قراءة في كتاب: دائرة الخوف

0
الأيام السورية | أحمد العربي

1- ابن خلدون ونظريته هي المرجع المعتمد عند الكاتب

استند الكاتب على نظرية ابن خلدون المفكر العربي وعالم الاجتماع، الذي تواجد في القرن السابع الميلادي، والذي طرح نظريته في نشوء الدول وسقوطها، حيث أكّد على ضرورة وجود عصبية قبلية قوية متماسكة، مع عقيدة تحملها هذه العصبية وتؤدي إلى وصولها للسلطة، وأن وجودها في السلطة ينقسم إلى ثلاثة أطوار؛ طور الهيمنة والسيطرة والامتداد، ومن ثم طور الرفاه حيث تضعف العصبية وتركن إلى رغد العيش، ثم طور التحلل والسقوط.

أكّد الكاتب على كون نظرية ابن خلدون قادرة على تفسير وجود العلويين كعصبة طائفية عبر تاريخهم، والمحافظة على خصوصيتهم، وصولهم إلى السلطة في سورية على يد حافظ الأسد، وبعده ابنه بشار، وأضاف من عنده إلى النظرية مقولة جديدة: الخوف الطائفي يؤدي إلى توحّدهم وتضامنهم، ويحمي العصبية والدولة، يحاول الكاتب عبر أطروحته، التذكير دائماً بهذه المقولة، وأن يرددها عند كلّ منعطف من قراءته للعلويين التي تغطّي وجودهم منذ 850م إلى الآن.

2- كيف تطورت العصبية عند العلويين؟

نشأت الدعوة العلوية في أواسط القرن التاسع، على يد الداعية محمد بن نصير، وهو من أوساط الدعاة الشيعة الإمامية، وادّعى أنّه يتواصل مع الإمام الحادي عشر “الحسن العسكري”، الذي كان قد توارى خوفاً من السلطات وقتها، وسمّى نفسه “الباب”، وأنه منتدب ليوصل أوامر الإمام الحسن، كانت دعواه الدينية تعطي لعلي بن أبي طالب هالة من القداسة تصل للربوبية، وأنها تنتقل لأولاده من بعده، لذلك كانت دعواه مرفوضة ومحاربة، حتى في أوساط الشيعة أنفسهم، نشط ابن نصير في أوساط قبيلته النمرية في 850م وما بعد، وحصل انقطاع بعد ذلك حتى جاء الداعية عبد الله الخصيبي في 926م، وأعاد تجديد الدعوة وساهم بانتشارها في أوساط الحمدانيين، ووصل إلى أمير حلب سيف الدولة الحمداني، لكن التغيّرات السياسيّة الحاصلة بعد ذلك لم تجعل العلويين المنتشرين في حلب وجوارها بوضع جيد، حيث جاء السلاجقة الأتراك، وهاجموا حلب وأسقطوا الحمدانيين، في بداية الألفية الثانية، وكان ضحيتهم الكبرى العلويين فيها، وتوجهوا عندها إلى الجبال الساحلية السورية، وكان بينهم الداعية ميمون الطبراني (1008-1035) حيث انتقلوا لحياة الريف وعاشوا حياة قاسية، وانقسموا لعشائر متعددة، زعامات مختلفة ومنافسة.

كان مجيء الصليبيين إلى المشرق العربي واستقرارها في الساحل السوري، وعدم مواجهتهم للعلويين، وبغياب الصراع المتبادل، بمثابة درع حامية لهم على فترة 200 سنة في مواجهة الأيوبيين، استمر ذلك حتى خروج الصليبيين بشكل نهائي من المنطقة، في هذه الفترة ظهر بينهم في 1220م الحسن المكزون السنجاري، مجدداً دينياً.

زادت متاعب العلويين بعد ذلك حيث صدرت فتوى ابن تيمية بحقهم باعتبارهم غير مسلمين واستباحة أرواحهم وأموالهم، وذلك في (1305-1318)، وهذا دفع أحد زعاماتهم ولقبه المهدي لمواجهة حكم المماليك والثورة عليهم، وحاربه المماليك وقضوا عليه، وأعلن السلطان المملوكي محمد بن قلاوون منع الدين العلوي، وكانت فترة المماليك قاسية على العلويين، الذين اعتمدوا التقية وعدم إظهار دينهم، وعدم الاصطدام مع الحكام، استمر الحال حتى جاء العثمانيون إلى بلاد الشام، في 1516م، التي استمرت ثلاثة قرون، كان العلويون فيها في حالة كمون تحت حكم عثماني سني قاسي، وانتهت هذه المرحلة تقريباً عند مجيء جيوش محمد علي من مصر لبلاد الشام وانكسار الوجود العثماني في ١٨٣١م.

3- العصبية العلوية وتشكيل السياسة السورية

كان مجيء جيوش محمد علي إلى بلاد الشام وسقوط الوجود العثماني دور مهم على العلويين المنتشرين على الشريط الساحلي السوري، حيث عمل إبراهيم باشا على محاولة زجّهم في جيشه، وهذا اعتراف ضمني بإسلامهم، حيث يأخذ من المسيحيين جزية، لكن زعماء العلويين رفضوا التجنيد، وتمرّد عليهم إسماعيل خير بك، وواجهه إبراهيم باشا، وقضى عليه، وسرعان ما ساعدت بريطانيا العثمانيين وطُرِدَ إبراهيم باشا من بلاد الشام، وعادت السلطة العثمانية، لكنها كانت ضعيفة، سواء للقوانين الجديدة التي سنّتها والتي تدعو للمساواة ولدولة القانون، أو الحماية التي وضعتها الدول الأجنبية على الأقليات في الدولة العثمانية، وكان العلويون تحت تأثير الإرساليات التبشيرية البروتستانتية، وظهر وقتها كتاب الباكورة السليمانية، الذي كتبه سليمان أفندي الأذني، كاشفاً من خلاله العقائد العلوية، بعد إعلان تحوّله للمسيحية، وهي من أوائل الكتب التي ظهرت عن العلويين، موضحةً عقائدهم دون تورية وتغطية، وهذا شكّل إحراجاً لهم، بعضهم أنكر والبعض الآخر تغاضى، لكنّهم رجعوا للمربع الأول، هل هم مسلمون أم لا؟.

4- العلويون في سوريا من نهاية العثمانيين إلى نهاية الاحتلال الفرنسي

كان خروج العثمانيين من سورية على يد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى في 1915 وما بعد، واحتلال الفرنسيين لسورية وشرعنة ذلك عبر عصبة الأمم المتحدة، واعتماد الفرنسيين على أسلوب التفرقة والاعتماد على الأقليات لتشكيل قوة عسكرية داخل كل بلد تحتله.

كانت ردّة فعل العلويين على الاحتلال الفرنسي مقاومة، حيث واجههم الزعيم العلوي صالح العلي 1920، ولكن لم يستمر ذلك طويلاً، ودخل العلويون ضمن سياق خطة الفرنسيين في سورية، حيث بدأت بخلق فُرَق من الجيش من الطوائف والأقليات، العلويون والدروز والأكراد، وطرح الفرنسيون فكرة تقسيم سوريا لعدة دول، على أساس طائفي واثني، وشكّلت دولة علوية في الساحل السوري من عام 1923 إلى عام 1930، ثم أعيد تشكيل الكيان السوري الموحد، لم يكن العلويون متفقين على انفصالهم أو التحاقهم بالدولة السورية الواحدة، ويعود ذلك إلى تبعيتهم لزعمائهم العشائريين المتنافسين والمختلفين، وظهر بينهم سلمان المرشد الذي أعلن نفسه مقدّساً، يعني له درجة الربوبية، واختلف معه بعض العلويين، والبعض اتبعه، وأصبح له مذهباً واتباعاً، وشكّل نقطة خلاف صراعي داخل العلويين أنفسهم، لم تنتهِ بإعدامه من الحكومة السورية الناشئة حديثاً بعد خروج المحتل الفرنسي في 1946، بل استمرت ظاهرة كفرقةٍ دينيةٍ بين العلويين، بغض النظر عن الاعتراف بشرعيتها المتبادلة.

5- العلويون السوريون من استقلال سورية إلى استيلاء حافظ الأسد على الحكم في 1970م

كان لخروج المحتل الفرنسي من سورية دور إيجابي انعكس على العلويين السوريين، حيث كان للحكومة السورية الوليدة توجهات ليبرالية وديمقراطية، إعادة إعطاء حقوق للأقليات كانوا يفتقدونها، الجيش السوري الوليد، كان أغلب جنوده وصف ضباطه من العلويين، فكان الجيش بالنسبة لهم هو الملجأ بمواجهة قساوة عيشهم في ريفهم القاسي، إضافة لكون بعضهم امتداد للفيلق العلوي الذي شكّله الفرنسيون أيام احتلال سورية.

إضافة لمحاولة العلويين أن يندمجوا في واقعهم الاجتماعي، بين بقية مكونات الشعب السوري، وكانوا حريصين على أن يؤكّدوا إسلامهم، وكان لفتوى الشيخ أمين الحسيني مفتي القدس في 1936، باعتبارهم مسلمين، دفعة قوية لهم في هذا الاندماج، وبعد ذلك فتوى آية الله الشيرازي الشيعي العراقي باعتبارهم من المسلمين الشيعة في 1972، وكذلك فتوى موسى الصدر المرجع الشيعي بعد ذلك، كل هذا رسّخ وجودهم لكونهم أحد فرق المسلمين الشيعة.
كان لإعدام سلمان المرشد دور إيجابي في رفض الغلو الذي كان يمثّله، وأراح العلويون من عبء ادعائه الربوبية ومن ثم اعتباره مرّتداً عن الإسلام، وانتسابه لهم.

وتوجّه العلويون إلى الأحزاب السياسّية العلمانية الناشئة حديثاً، ويعني الانتساب لها المساواة بينهم وبين أغلب المجتمع الذين ينتمون إليه، وكان التحاقهم بالحزب القومي السوري الاجتماعي كبيراً، لكنّ إعدام مؤسسه أنطون سعادة بعد ذلك في سورية جعل شعبيته تتناقص، وبدأ الشباب العلوي بالتوجّه للتعلم والخروج من أجواء الريف المغلق، والانتساب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وكان للثلاثي زكي الأرسوزي، وأكرم الحوراني، و وهيب الغانم، دور أساسي في توسّع الحزب في أوساط الشباب العلوي، والتي أعطت لهم فرصة للدخول إلى الجيش السوري طلاب ضباط وضباط لاحقاً، حيث كانت قيادة الجيش السوري حكراً على السنة فقط.

لم يكن للعلويين حضور مباشر في الانقلابات الأولى التي حصلت في الخمسينات في سورية، وكان للوحدة السورية المصرية دورٌ في تكتّل الضباط البعثيين، الذين اكتشفوا أنفسهم مبعدين في الوحدة، وشكّلوا اللجنة العسكرية السرية لحزب البعث، كان بينهم حافظ الأسد، وصلاح جديد، ومحمد عمران العلويين، واثنان آخران من الطائفة الإسماعيلية، وكان لهذه اللجنة دور أساسي بعد حصول الانفصال بين مصر وسورية في 1961، والتحضير لحركة آذار 1963 التي رسّخت البعث حاكماً واحداً لسورية، بعد استبعاد الشركاء الناصريين من الحكم الجديد.

دفعت اللجنة العسكرية بقيادة حزب البعث التاريخيين ميشيل عفلق، وصلاح الدين البيطار إلى الواجهة بعد 1963، وسرعان ما بدأ الخلاف بين القيادة المدنية للحزب، والقيادة العسكرية إلى اللجنة الثلاثية العلوي عمران- جديد – الأسد، الذين أبعدوا القيادة التاريخية من السلطة نهائياً في 1966، حيث ترسّخ الحكم للثلاثي المذكور سابقاً، لكن الصراع التنافسي على القيادة والاختلاف على السياسات، أدّى لإبعاد محمد عمران بنفيه إلى لبنان، ومن ثم الانقلاب على صلاح جديد في تشرين 1970، وسجن حتّى الموت 1993م.

6- حكم حافظ الأسد 1970-2000م

كانت سيطرة حافظ الأسد على الحكم في 1970، هي بداية ترسيخ حكمه المطلق لسوريا، وكانت الطائفة العلوية حاضرة في أجندته، فقد أعطاهم الفرصة كاملة للتغلغل في كل مفاصل الدولة وخاصة الجيش والأمن، وقد فهم السوريون وصول العلويين إلى الرئاسة بأنه بداية هيمنة الطائفة العلوية، ولو تحت ستار القومية والاشتراكية والعلمانيّة وحزب البعث، ولو أنه حصل عبر فتاوى الحسيني الشيرازي وموسى الصدر على اعتباره مسلماً ولو كان علوياً، وقد حاول ترسيخ ذلك من خلال الدستور الجديد، الذي لم يشر لدين الدولة السورية لأول مرة، وكيف كان رد الشارع السوري برفض الدستور، مما اضطر الأسد على تعديل الدستور، وذكر دين رئيس الجمهورية الإسلام، لكن ذلك لم يحل الموضوع، الإخوان المسلمين بدأوا صراعهم المسلح مع النظام، بصفته علوي وغير إسلامي، وكان ردّ الأسد على الإخوان ساحقاً، فقد ضرب بيد من حديد، قتل واعتقال وهروب، وإصدار قانون الحكم بالإعدام على كل من ينتسب للإخوان، كان الأسد برده هذا قد زاد اللحمة الطائفية حوله، العلويون الخائفون من تكرار مظلوميتهم التاريخية، وإحساسها بخسارة دولة تعبّر عنهم، بالتالي رضوا بردة النظام القاسية، وكان تتويج ذلك من خلال اجتياح مدينة حماة وتدمير بعض أحياءها، وقتل ما يزيد عن عشرين ألف إنسان فيها، وهذا عنى عند العلويين وعند السنة، انعدام ردم الهوة بينهم في المستقبل القريب.

يطلّ الكاتب أيضاً على انعكاس تسلّم حافظ الأسد الحكم من العلويين، مناطقهم تحسّنت نسبياً، بالكهرباء والماء والمدارس، لكنّها لم تستطع مواجهة الجفاف، وأصبحت عرضة للهجرة إلى المدينة بحثاً عن لقمة العيش، كما أن أغلب شباب العلويين قد التحق في سلك الجيش والأمن والوظائف الحكومية، والنظام سهّل لهم ذلك، أصبحوا منتشرين في المدن وعلى هوامشها وحياتهم قاسية، اللاذقية مثلاً أصبحت أغلبية علوية، لكنهم يشعرون بأن هذه دولتهم ولهم السلطة المعنوية، وكل يستثمرها في موقعه ليستفيد عبر سلسلة فساد واسعة.

كان حافظ الأسد قد استثمر أخاه رفعت الأسد في كثير من الأعمال القذرة التي كان يجب أن يقوم بها النظام ليستمر له الحكم، وشكّل سرايا الدفاع، ذات الأغلبية العلوية، وكان لها دور في القضاء على الإخوان المسلمين، ومجازر حماة وسجن تدمر. وكان رفعت يُعدّ نفسه لخلافة حافظ الأسد، وحين مرض حافظ في 1983، حاول أن يستولي على الحكم وحافظ مريض، لكن حافظ واجهه، وكانت نهايته النفي النهائي خارج سورية، وكان ذلك امتحان للّحمة العلوية، والولاء بين حافظ ورفعت، واستطاع حافظ أن يوحد ولاء العلويين له.

كان حافظ الأسد قد أدرك اللعبة الدولية والتحالفات ومراكز القوى، فقد أنهى عملياً الصراع مع إسرائيل في الجولان عبر اتفاق فضّ الاشتباك في 1974، ومن ثم الدخول إلى لبنان تحت دعوى الحفاظ عليه في مواجهة إسرائيل 1975، والحقيقة لضبطه سياسياً لمصلحة النظام، تمّت محاصرة الثورة الفلسطينية ومن ثم إخراجها من لبنان، وتم اغتيال كمال جنبلاط رأس القوى الوطنية اللبنانية، وتمّ دعم الشيعة اللبنانيين، وتشكيل حزب الله الشيعي كأداة إيرانية سورية في لبنان، ودعم التواجد العلوي في طرابلس في مواجهة السنة، وتحويل لبنان لمزرعة إلى النظام السوري.

كما عمل حافظ الأسد على خلق تحالف استراتيجي مع إيران بعد الثورة 1979، وتحالفا في دعم حزب الله في لبنان، والوقوف إلى جانب إيران ضد العراق في حربها الممتدة، لقد ظهر أنّ الحلف السوري الإيراني هو حلف ذو جذور علوية شيعية، وترسيخه هذه العلاقة حتى الآن.

كما عمل حافظ الأسد على خلق وريث له في السلطة بعد أن تمّ استبعاد أخيه رفعت، وبدأ بتجهيز ابنه باسل، لكن باسل مات في حادث سير في 1994م واستدعي بشار ليجهّز لوراثة الحكم، حيث سيصبح رئيساً لسورية في 2000م.
كانت فترة حكم حافظ الأسد قد عنت بالنسبة للعلويين السوريين مرحلة رخاء وسلطة بالنسبة لقلة منهم، وكانت فرصة للعلويين جميعا أن يصنعوا حياتهم على كل المستويات بأنّ الدولة دولتهم.

7- بشار الأسد والعصبية العلوية، تغيير أم استمرار

جاء بشار الأسد إلى الرئاسة السورية في 2000م بعد وفاة حافظ الأسد، بشكل سلس، فقد تغيّر سن الرئاسة -٣٤ سنة-ليكون مناسباً له، ورُفّع إلى قائد للجيش والقوات المسلحة، وأمينٍ قطريّ لحزب البعث في يوم واحد، ورُشّح للرئاسة وانتخب رئيسا بعد ذلك، وكان قد فتح له الطريق والده قبل ذلك عبر تسليمه كل الملفات، وإبعاد كل المنافسين له.

حاول بشار أن يظهر نفسه إصلاحياً، وأعطى ضوءاً أخضر للحراك السياسي والمدني والحقوقي، لكن سرعان ما عادت القبضة الأمنية إلى سابق عهدها عندما وجد وأجهزته أنّ ذلك قد يطيح به وبحكمه. وكانت قد حدثت الضربة على أمريكا في 2001، وتداعياتها، احتلال أمريكا للعراق 2003، وخوف النظام من الأمريكان ووجودهم قريبين من سورية، دعم الجماعات الإسلامية الجهادية الذاهبة إلى العراق، واختلف مع الأمريكان حول ذلك، وكبر الخلاف بين الحريري وبشار الأسد، وتمديد رئاسة لحود في لبنان، ومن ثم قتل الحريري 2005، واتهم النظام السوري، وتمّ تفعيل المعارضة ضده، بين عبد الحليم خدام والإخوان المسلمين، وتشكيلهم جبهة الإنقاذ الوطني، التي لم تستطع فعل شيء، وانتهت دون أيّ فاعلية، ومن ثم إعادة تأهيل دور النظام السوري عبر المساعدة في مواجهة الجهاديين القاعدة وغيرها في العراق وخارجه، وأعيد تأهيل بشار الأسد، وظهر أنه ما زال ينفع للغرب وأمريكا.

كل ذلك جعل العلويين في لحظات الضعف يخافون على مستقبلهم في حال سقط نظام بشار الأسد، رغم أنه لم يعطيهم الاهتمام الكافي، تزوّج من فتاة سنّيّة، عمل مع طبقة تجارية سنّيّة مدنية، شكّل حوله طبقة مستثمرين من العائلة، على رأسهم رامي مخلوف ابن خاله، مع ذلك كان أي تهديد يطال بشار الأسد، يجعل العلويين يلتفون حوله خوفاً على أنفسهم من أي انتقام يطالهم جميعا.

مرّ نظام بشار الأسد في بعض الصراعات داخل البيت العلوي الحاكم، وحصلت بعض الاغتيالات والإصابات وانتهت بتركيز السلطة بيد بشار الأسد، وخاصة بعد مقتل غازي كنعان وآصف شوكت صهره.

8- ربيع سوريا وضرب ثورتها

لم يكن الواقع السوري يعيش حالة استبداد سياسي من بشار الأسد وعائلته فقط، بل فساد واستغلال وظلم وأفكار وأزمات حياتية على كل المستويات، ولذلك كان الواقع السوري جاهزاً موضوعياً للثورة على بشار الأسد وحكمه، وكان الربيع العربي مقدمة لذلك ووصل لسوريا، وكان الربيع السوري، ينطلق من مطالب الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، وينتشر في أوساط الشباب المستفيد من التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي، وبعيداً عن الطائفية، وينطلق من تطمين العلويين أن الثورة ضد النظام المستبد الظالم وليست ضد العلويين، لكن الرد العنيف من النظام على الربيع السوري، و وصمه بالإرهاب والطائفية وأنه قاعدة يريد إفناء العلويين، ممّا جعل الطائفة العلوية تلتف حول النظام وتكون أداته في مواجهة ثورة الشعب السوري، عبر الجيش والأمن والشبيحة.

ينتهي الكتاب مؤكداً مقولة الكاتب منذ البداية أن: العصبية الطائفية عند العلويين قد جمعتهم عبر العقود الأخيرة، من خلال سلطة عائلة الأسد، من خلال غريزة الخوف من أن تتكرر عليهم مذابح التاريخ التي عاشوها، وأن التهديد والخطر يجعلهم متماسكين ويدافعون عن وجودهم، ويقومون بأعمال ضد الإنسانية وضد مصالحهم، ستكون وبالاً عليهم في مستقبل الأيام.

مرة أخرى يستطيع النظام أن يخلق شرخاً جديداً بين مجموع الشعب السوري والطائفة العلوية عبر تجنيدها لتكون سلاحه وجنوده في قمع وقتل الشعب السوري.

وفي نقد الكتاب نقول:

إننا أمام كتاب مرجعي فيه الكثير من المراجع التي غطّت الموضوع بشكل واسع، كما أنه غطّى مرحلة تاريخية تمتد لأكثر من ألف ومائتين من السنين، لكنه تورط بمحاولة إعادة تفسير كل ما حصل مع الطائفة العلوية في تاريخها كلّه من منظور طائفي بشكل أساسي، بصفتهم أقليّة علويّة في مواجهة أغلبيّة سنيّة، وإنّهم ضحية اضطهاد دائم منهم، بحيث ترسب في ذهنهم عداء للسنة أصبح أقرب للعقدة منه نتاج حقائق تاريخية، والواقع أنّ الحكام الذين حكموا من الأمويين إلى العباسيين ثم المماليك والفاطميين إلى العثمانيين، بغض النظر عن نوع العقائد التي حملوها ليبرروا شرعية حكمهم، لم يكونوا يعبّرون عن السنة عندما قالوا إنهم ينتمون للإسلام السني، أو يمثلوا الشيعة أو الإسماعيلية عندما حكموا لمئات السنين في مصر والمغرب وإيران.

إن المظلومية الواقعة على مجموع الناس من الحكام المستبدين بحكمهم الوراثي ونظام الضرائب ونهب مجموع الناس واحدٌ، ولو أنّهم قد يكونوا أشد ظلما على المختلف دينياً أو طائفياً، نعم؛ الاختلاف بالدرجة وليس بالنوع، لذلك ليس مسلّمة تاريخية العداء العلوي السني، موضوع يحتاج لإعادة نظر وربطه في كل مرحلة بمجموع الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المصاحبة، والقوى الفاعلة في كل مرحلة تاريخية على حدة.

لم تكن الطائفة العلوية موحدة بهذه الصورة التي يحاول الكاتب أن يركّز عليها، فهو يذكر خلافاتهم الداخلية واختلافاتها في قضايا مصيريّة، وحتى اعتقادية في صلب أفكارها، مثلاً حقيقة ولاءاتهم هل للطائفة أم لانتمائهم العشائري؟ وقد ظهر الانتماء العشائري كان أقوى، وكذلك الموقف من الاحتلال الفرنسي، البعض حاربها والبعض رحّب بها، الموقف من وحدة الدولة السورية، البعض أيّده والبعض حاربه، وحتى نموذج حكم حافظ الأسد وابنه بشار بعده، لم يكن حكما علويا، كان حكما لعائلة الأسد وأعوانها، والطائفة إحدى أدواتها، وأحياناً إحدى ضحاياها، كما حصل من استخدام النظام الأسدي للعلويين في الجيش والأمن لقتل وظلم الشعب السوري، وحيث ينعكس هذا على الطائفة كلها بالسوء.

نعترف أنّ الطائفة العلوية بصفتها المرجعية، لم تكن في يوم من الأيام مالكة زمام أمرها، بل هي ضحية أعداءها، أو أداة مستغلة من قبل من يدّعي أنه يمثّلها ويمثّل مصلحتها، ولا يشذّ عن هذه القاعدة أيّ طائفة أو دين أو مكون مجتمعي، فإما أن يحصل التمثيل الديمقراطي للناس، أو يكونوا ضحايا الأنظمة التي تستبد بهم وتستعبدهم وتقهرهم، وتحت أيّ دعوى كانت، قومية أو إسلامية أو شيوعية، والتجربة العربية في الحكم عبر قرن كامل تؤكد ذلك.

كذلك هناك مشكلة في منهجية الكاتب في قراءة الطائفة العلوية في المرحلة المعاصرة، لنقل في القرن الأخير، إنّ تركيزه على أطروحة ابن خلدون فقط، دون التركيز على الفاعل الخارجي الدولي والإقليمي في أيّ حدث حصل في القرن الأخير، لا يمكن فهمه أبداً، لا يمكن فهم أيّ متغير في منطقتنا العربية، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار سقوط الخلافة العثمانية، وتقسيم البلاد العربية بين الدول الغربية، وزرع الكيان الإسرائيلي، ورعاية الدول الملكية أو الجمهورية، أو الصراع معها حسب المصالح العليا لهذه الدول، سقوط الدول وبقائها، ليس بسبب العصبية فقط، بل هي أساساً بمدى استجابة الحكام لمصالح الغرب في بلادنا.

إنّ وجود واستقرار حكم حافظ الأسد ومن بعده ابنه في سورية، ليس بسبب حنكته السياسية أو مدى العصبية العلوية حوله فقط، بل لكونه كان جزءاً من الإرادة الدولية السياسية في المنطقة، وبالتالي كان هناك من يحميه عند الحاجة من الدول العظمى، بصفته نظام حليف يخدم مصالحهم، ولو بشكل غير مباشر. وذلك يتضح فيما حصل في الربيع العربي، وكيف تمّت مساعدة النظام من دول عظمى وإقليمية بكل شيء، وكيف ترك الشعب السوري لقدره، القتل والتهجير وتدمير البلاد، لمجرد كون نظام الأسد يخدم مصالح هذه الدول أكثر من خدمة مصالح عصبته الخاصة. أمريكا وإسرائيل والغرب وروسيا وإيران ليست بعيدة عن تثبيت النظام السوري المستبد الطائفي، أكثر من دعم الطائفة العلوية له.

أخيراً؛ الكتاب مهم وقيّم في المكتبة العربية، التي تحتاج للمعلومات الدقيقة والحقائق التاريخيّة، لتصل إلى استنتاجات صحيحة، تقرأ الواقع بشكل صحيح وتتنبأ بالمستقبل، يجب أن نعمل له، مستقبل ينتصر للإنسان بصفته إنساناً متجاوزاً دينه وطائفته وعرقه، ينتمي لوطن ومواطن، تحت مظلة الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية.

دائرة الخوف.
(العلويون السوريون في الحرب والسلم).
الكاتب: ليون ت. غولد سميث.
ترجمة: د عامر شيخون.
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون.
ط1 ورقية 2016.
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!