الطلاب السوريون في تركيا واللغة العربية … جفاء الأحبة

الأيام السورية؛ خالد المحمد

مع تقدم الأيام في تواجد السوريين في تركيا، تقدم جيل جديد كما كان بعيداً عن وطنه أضحى بعيداً عن لغته الأم … نسي أصولها وفروعها وحروفها … وتطاول الجفاء بينهما.

“بسلبكم اللغة من مجتمع ما، تكونون قد سلبتموه حضارته وذاكرته، فالاعتداء على لغة مجتمع ما يعني الاعتداء على دين هذا المجتمع وثقافته وفنونه وأدبه”.

لعل هذه الكلمات التي أطلقها الرئيس التركي أردوغان في أحد خطاباته عن اللغة العثمانية، باتت تشكل أيضاً حالنا نحن السوريون في تركيا، وخصوصاً الجيل الناشئ الذي أضحتْ اللغة العربية بعيدة عنهم، رغم قصر الفترة زمنياً على وجودنا في تركيا، فخمس سنوات لا تعني شيئاً في ذاكرة الأمم.

صور:

لعل المعلمين هم الأكثر قرباً واطلاعاً على الأمر، من خلال ما يعاينوه يومياً من حال الطلاب مع اللغة العربية، ومما لاشك فيه أن اللغة العربية لازالت لغة المحادثة في البيت والشارع وفيما بينهم، لكن لغة المحادثة هذه ضحلة وفقيرة بالمفردات، فأغلب الناشئة باتوا أثناء سماعهم للفصحى يشعرون وكأنها لغة أعجمية، أما النقطة الأساسية فهي القراءة والكتابة، وهي نقطة الضعف الأبرز التي تعيشها اللغة العربية بين الشباب والناشئة السوريين، فمن الغريب أن نجد بعض الطلاب الجامعيين وهم ممن عاش في سوريا حتى المرحلة الإعدادية ودرس المنهاج العربي الكامل أكثر من /12/ عاماً، نجد لغته هزيلة ضعيفة، ويستعين كثيراً أثناء حديثه بالمفردات التركية لأنه لا يستطيع أن يجد في ذهنه المفردة العربية التي تمنحه المعنى الذي يريد، عدا عن ضعف قراءته وكتابته.

أما الجيل الناشئ والذي ضاع اليوم ما بين المدارس السورية المؤقتة والمدارس التركية عدا عن نسبة المتسربين الكبيرة، فصورُ ابتعادهم عن العربية كثيرة، فنجد أغلبهم / وخصوصاً في المرحلة الابتدائية / لا يجيدون رسم الحروف ولا قراءتها، رغم دراستهم في مدارس التعليم المؤقتة أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات، ويرجع ذلك لأسباب أهمها:

  • طغيان اللغة التركية على البرنامج الدراسي حيث تحتل أكثر من نصف ساعات الدوام.
  • ضعف التدريس باللغة العربية /حيث كانت النسبة الأكبر من المزورين هم ممن زوروا شهادة معلم صف/ وهو المعلم في السنوات الأربع الأولى للطالب، وهي السنوات الأهم في تعلمه للقراءة والكتابة وبناء العلاقة العاطفية بينه وبين اللغة.
  • انعدام كتب المنهاج باللغة العربية بسبب إيقاف التربية التركية لطباعتها.
  • التركيز والاهتمام باللغة التركية حيث هي لغة الدراسة الجامعية.
  • ضعف الاهتمام من أهالي الطلاب بأبنائهم، وغالباً بسبب انشغالهم بظروف المعيشة والحياة الصعبة في تركيا، أو تشتتهم أو وفاتهم بسبب ظروف الحرب.
  • شيوع معلومة أن اللغة العربية صعبة، والبعد العاطفي بين الجيل ولغته، حيث يفتقد لإدراك أهمية اللغة الدينية والأدبية وإمكانياتها الكبيرة.
  • دمج الطلاب السوريين في المدارس التركية التي لا تحتوي على ساعات تدريس باللغة العربية، والمنهاج باللغة التركية بشكل كامل، حتى بتنا نشاهد بعض طلابنا يكتبون العربية من اليسار إلى اليمين ويكتبون الكلمات كما تُلفظ فباتت الضمة واواً والكسرة ياءً والتنوين نوناً. عدا عن الكتابة باللهجة العامية، والذي عزز هذه الظاهرة انتشارها في رسائل التواصل الاجتماعي بديلاً عن الفصحى.

كنزٌ مضاع:

طبعاً يغيب عن شبابنا وطلابنا أهمية اتقان لغة ثانية أو ثالثة، فانصبوا على اللغة التركية – لحاجتهم لها -وأهملوا اللغة العربية حتى نسوها، وخسروا مكسب أن يتقنوا لغتين محادثة وقراءة وكتابة، فاللغة العربية من أهم اللغات على المستوى العالمي فهي أحد اللغات الست الرسمية في الأمم المتحدة والأكثر انتشاراً في العالم.

حتى في تركيا بات الاهتمام باللغة العربية كبيراً -حكومةً وشعباً-فاللغة التركية تحتوي أكثر من ست آلاف كلمة من أصل عربي. واتقان اللغة العربية في تركيا إلى جانب اللغة التركية بات يفتح أبواباً للعمل والوظائف، فباتت اللغة العربية شرطاً في عدد من الوظائف في دوائر النفوس والبنوك والسياحة والصحة والدوائر الاجتماعية.

عدا عن توجه عدد من الجامعات لافتتاح فروع علمية وأدبية تدرّس باللغة العربية بشكل كامل؛ فالبلاد العربية باتت من أهم الشركاء الاقتصاديين لتركيا، عدا عن الحركة السياحية الكبيرة مع توجه ثلاثة ملايين سائحٍ عربي سنوياً إلى تركيا.

مما حدا ببلدية استانبول لإضافة اللغة العربية إلى اللوحات المرورية ولافتات الطرق وشاشات المعلومات في النقل الداخلي.

كما قررت الحكومة إدخال اللغة العربية كلغة اختيارية في المدارس التركية، واعتمدت الرئاسة التركية في عام 2016 صفحة رسمية لرئاسة الجمهورية باللغة العربية، وكذلك كثير من المواقع الحكومية والصحف الإعلامية والصرافات البنكية، وإقبال كثير من الأتراك على تعلم العربية حتى كبار السن منهم.

فمن غير المقبول أن نرى غيرنا يُقبل على تعلم اللغة العربية وأبناء العربية ينسون الحرف العربي.

المنظمات السورية في تركيا مطالبة بإعادة إحياء اللغة العربية لدى الناشئة من خلال فاعليات ومراكز تركز على تعليم العربية وتعزيز قراءتها وسماعها وفق اللغة العربية الفصحى السليمة، وتنمية العاطفة الإيجابية تجاه لغتنا، وإقامة مسابقات حفظ وقراءة القرآن الكريم التي قطع فيها الأتراك شوطاً كبيراً، ونحن أولى بالقيام بها فاللغة العربية هي لغتنا الأم التي يجب أن نحفظها ونحافظ عليها مهما أتـقـتـنا من لغات.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل