سوريا.. جرحنا النازف

لماذا وصلت سوريا إلى هذا الدمار في مختلف مناحي الحياة؟ وهل يمكن أن تستعيد سوريا دورها التاريخي وسط هذا العالم؟ وما دور اللاجئين في ذلك؟

الأيام السورية؛ رزق العبي

منذ سنوات وسوريا تغرق في التصنيفات الدولية، مع كلّ تقرير تصدره منظمات حكومية وغير حكومية، والتي كان آخرها، يوم أمس الواحد والثلاثين من تشرين الأول حيث تذيّلت دمشق مع بغداد وصنعاء قائمة المدن بالنسبة لحياة السكّان.

وفي ذات اليوم، تذيّل جواز السفر السوري مع العراقي والأفغاني والباكستاني، قائمة الجوازات على مستوى العالم من حيث عدد الدول التي يدخلها حامل الجواز دون الحصول على تأشيرة مسبقة للدخول.

ولو أردنا الخوض أكثر في هذا الموضوع من جوانب أكثر إيلاماً فإننا نقول وبكلّ أسف بأن كل 7 دقائق تمرّ هناك سوريّ يصبح نازحاً أو لاجئاً، كما أنّ دمشق وفي تصنيف سابق تذيّلت قائمة المدن الأسوأ في العالم.

بطبيعة الحال، أصبحت سوريا بلداً مفرغاً من كفاءات مواطنيه، وتوزّعت خاماته في مختلف المجالات على بقاع الأرض. ويستمر القارب السوري بالغرق، وسط فراغ حقيقي وفوضى يعيشها من بقي في سوريا ومن هو خارجها.

وفي الوقت الذي تتفاخر فيه الدول بافتتاح خطّ “مترو” بدون سائق، أو المنافسة على أكبر مطار في العالم، يفخر نظام الأسد بوضع حجر الأساس لدوار صغير تكلفته بالمليارات في جبلة، أو كشك خبز في مصياف، أو تدشين حنفية مياه في إحدى مختبرات طلاب الصف العاشر.

أما سياسياً، في الوقت الذي تتبادل فيه دول العالم زيارات دبلوماسية رفيعة المستوى، يتفاخر نظام الأسد باستقبال رؤساء دول تعترف بهم دول أخرى لا تتجاوز عدد أصابع الكفّ.

سوريا إذ تغرق ويغرق معها تاريخ وحضارة وثقل دولي عمره سنين، بحاجة ماسّة اليوم إلى من يقف إلى جانبها. وربما يتمثّل ذلك في المثل القائل: (مابيحكّ جلدك إلا ضفرك).

سوريون في الداخل وآخرون كثر في المنافي، يجب أن نعيد توجيه بوصلتنا كسوريين في اتجاهها الصحيح. فإن بلداً عمره آلاف السنين ليس من العدل أن يغرق أكثر، لأن مشهد الدمار المادي الذي تعيشه بلادنا، يعمي أبصارنا في الوقت الحالي عن الدمار الحضاري والمجتمعي والثقافي والتعليمي وحتى الديني.. وهذه الأشياء هي التي يجب أن نشتغل عليها كسوريين..

هذا النظام القائم في دمشق، بوصفه نظاماً محتلّاً أو يسيطر على البلاد باستقدام قوات احتلال، سيزول مهما تأخر الوقت، ولكن يجب أن نعي ثِقل الأمانة الموكلة إلينا، حالياً وبعد سقوط النظام، والتي تتمثل بالنهوض ببلدنا من جديد..

علينا أولاً أن نعيد ترتيب مفهوم الوطنية في أذهاننا، بغير الطريقة التي وضعوها لنا منذ عشرات السنين، إذ ربطوا حبّ الوطن بصور (حافظ الأسد) وابنه قاصر الرئاسة (بشار الأسد).

يلزمنا اليوم أكثر من أي يوم، أن نلتفت إلى الأجيال الناشئة، التي تكبر في المنافي، وأن نزرع فيها بزرة الانتماء لسوريا، لأنهم مستقبلها، وربما يكونوا اليد المتميزة التي تساعد في إعادة إعمار سوريا على مختلف الجوانب، بما اكتسبوه من معرفة واندماج بمجتمعات أخرى، وبما عاشوه من يتم دون انتماء لوطن جاؤوا إليه لاجئين لا أكثر..

ربما لا أكون في موضع يسمح لي أن أطلب من أبناء بلدي الوقوف إلى جانب سوريا، ولكن أعتقد أنه بإمكاني أن أرتجيهم، لأن سوريا أمانة في أعناقنا، واليقين المطلق بنهاية الظلم فيها وسقوط الطغاة الذين أهانوها منذ السبعينيات وحتى اليوم..

ستعود سوريا، عامرة وهذا أمر مؤكد، لكنّها بحاجة لقواعد فكرية وثقافية ومجتمعية وسياسية، قبل إعمارها اقتصادياً.. فإن لم يحصل ذلك وبأيدٍ سوريّة ستكون بلدنا هشّة قابلة للغرق من جديد أو لأن تصبح مثلما هي الآن لقمة في فم دول العالم.


رابط يوضح أن دمشق تتذيل قائمة المدن بالنسبة لحياة السكّان

رابط يوضح تذيّل جواز السفر السوري قائمة الجوازات

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل