية والشخصية في المخيمات”.

حالةٌ جديدةٌ لا علاقة لها بالأمراض النفسية ولا التشوّهات الخلقية، صاحبها الشاب عبد الكريم 24 عاماً، الذي يعيش اليوم في الشمال السوري بمفرده رغم عدم قدرته على قضاء حاجته بشكلٍ طبيعي، إنّه العجز.

يقول عبد الكريم: ” أصبت في العمود الفقري بشظايا البراميل التي أسقطتها مروحيات الأسد على منزلي في حمص عام 2013، نتج عنها عجزي التام بسبب الشلل الرباعي الذي سببه القصف،  فاضطررت للخروج إلى مدينة مارع المحررة والقريبة من الحدود السورية التركية لتلقي العلاج فيها، كون الإمكانيات الطبية في منطقتنا كانت ضعيفة جداً، وأجريت فيها عدّة عمليات جراحية لكن دون جدوى، ولم أعد قادراً على العودة إلى منزلي في ريف حمص الشمالي بسبب إطباق قوات الأسد حصارها عليه، فعشت في مخيم دار السلامة الذي قدّم لي المسكن والطعام، لكنّه ليس قادراً على تقديم الرعاية الصحية، وأصبحت أعتمد على سكان المخيم في ذلك”.

إنشاء دار الرعاية بجهودٍ فردية

حالات هؤلاء الأشخاص مع المئات من المسنين والعجزة الفاقدين لأسرهم والقاطنين في المخيمات الحدودية شمال حلب، شكّلت دافعاً رئيسياً عند نزار نجار (54 عاماً) لإنشاء دار لرعاية المسنين والعجزة في مخيم باب السلامة ضمن منطقة اعزاز.

يقول نزار للأيام: “بعد فترةٍ قليلةٍ من تعييني نائباً لمدير مخيم باب السلامة في حلب عام 2013، شبَّ حريقٌ في إحدى الخيام التي كان يعيش فيها رجل مسن بمفرده، لم يكن قادراً على الخروج من وسط الحريق حينها، وبعد إخماد الحريق وتدارك الموضوع قمت بتعيين طفلين للاعتناء به ومساعدته على القيام بواجباته الشخصية، وعزمت على تأمين مأوى مناسب ورعاية كافية لهؤلاء الأشخاص، فتشكّلت فريقاً تطوعيّاً مؤلّفاً من 4 شبان وامرأتين، وقمت بشراء خيمة أعراس وجهزتها لتكون صالحة للسكن واتخذتها داراً لرعاية المسنين والعجزة.

استقبلنا فيها 7 مرضى ومسنين، ثم بدأنا توسيعها، حتى حصلنا مؤخراً على مساعدة مادية من إحدى القبائل العربية في ريف حلب، وقمنا ببناء دار مؤلفة من 5 غرف وملحقاتها، وانتهينا من إكسائها وفرشها في 1 شباط/ فبراير من العام الجاري، وأطلقنا عليها اسم دار السلامة لرعاية المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة”.

يتابع نزار: “بعد الانتهاء من توسيع الدار وتجهيزها اتفقنا مع مشفى الأمراض العقلية في مدينة إعزاز، وهي مشفى تمّ إنشاءها في مدرسة للأيتام ونُقل إليها المرضى (107 رجال و22 امرأة) الذين كانوا يقيمون في مشفى ابن خلدون في حلب بعد اشتداد وتيرة المعارك فيها.

الاتفاق مع المشفى نصّ على نقل الحالات التي لا تستجيب للعلاج الذي يقدّمه إلى مبنى الدار الجديد، وأخذنا منهم 13 مريضاً ومسناً لتقديم الرعاية الصحية والنفسية لهم، وتخفيف العبء عن المشفى ليتمكن من استقبال حالات أخرى وتقديم العلاج اللازم لها، فأصبح عدد النزلاء في الدار 20 عاجزاً جميعهم من الرجال، ونحن نسعى الآن لإنشاء قسم خاص للنساء واستقبال المسنّات القاطنات في المخيمات وتقديم الرعاية لهنّ”.

وأخذ النجّار، على حدّ قوله، نفقات الدار ومصاريف النزلاء فيها على عاتقه الشخصي، التي قد تصل إلى مليون ليرة سورية شهرياّ (ما يقارب ألفي دولار أمريكي)، في ظلّ غياب الدعم والمساعدة من المنظمات الإنسانية والمجالس المحلية في المنطقة.

بدوره، قال جعفر (23 عاماً) وهو أحد المتطوعين في الدار: “أصبحت رعاية هؤلاء العجزة والمسنين أمر روتيني لدينا، ونعتبره واجباً لا يقل عن أداء واجباتنا الشخصية، ونسير في تقديم الرعاية لهم وفق برنامج محدّد تمّ الاتفاق عليه مع إدارة الدار، يبدأ بكأس الحليب الصباحي وينتهي بسهرات الغناء والإنشاد مع النزلاء، مروراً بوجبات الطعام والاستراحات والنشاطات الترفيهية”.

وأضاف جعفر: “نجد صعوبةً في التفاهم مع المسنين والعجزة في الدار، وخصوصاً أن بعضهم من ذوي الأمراض العقلية، فهم لا يشعرون بالتعب أبداً ولا ينامون الليل أحياناً، إضافة للبكاء والغضب والخوف المرتبط بذاكرة بعضهم، ناهيك عن الطلبات الكثيرة التي لا تنتهي وكان آخرها أجهزة التلفاز”.

يفتقر الشمال السوري لدور الرعاية والمراكز الصحية المتخصّصة بذوي الاحتياجات الخاصة رغم تزايد عددهم خلال العامين الفائتين، وفق شهادات القائمين على المشفى ودار الرعاية، عقب التهجير القسري الذي شهدته معظم المحافظات السورية، في ظل إعلان جميع المخيمات ومراكز الإيواء عن عجزها تقديم الرعاية الصحية اللازمة لهم.

دار السلامة للمسنين -المصدر:الأيام السورية
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل