قراءة في رواية حرب الكلب الثانية

المؤلف: إبراهيم نصر الله.

قراءة: أحمد العربي.

إصدار: الدار العربية للعلوم ناشرون/ ط١ في ٢٠١٦، ورقية.

حرب الكلب الثانية؛ الرواية الحائزة على جائزة البوكر العربية عام ٢٠١٨، هي رواية تتحدث عن المستقبل البعيد، لا نعرف كم من السنين، لكن نعرف كم أصبحت التكنولوجيا متقدمة، وسائل الاتصال والتواصل، والتحكم والانتقال بين الكواكب.

تبدأ الرواية من زمان قادم بعيد، وبلاد هي أقرب لبلادنا، هي بلادنا العربية دون تسمية لهذه البلاد، بلاد أصبحت محكومة من سلطة كلية القدرة، تتحكم بكل مفاصل الحياة، والبشر منهم، يرمز للحكام بالقلعة حيث يتربعون على مرتفع -رمزياً-يستخدم الوسائل الحديثة لإحصاء أنفاس الناس وحركاتهم، في هذا المستقبل؛ الشمس انحسرت وأصبح طول النهار ساعات قصيرة، والليل طويل والظلام دامس، الشخصية الرئيسية في الرواية “راشد”، شاب كان ينتمي للقوى اليسارية، التي عملت ضد السلطة، وكان نصيبه الاعتقال والتعذيب والسجن.

راشد خرج من المعتقل وفكر أن يصنع حياته ومستقبله، من خلال الاقتراب والتعامل مع حكام القلعة، التي يتحكم فيها العسكر، وأفضل وسيلة للتقرب من أعدائه السابقين، هو الزواج من أخت أحد الضباط الذي كان يحقق معه ويسجنه، الفتاة اسمها “سلام” هو لا يعرفها، المهم أنها أخت الضابط وستكون مدخلاً له إلى عالم القلعة، تقدم لخطبتها في شبه مغامرة، تداول الضابط في الأمر مع مديره ومن حوله من المسؤولين في القلعة.

راشد مناهض سابق للقلعة ومن فيها، ويعرف عنه أنه صمد أمام آلة التعذيب الجهنمية أثناء التحقيق، ولم يحصلوا منه على أي معلومة، كانوا معجبين به لصموده، ويحترمونه لأنهم لم يستطيعوا تطويعه والحصول على معلوماته، فكروا أنه يريد اختراقهم، ولم يخافوا فهم الحكام القادرين على سحقه مهما كان، وفي أي وقت، فكروا أنه يريد أن يلتحق بهم ليحصل على سلطة ومصلحة ويخدمهم ويحقق بعض المكاسب له، لم يستبعدوا ذلك، لم لا؟، ليفدهم ويستفيد هو، قرروا قبوله في وسطهم إن رضيت به الفتاة سلام، وليكون تحت المراقبة طول الوقت.

حصلت الخطبة بيسر وسهولة، وكذلك الزواج، ذُهل راشد من جمال زوجته سلام، وتمنى لو يكون لها مثيلات كثيرات، ويكنّ له، بدأ يعمل مع أخيها الضابط، وقدم له أفكاره ورؤيته عن مصادر استثمار جديدة وذات مردود عال، طرح عليه فكرة أن يستثمروا في سيارات الإسعاف، وتأمين المرضى والمصابين بأسرع وقت إلى مشافي الدولة أو المشافي الخاصة، خلق شبكة من سيارات الإسعاف وسائقيها ومسعفيها، وأضاف لها محاسبين لضبط مردودها المالي، وسميت مشروع أسير الأمل ١، نجح المشروع وأعطى لراشد عند الضابط ومديره مزيد من الثقة والمصداقية.

لم يكن راشد منشغلاً بالمشروع فقط، بل كان مولعاً بزوجته ويبحث عن شبيهات لها، ليعيش معهنّ علاقة جنسية دائمة، فكر أن يستفيد من تقدم التكنولوجيا والعلوم “هناك”، يعني بلاد أخرى نفهم -نحن-أنه الغرب، ويصحب سكرتيرته معه إلى هناك، مع صورة لزوجته ليعيد صياغة السكرتيرة شبيهة مطابقة لها، وهذا ما حصل، ويعودوا إلى البلاد ويعيش حياة جنسية ممتلئة، زوجته في البيت وسكرتيرته الشبيهة لها في العمل.

راشد يتقدم في العمل مع الضابط ومديره، ينجح المشروع، لكن مشكلة الأشباه بدأت تتكاثر، فها هو “الراصد الجوي” جار راشد بدأ يصبح شبيهاً لراشد رويداً رويداً، وهذا يعني خوف راشد على زوجته من أن يصل إليها جاره الراصد الجوي على أنه راشد، أصبح هذا الموضوع همّه الشخصي، وكيف يبعد جاره عن زوجته، ولو أدى إلى قتله، وكذلك سائقه الذي بدأ يصبح شبيهاً له أيضاً.

كما أنه أصبح يعاني من أخبار تصل لزوجته عن ظهورها مع زوجها في مواقع مختلفة، وهي لا تعلم، وبدأت تفهم أن هناك شبيهة لها تعمل مع زوجها، ستعلم أنها السكرتيرة، ويقنعها أنه جعلها شبيهتها لحبه لها، وأن علاقتهما لا تتجاوز العمل فقط، لكن التشابه بين الناس يزداد ويصبح ظاهرة عامة، وتبدأ القلعة في محاربة الأشباه والقضاء عليهم.

راشد يستطيع تبرير وجود سكرتيرته وكأنها شبيهة لزوجة الضابط وإدارة القلعة، أما جاره الراصد الجوي فيستطيع أن يصل إلى زوجة راشد ويعاشرها جنسياً على أنه زوجها، وهو يقرر التخلص من الراصد الجوي، ولا ينجح في القضاء عليه.

عمل راشد مع الضابط والمدير يتقدم، ويقترح عليهم مشروع أسير الأمل ٢، الذي يعني بناء سجن كبير لاعتقال الناس ثم مساومتهم على خروجهم، أو استمرار اعتقالهم، أو تعذيبهم، أو قتلهم إن تطلب الأمر ذلك، كل ذلك على أرضية الاستثمار والمرابح، وبدأ المشروع ونجح وزاد الاستثمار وارتفعت أسهم راشد عند الضابط والمدير. لكن واقع الحياة الأخرى لم يكن بخير، ظاهرة الأشباه وملاحقتها وقرار القلعة محاربتها، لم تخفف من حدوثها وانتشارها، أصبحت وباء شائعاً، الليل الذي يطول، والنهار الذي يقصر، التكنولوجيا التي وصلت للاتصال من أي شيء لأي اتجاه، السيارات الطائرة، الحيوانات النافقة، الغذاء البلاستيكي الذي استعاضوا به عن الغذاء الطبيعي الناضب، الصراعات الاجتماعية الكثيرة، لأي سبب تحصل وتمتد وتؤدي لكوارث تتحول لتصبح عالمية، حرب الكلب الأولى سببها كلب باعه صاحبة وقبض نصف ثمنه، وبسبب مماطلة الشاري حصلت الحرب وأصبحت كونية.

تدور أحداث الرواية في الحلقة المغلقة ذاتها، راشد يبحث عن جاره الراصد الجوي ليقتله، والراصد يخترق بيت راشد ويصل لزوجته ويمارس معها الجنس، الضابط ومديره يتقدمون بالمشروع أكثر وتزداد مرابحهم، الضابط يعاني من مشاعر جنسية اتجاه السكرتيرة الشبيهة لأخته ويصل إليها ويمارس معها الجنس، وراشد يصل للراصد شبيهه ويقتله، وقد لا يكون قتله.

تحدث حرب الكلب الثانية، ولا نعلم لماذا؟ ولا كيف؟ لكنها تدمر العمران وتقتل البشر والشجر، صواريخ تنهمر وتدمر وتقتل، الموت في كل حين وفي كل اتجاه، القلعة منهمكة بملاحقة الأشباه، وتخوض معركة أشباه راشد، الذي لم يستطع أن يقنعهم بأنه الأصل وليس الشبيه، ويموت تحت التعذيب.

تنتهي الرواية عندما تحضر ناقة عليها راكب إلى مضارب صحراوية، ليلتقي به أحدهم ويصطدم معه، ثم يؤسس لصراع جديد يصنع حرب الكلب الثالثة.

Steve Jobs Apple co-founder

وفي تحليل الرواية نقول:

إن الرواية متعبة من حيث هي غرائبية جداً، وفيها الكثير من الخيال العلمي، وتدور أحداثها في كثير من الأحيان عند غرائزية أبطالها وبدائية رغباتهم، ودورانهم حول ذواتهم المريضة.

تحاول الرواية أن توصل رسالة مفادها؛ أن العالم أصبح تحت هيمنة مطلقة للقلعة، التي تعني السلطات المحلية ووراءها قوى دولية، وأنها تتصرف مع شعوبها بصفتهم مجرد أدوات استثمار اقتصادي، لا أهمية لحياتهم وموتهم، يدمرون الطبيعة التي تحتضنهم، تحولت حياتهم لجحيم، الحكام لا يفكرون إلا بمصالحهم، والناس ضحايا في كل الوقت وما يمت بصلة لحياتهم.

الرواية تتوقف عند الصراعات الفردية والجماعية البينية العدمية والعبثية والصفرية، بصفتها حروب بأسباب واهية، حرب الكلب، وهذا بعض الحقيقة، وهو نتيجة، فالحروب أصلاً حروب المصالح، هناك شعوب ودول ضحايا ومختبر تجارب، مستباحة بشراً وحجراً، وهناك دول تتربع على خراب العالم، مجللة بعاره، لا علاقة للكلاب بحروف العالم، وصراعات البشر، ذلك عندما تصبح البلاد سجون كبيرة، تحكمها قلاع تستعبدها وتمتص دماءها، وتستخدم كل وسائل التقدم العلمي لذلك، عند ذلك سيظهر صراع الفناء البيني بين أبناء المجتمع الضحية.

إن أجواء ما يحصل من القضاء على الربيع العربي واستباحة الإنسان قتلاً وتدميراً وتشريداً وإبادة، كما في سوريا والعراق واليمن وليبيا، نماذج واضحة.

يريد أن يقول الكاتب: أن أسباب الصراع واهية، لكن نتائجها كارثية، والمستفيدين منها كثر، السلطات ومن يدور في فلكها، والأعداء كل الأعداء.

الرواية تتعب القارئ كمتابعة وقراءة، ومن قرأ لإبراهيم نصر الله كتاباته السابقة، يعتبرها روايته الأضعف، لكنها من حيث هي بهذه الغرائبية والسذاجة والدوران في حلقة مفرغة، ومتابعة متغيرات فردية ومجتمعية وطبيعية، بطريقة أقرب لمتابعة مريض نفسي يجتر في طرح نفسه، وعقده الجنسية وادعاءات تفوقه الأسطورية وذكائه الخارق، تاركاً وراءه كل هذا الخراب.

لذلك أعتقد أنها استحقت أن تحصل على جائزة البوكر للرواية العربية لهذا العام.


إبراهيم نصر الله؛ روائي وشاعر فلسطيني متميز، غزير الإنتاج، أغلب كتاباته تنصب على القضية الفلسطينية، تتناولها من أوجه عدة، له سلسلة الملهاة الفلسطينية، وله سلسلة الشرفات.  

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل