حياتنا في مرآة عينها الثالثة

إنّ مفهوم الحركة / الزمن؛ والعلاقة الأبدية بينهما هو ما يشغلني أيضاً، حيث أسعى لاكتشافه وتجسيده في أعمالي. فالتصوير بالنسبة لي هو محاولة لاكتشاف الواقع، واكتشاف الذات

الأيام السورية | سلام أبوشالة

كثيراً ما ترى العين الثالثة ما لا تستطيع عيون الكثيرين أن تراه؛ والكاميرا.. تعشق كل يدٍ حرّيفة وكلّ عين ترصد تقتنص الصورة من سيرورة حياتنا؛ وهذا حالُها مع السيدة “ليندا زهرة” وهي تتحدث عن نفسها: “أنا من مواليد مدينة السلمية، تلقيّت تعليمي في مدارسها، ثم سافرت مع زوجي للدراسة في جمهورية مولدافيا، وهناك قمت بعمل كورسات لتصميم الأزياء والمكياج في جامعة الفنون الدرامية والمسرحية؛ وعندما عدت سنة 2004 إلى سوريا عملت كمُصمّمة مكياج في بعض الأفلام السينمائية القصيرة؛ وأيضاً كمُنتجٍ مُنفذٍ لبعض الأفلام الوثائقية: دمشق سيمفونية مدينة – أرواح متمردة – بارودة خشب وسواها؛ ثم انتقلت مع عائلتي إلى بيروت بسبب الأوضاع الأمنية في سوريا سنة 2012، وبعد حوالي السنتين كان لا بد من الانتقال إلى أوروبا بسبب سوء الأوضاع في لبنان”.

تضيف السيدة ليندا: “لقد كان خياراً صعباً جداً؛ ولكنني كبقية السوريين، لم يكن هناك أية حلول أخرى؛ وحالياً أعيش منذ 2014 في مدينة “فيينا” في النمسا، وأمارس عملي كمُصوِّرة فوتوغرافية مُحترفة”.

وعند سؤالها عن علاقتها بالكاميرا أجابت: “الصورة بالنسبة لي أولاً؛ هي حكاية بمعنىً آخر.. وكلّ صورة يجب أن تحمل مقولة ما، أو تسلّط الضوء على قضية معينة.. حيث الصورة هي مرآة الواقع الذي نعيشه؛ ومن خلالها أرغب بالبحث عن الحقيقة وطرح الأسئلة بالتوافق مع وجهة نظر محددة للموضوع الذي أرغب بتصويره، فكل موضوع يأخذ معنى آخر مع اختلاف زاوية التصوير والضوء والظلال وتوزّع الخطوط والأشكال داخل إطار الصورة”.

وتتابع: “إنّ مفهوم الحركة / الزمن؛ والعلاقة الأبدية بينهما هو ما يشغلني أيضاً، حيث أسعى لاكتشافه وتجسيده في أعمالي. فالتصوير بالنسبة لي هو محاولة لاكتشاف الواقع، واكتشاف الذات؛ فأنا كإنسانة وفنانة.. يعنيني جداً ما يجري حولي، أتابع كل شيء: نشرات الأخبار، مواقع التواصل الاجتماعي، أقرأ كثيراً، وأجد نفسي مُنغمِسةً في هذا كلّه؛ فالتصوير الفوتوغرافي فن.. ومهمة الفن التعبير عن الإنسان وعن مُحيطه ومحاولة للاكتشاف والتواصل. أحبّ أن أحرّك أحاسيس ومشاعر المُشَاهِد من خلال صورةٍ ما؛ لكنّي أحبُّ أكثر أن أخاطب عقله أولاً، وأحرّضه على التفكير في حكاية ومعنى الصورة وفك رموزها”.

وعند سؤال الفنانة ليندا ما الذي اختلف في رؤيتها للصورة الفوتوغرافية بعد قيام الثورة.. أجابت: ” إنني كفنانة أشعر نفسي ملتزمة قبل كلّ شيء بقول الحقيقة، ونقل معاناة الناس وأوجاعهم إلى كل العالم؛ كما إنني كمصورة فوتوغرافية سورية، يعنيني بطبيعة الحال ما يحصل لبلدي وأبنائه، وأجد أنّ الصورة هي وسيلة تعبيرٍ قوية يمكن أن تنقل كلَّ ما يحصل اليوم من مآسٍ لهذا الشعب، وتُوصله إلى العالم أجمع.. إنّ صورة واحدة يمكن أن تكون معبّرة أكثر من ألف كلمة ومقال صحفي.”

تتابع الفنانة ليندا قائلةً:” أعتقد بأنّ الصورة كان لها دورٌ هامٌ بنقل معاناة السوريين إلى العالم منذ عام 2011 وحتى الآن.

لقد زرت أكثر من مرة مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا وفي لبنان، ورصدت معاناة الناس هناك، وحاولت نقل آلامهم وأحلامهم من خلال الصور. كما سافرت إلى أنطاكيا في تركيا، وصوّرت الأطفال السوريين في المخيمات، تكلّمت معهم وحدثوني عما يفكرون ويرغبون به، وحاولت نقل ذلك عبر الصور”.

وتُضيف: “أنجزت مؤخراً مشروعاً توثيقياً فوتوغرافياً عن تعليم الأطفال في مخيم الليطاني في سهل البقاع اللبناني.. سلّطت الضوء عبره على شريحةٍ متنوعةٍ من الأطفال والأهالي السوريين الذين يعيشون هناك، كان أمراً رائعاً أن أتشارك مع ناسي وأهلي مجدداً الأحلام نفسها”.

أما عن مراحل تغريبتها فقالت الفنانة ليندا زهرة: “بعد وصولي إلى النمسا بفترةٍ زمنيةٍ بدأت موجةٌ مُناهضة للاجئين بين أوساطٍ أوروبية متطرفة، وأرادوا استعمال موضوع اللاجئين لخدمة أجندات سياسيّة مُحددة.. فكّرتُ وقتها أنه يُمكنني قولُ شيءٍ من خلال الصورة حول هذا الموضوع؛ فقمتُ بالبحث عن نساء سوريات من شرائح وخلفيات وأوساط مختلفة؛ حيث يُعبِّرنَ عن المرأة السورية الحضارية، وثقافتها المُنفتحة على الآخر، وقدرتها على الاستمرار رغم الصعوبات، وإيمانها بنفسها وبعائلتها وبأحلامها؛ فأنجزت مجموعة بورتريهات، وكانت كلّ صورة تُعرِّف بامرأة سورية.. من هي ولماذا قدمت إلى أوروبا، ماذا تفعل وماذا تريد أن تكون أحلامها؟”.

تتابع السيدة ليندا حديثها فتقول: “تمّ تسليط الضوء أيضاً على مجموعة من النساء السوريات اللاجئات في “النمسا” واللواتي بدأن بالبحث عن فرص جديدة في الحياة.. لإيمانهم بأنّهم ليسوا مجرد لاجئات وأرقام في دفاتر الأمم المتحدة؛ وإنما سيدات مجتمع حقيقيات يشاركن في الحياة بمختلف أطرها وأشكالها؛ وقد عرضنا الصور في “عيد المرأة العالمي” على لوح ضوئي كبير في محطة القطارات الرئيسية في فيينا حتى يراها أكبر قدرٍ من المشاهدين ويتعرفون على هويّة السوريين الحقيقية؛ ولاقى العرض صدىً طيباً واستحسانَ الأوساط الاجتماعية والثقافية في فيينا؛ وقد فتح لي هذا العرض أفقاً آخر للحديث عن المرأة المُهاجِرة بشكلٍ عام من خلال مشروع فوتوغرافي توثيقي حققته سنة 2017″.

أحمل الكاميرا دوماً.. فهي سلاحي في مواجهة الخوف؛ الحنين، الزمن والمنفى

أما عن صورها الفوتوغرافية في “النمسا” التي تُؤرخ اللحظات الإنسانية الصغيرة مع آلام وآمال تغريبتها في أوروبا، فتقول الفنانة ليندا زهرة:
” كانت النمسا بالنسبة لي تجربة جديدة وصعبة في نفس الوقت؛ لقد أُجبِرنَا على مغادرة بلدنا.. فلم يكن من السهل عليّ أن أجد نفسي فجأة في عالم غريب، كلّ شيءٍ كان مُختلفاً.. الناس ولون السماء، طعم القهوة وشكل الصباح؛ لكنّي قررتُ بصفتي مصورة فوتوغرافية، أن أقاتل منفاي.. الخوف والحزن والحنين إلى الماضي بكاميرتي عبر التقاط المزيد من الصور؛ فبدأت باكتشاف مدينة “فيينا” من خلال عدساتي؛ وبهذه الطريقة بدأت في كسر المسافة بيني وبين المدينة. قدمت الكثير من الصور للأشخاص.. نهر الدانوب.. الظلال وأشباح المدينة”.

تختتم الفنانة الفوتوغرافية السورية ليندا زهرة حديثها عن مشاريعها في المستقبل فتقول:
“أعمل على كتابة وتحضير عدة مشاريع تصوير فنية وتوثيقية؛ منها ما يتعلق بتفاصيل الحياة التي تعيشها المرأة السورية في المخيمات المُنتشرة على الحدود ما بين سوريا والبلدان المجاورة لها”.


ـ الفيديو من انجاز ليندا زهرة

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل