القلق رفيق المعلمين في غربتهم

ربما ينظر معظم السوريين إلى المعلمين، على أنهم الشريحة الأكثر استقراراً بين النازحين السوريين في تركيا، ولكن الحقيقة كانت مخالفة لذلك تماماً.

الأيام السورية؛ خالد المحمد

لم يعرف المعلمون السوريون في المدارس المؤقتة؛ التي هرمتْ في عمرها الخامس، وأوشكت على الموت  استقراراً؛ بل كان القلق من غدٍ وما سيحمله بعد غدٍ، رفيقهم الأكثر إخلاصاً.

في العام الأول والثاني من عمر المدارس في تركيا، ورغم أنّ العمل فيها كان تطوعياً، لكنّ عدداً لابأس به من هذه المدارس دُعمتْ  مادياً من منظمات إنسانية، قدمتْ سلة غذائية أو مبلغاً مادياً متواضعاً للمعلم، النازح حديثاً، التارك لأرضه وبلده، الخاسر لكل ما يملك مادياً، يعيش حالة من الرعب من إدارته السورية وإدارة المنظمة الداعمة، كون التربية التركية لم تكن حينها تتدخل بشؤون هذه المدارس، فكان فصل المعلم لا يحتاج إلا كلمة من هذه الإدارة؛ التي لم تكن تُكلّف نفسها شرحَ سبب الفصل، فكانت أغلب إدارات المدارس السورية هي إدارات تسلطية استبدادية، ولا زالت تحمل فكر البعث بكل أفعالها.

في العام الثالث أضحت المدارس السورية تحت الإشراف الكامل للتربية التركية من خلال منسقٍ منتدبٍ من مديرية التربية، مما حدَّ من ” سلطوية ” الإدارات السورية، وتمّ ضبط موضوع تعيين وتوزيع ساعات دوام المعلمين من خلال نظام اليوبس الإلكتروني.

لكن القلق عاد يقاسم المعلمون في خبزهم اليومي منذ عام /2016/ مع انطلاق خطة دمج الطلاب السوريين في المدارس التركية، ووضع جدول زمني لإغلاق المدارس السورية خلال ثلاث سنوات.

ومما ساعد بتعزيز حالة القلق وتغوّلها :

  • وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت مثاراً كبيراً للشائعات، ينشر فيها من يدري ومن لا يدري ما يصلح ومالا يصلح، فكان الوسط التعليمي وسطاً خصباً لشائعات كانت تنتشر بشكل يومي.
  • وجود فئة كبيرة من المزورين بين المعلمين، وهم في غالبيتهم ليسوا من الفئة المثقفة والتربوية، فكانوا يصدقون ويتناقلون أموراً لا تتقبلها الوقائع ولا المنطق حتى.
  • وجود وتسلط عدد من الانتهازين الوصوليين وهو أمر عانت منه كل مدرسة.
  • عدم وضوح التربية التركية في خططها المستقبلية وقراراتها الارتجالية التي تفاجأ بها القريب والبعيد؛ وكذلك اليونيسف التي كانت بعيدة عن هذه القرارات، ولم تتدخل بالأمور التنظيمية والتنفيذية لمعلمين يعملون تحت رعايتها ودعمها.
  • الفائض الكبير بعدد المعلمين السوريين مع إغلاق ودمج المدارس المؤقتة.
  • ضعف أغلب المعلمين باللغة التركية وعدم قدرتهم على إتقانها بسبب ضغوط الحياة والعائلة.
  • عدم وجود تمثيل للمعلمين السوريين سواءً على مستوى الولاية أو مستوى الوزارة.

بحسب تصريحات المسؤولين الأتراك وخطة الدمج سيكون العام الدراسي الحالي /2018-2019/، هو العام الأخير لمراكز التعليم المؤقت، بحيث يصبح الطلاب السوريون بمجملهم في المدارس التركية، وهذا لا يعني انتهاء عمل المعلمين السوريين، بحسب ما وعد به مسؤولو التعليم في تركيا، فهم يُعدّون خطة لاستيعابهم ضمن مشروع الدمج عاماً آخر على الأقل  من خلال فرزهم إلى المدارس التركية  قسم منهم أو جميعهم؛  وهي نقطة لم تتوضح بعد فيما إذا كانت ستُنهي  العام القادم  عمل نسبةٍ من المعلمين بسبب الفائض الكبير في عددهم بحسب معايير معينة، أو ستبقيهم كلهم كما تطالب اليونيسف من وجهة نظرها الإنسانية .

فقد بدأت فعلاً كخطوة استباقية تجريبية  بفرز المعلمين السوريين منذ بداية العام الدراسي الحالي إلى المدارس التركية، بمهمة المتابعة والإشراف على الطلاب السوريين في هذه المدارس، وإعطاء ساعات دراسية في حال غياب أحد المدرسين الأصلاء.

طبعاً هذا الفرز الجديد ضمن دعم اليونيسف المادي نفسه، والتي تسعى التربية التركية دائماً في محادثاتها ولقاءاتها مع اليونيسف إلى زيادة هذا الدعم / الراتب الشهري /.

هذا الفرز الذي رافقه أسئلة وهموم كثيرة، عن مهمة السوري في المدرسة التركية، وأيهما أفضل حالياً، الفرز أم البقاء في المدرسة السورية، وما مصير من لم يفرز؟ وما معايير إبقاء أو فصل المعلم في حال اتُخِذَ قرارٌ بذلك؟ ولا مجيب رسمي عن هذه الأسئلة، ولا مزيل للقلق الذي رافق المعلمون سنوات.

 هؤلاء المعلمون الذين أصبح غالبيتهم مواطنين أتراك بعد تجنيسهم، فمن غير المقبول أن تُبقي حكومةً ما آلافاً من مواطنيها وعائلاتهم دون خطةٍ واضحة لواقعهم الوظيفي الحالي، وتبيان بشكل رسمي لمستقبلهم، حيث لازال هذا المستقبل منذ سنوات بين الأخذ والرد والغموض، ولسان حالهم يقول :

ألا أيها الليل الطويل ألا انجل        بصبح وما الإصباح منك بأمثل.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل