سوريا التي قتلت “رفيق الحريري”؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي

منتصف النهار، جسر الرئيس وسط العاصمة دمشق، حالة أمنية عالية وهلع واضح، حتى السماء تلبدت بالغيوم بشكلٍ مفاجئ، كل ما حولنا يوحي بحدوث شيءٍ ما… انقلاب؟! يبدو أمراً مستحيلاً… عناصر المخابرات ودورياتهم تجوب المكان.

مذياع رئيس المستخدمين في العمل كشف اللثام عن اللغز وانتهت القصة، اغتيل رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري.

سوريا قتلته!!

معظم المحطات اﻹخبارية اتهمت سوريا باغتيال الحريري، شعبياً كان الخبر مرفوضاً تماماً، فسورية ﻻ تقتل حليفها، حتى أنك ترى في عين الناس الدهشة، رغم علمهم الضمني باسم القاتل وجنسيته ولماذا ارتكب الجريمة.

التصريح باسم الجاني يعني حتماً “موت القائل واعتقاله”.

من يقف خلف الجريمة؟

معظم المؤشرات والقرائن كانت تشير بأصابع اﻻتهام إلى نظام اﻷسد وتورطه في تلك العملية، بمشاركة من حزب الله الموالي للنظام السوري واﻹيراني، بحكم العلاقة التي تدهورت بين الطرفين الحريري-اﻷسد، بعد التمديد لرئيس الجمهورية اللبناني في حينها، العماد إميل لحود.

مرّت سياسياً العلاقة الثنائية بين نظام اﻷسد والرئيس رفيق الحريري بمرحلتين؛ بحكم التموضع السياسي خلال الحرب اللبنانية، فمن التمجيد إلى التنديد، على خلفية رفض التمديد، تحت وطأة الضغوط والتهديدات السوريّة آنذاك. وبلغ تدهور علاقته مع النظام الأمني السوري – اللبناني.

  • المرحلة اﻷولى: استثمار العلاقة الطيبة:

نجح الحريري في كسب ودّ النظام السوري بقيادة، حافظ اﻷسد، الذي “وافق” بحكم نفوذه وقبضته اﻷمنية في لبنان، وسمح بتولّيه رئاسة الوزراء خمس حكومات لبنانية مُختلفة، وتحديداً في الفترة الزمنيّة الممتدّة من العام 1992 حتى العام 1998. وبعد أن أُخرج من الحكم لنحو عامين، فازت كتلته النيابية بكل مقاعد بيروت في انتخابات 3 أيلول/سبتمبر 2000، ليفرض نفسه رقماً صعباً في المعادلة السياسيّة الداخلية، وليعود ويتولّى منصب رئيس السلطة التنفيذيّة من العام 2000 حتى تشرين الأوّل من العام 2004، مُستفيداً من السياسة التي كان يعتمدها النظام السوري لجهة الإبقاء على زعيم هنا وعلى منافسه اللدود هناك، لإبقاء الخلافات ولضمان الحاجة إلى الدعم الخارجي.

  • المرحلة الثانية: التوتر والقطيعة

في 20 تشرين الأوّل/أكتوبر 2004، قدّم الحريري استقالة حكومته، مُعلناً اعتذاره عن تولّي منصب رئاسة الحكومة؛ اعتراضاً على كل الجوّ السياسي الذي كان قائماً في حينه.

الرد على الرسالة “الحريرية” كان “خشناً” وله صدىً دولي ومحلي، لكن البصمة واضحة، والقناع أو الدور المسرحي لم يكن مقنعاً كفاية، بل يؤكد وجود صدام بين النظام السوري والرئيس الحريري أدى وبعد بضعة أشهرٍ من استقالته لعملية اغتياله في 14 شباط 2005.

خلفيات الخلاف السياسي والصدام:

الوقائع التاريخية ﻻ تكذب، ولعل اﻷشهر اﻷخيرة التي سبقت عملية اﻻغتيال كافية لوضع النقاط على الحروف.

وبغضّ النظر عمّا خرجت به لجنة التحقيق الدولية، فإنّ السبب وراء تدهور العلاقة بين الحريري من جهة والنظام السوري بقيادة بشار اﻷسد، تعود إلى: التمديد للرئيس لحّود والخلافات على توزيع السلطة في الداخل اللبناني، أو الخلاف على تنفيذ بعض بنود اتفاق الطائف لجهة انسحاب قوّات الجيش السوري التي وصفت في الداخل اللبناني بأنها قوة احتلال. هذا فضلاً عن تباين وجهات النظر بالنسبة إلى السلاح في الداخل اللبناني.

تراكم تلك اﻷحداث، من الواضح أنها أغضبت القيادة اﻷمنية السورية في لبنان، ورأت فيها خروجاً من الحظيرة، ﻻ سيما (وليس سرّاً ) أنّ الحريري ومعه الوزير مروان حمادة كانا من المُتهمين بالتسويق والتمهيد خارجياً للقرار الدولي رقم 1559 الذي كان صدر في 2 أيلول/سبتمبر 2004. الذي كان من أبرز بنوده: مطالبة “جميع القوات الأجنبيّة المتبقّية في لبنان بالانسحاب”، ودعت إلى حلّ “جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانيّة ونزع سلاحها”.

لبنان لا يمكن أن يحكم ضد سوريا ولا يمكن أيضاً أن يحكم من سوريا:

صحف لبنانية وعربية نقلت تصريحاتٍ للنائب اللبناني السابق، باسم السبع، علّق فيها على القرار 1559 وعلى لقاء البريستول والبيان الصادر عنه، وقال: «زيارة الوزير وليد المعلم إلى بيروت في الأول من شباط 2005 هدفت إلى الإيحاء بأن القيادة السورية تحاور الرئيس الحريري».

مشيراً إلى: «أن لقاء الرئيس الحريري والمعلم في شباط/فبراير 2005 كان آخر قناة اتصال مع القيادة السورية وكانت نتائجه باردة».

مضيفاً أن الرئيس رفيق الحريري أكد في لقائه مع المطران بولس مطر بتاريخ العاشر من شباط 2005: «أن لبنان لا يمكن أن يحكم ضد سوريا ولا يمكن أيضاً أن يحكم من سوريا».

يختم السبع كلامه بالقول: «الرئيس الحريري قال إن ما بعد التمديد لرئيس الجمهورية غير قبل التمديد لرئيس الجمهورية، وإن لا ودائع انتخابية بعد الآن والاتفاق مع بكركي مستمر». مضيفاً أن الحريري «أراد أن يعلن أنه ذاهب بعكس الاتجاه الذي طلبته القيادة السورية».

نحن الدولة وﻻك:

مطالعة سريعة لشهادة النائب اللبناني باسم السبع التي وصفتها معظم الصحف بالتفصيلية الدقيقة وغيرها من الشهادات حول ملف اغتيال الحريري، مع فهمنا لطبيعة النظام السوري المخابراتي والعنجهية التي يتحدث بها بسبب طبيعة فهم العلاقة بينه وبين لبنان، نكون قد سلطنا الضوء على القاتل.

فمن هو “رفيق الحريري”؟

رئيس وزراء لبنان الأسبق أحد أكبر رجال الأعمال العرب، ساهم بشكل كبير في إعمار لبنان بعد فترة الحرب الأهلية.

  • المولد والنشأة:

ولد رفيق بهاء الدين الحريري يوم 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1944 بمدينة صيدا اللبنانية.

أتمّ تعليمه الثانوي عام 1964، ثم التحق بالجامعة العربية في بيروت حيث درس المحاسبة.

  • الوظائف والمسؤوليات:

عمل في السعودية في فترة السبعينيات وكوّن ثروة ضخمة في فترة وجيزة أهّلته لأن يكون أحد عمالقة رجال الأعمال المتنفذين في مجال البناء والعمارة.

حصل على الجنسية السعودية عام 1978 وأصبح مبعوثاً لها في لبنان آنذاك، وخلال هذه الفترة قام بشراء شركة أوجيه الفرنسية ودمجها مع شركته ليصبح اسمها “سعودي أوجيه” التي أصبحت من أكبر شركات المقاولات في العالم العربي.

ومع مرور السنوات اتسع نطاق إمبراطوريته ليشمل شبكة من البنوك والشركات في لبنان والسعودية، إضافة إلى شركات للتأمين والنشر والصناعات الخفيفة وغيرها. وبسبب نجاحه المهني أصبح في مطلع الثمانينيات واحداً من بين أغنى مائة رجل في العالم.

  • التجربة السياسية:

تولّى الحريري منصب رئيس الوزراء طوال الفترة التي تلت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، وذلك خلال الفترتين (1992-1998) و(2000-2004).

وفي خضم الأزمة السياسية التي أسفرت عن تمديد رئاسة الرئيس إميل لحود فترة ثانية، استقال الحريري من منصب رئيس الوزراء، وعلق على ذلك بقوله “لقد قدمت استقالتي للحكومة وأعلنت أني لن أترشح لرئاسة الوزراء في الحكومة التالية”.

  • الوفاة:

اغتيل رفيق الحريري في انفجار بسيارة مفخخة أصابت موكبه أثناء مروره بمنطقة المريسة غرب بيروت، أسفرت عن مقتله مع بعض معاونيه، وأدّت شدة الانفجار إلى هدم فندق سان جورج وبعض المباني المحيطة.

وقع الانفجار حوالي الساعة الواحدة ظهر يوم الاثنين 14 فبراير/شباط 2005 في منطقة تعجّ بالمؤسسات الاقتصادية.

من اغتاله؟

سوريا ﻻ تقتل حليفها، سورية اﻷسد يمكن أن تفعل كل شيء بدليل ما يحدث على الأرض من مجازر بحق المدنيين الذين ترى فيهم متمردين كالحريري على سطوة آل اﻷسد، والتاريخ خيرُ شاهد  دماء “كمال جنبلاط” وغيره.

مصدر الجزيرة موقع سوريتي موقع النشرة
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل