كيماوي اﻷسد، ومنشار محمد بن سلمان

ما الفارق الكبير بين الكيماوي والمنشار، مجرد أدواتٍ ﻹسكات القلم، أم أنّ للمجتمع الدولي في ملهى السياسة الليلي قولاً آخر؟!

0
اﻷيام؛ فرات الشامي

جمال خاشقجي، الصحفي السعودي المغدور، حديث المجتمع الدولي، والشارع العربي الذي ينظر إلى مسرح الجريمة بترقب، ليس فقط بحثاً عن نتائج التحقيق، وإنما لما ستؤول إليه أحوال نظام آل سعود.

بعيداً عن الكلام اﻹنشائي الذي يتحدث عن سقوط ورقة التوت عن أنظمةٍ ووسائل إعلام مأجورة، وأقلامٍ تحولت إلى المتاجرة بقيمها في سوق النخاسة السياسية؛ ثمة حدثٌ أبعد يلوح في المنطقة.

إنها الفسيفساء العربية التي تدثرت بعباءة “القومية” بدأت تتفكك تدريجياً، بل حتى الرداء اﻹسلامي الذي ترتديه بعض أنظمة “اﻹسلام السياسي”، خلعت ثوبها، في ملهى السياسة الليلي.

جمال خاشقجي، الكاتب الصحفي، حكايةٌ إنسانية كتبت آخر سطورها بالحبر اﻷحمر، أما الثمن، فالعوض على الله، أمام حكوماتٍ تأرجحت بفسادها بين المتاجرة بالقومية واﻹسلام، في حين بدأ اللعب على طاولة القمار مكشوفاً؛ المصالح تتدخل، والشامتون تعلو أصواتهم في وجه المهزوم.

إن ضياع الدماء السورية وإعادة إحياء مومياء نظام بشار اﻷسد، دليلٌ كافٍ على مصير دم الخاشقجي، مع أنّ الفارق يبدو في مراحله اﻷولى قد أخذ أبعاداً أكبر بالمسبة لملف الصحفي السعودي.

إنها معادلة المساومات، الجميع يريد أن يغرف من جيب آل سعود (باعتبارهم الوصي على أموال الناس ونفطهم)، ولعبة اﻻبتزاز هذه لن تنتهي قبل الوصول إلى أعلى نقاط المكاسب بعد التنافس بين جميع اﻷطراف ذات المصلحة في قتل الخاشقجي. أو تلك المستفيدة من مقتله.

بالمحصلة؛ ومهما كانت النتائج، وأياً كان القاتل، فالجريمة ستمر كالعادة في نفق الأُفول، أو التغييب، كما مرت عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري، واختفاء المرجع الشيعي موسى الصدر في ليبيا… وكمال جنبلاط، ويمكن القول (بوضوح) كحال الآلاف الذين قتلهم حافظ اﻷسد ثمانينات القرن الماضي، واستكمل عملية القتل ابنه بشار اﻷسد، دون الحديث عن محاكمة المسؤولين عن الضحايا، سواءً في سورية أو غيرها من الدول العربية.

دم اﻷفراد لا يختلف عن دماء العشرات واﻵلاف في العالم العربي، جميعها تخضع لميزان المصالح الدولية، واﻻبتزازات السياسية، كأوراق ضغطٍ تعود لتظهر وقت الحاجة إليها… يقول المثل في دير الزور: “إذا التاجر انضاق/دخل في حالة ضيق، طالع دفاتروه العتاق/القديمة”.

الجريمة السياسية وإسكات القلم، تؤكد تورط أنظمة دولية وغرقها في المستنقع دون إعطاء قيمة إنسانية لجوهر الجريمة ذاتها، بأبعادها اﻹنسانية وتحويلها إلى ورقة مساومات على طاولة التفاوض والمقامرة للكسب وسلب اﻵخر، بغض النظر في القضية عن الطرف الضعيف أو القاتل، لو سلمنا بضلوع آل سعود بالملف.

كيماوي اﻷسد، ومنشار محمد بن سلمان آل سعود، أداتان لجريمة هدفها واحد، قتل المعارضين، بالمقابل؛ ما الذي جنيناه من الكلام والضجيج واﻻستنكار؟!

المقتول في المقبرة بكفنه، والقاتل يصول ويجول في قصره، والرعية وصلتها الرسالة، على الجانب اﻵخر، ستمتلئ جيوب رعاة البقر وحلفاؤهم عما قريب، رشوةً على سكوتهم، وتثبيتاً لعروش أعوانهم.

التهمة والسياط قد تطال المقتول نفسه، لا عجب!!

من الطبيعي أن نرى خلال أيام كبش الفداء يقدم على طبقٍ للمحكمة، في قضية الخاشقجي، لكن الأكيد أنه ﻻ وجود لكبشٍ آخر في ملف قتل السوريين!!

إننا بكل اﻷحوال نتابع مشهداً جديداً في سلسلة التحالف اﻷمريكي-السعودي، بانتظار عرض اﻷسعار الذي سيقدمه ولي النعمة “دونالد ترامب” لحماية رموز المملكة، ونفي تهمة تورطهم في الجريمة.

الجريمة هي الجريمة، استخدم فيها الكيماوي أو الرصاص، أو حتى المنشار الذي تقطع به جذوع الأشجار الصلبة… العبارة الأخيرة مفتاح الحدث والعاصفة القادمة لا محالة… الدماء والأفكار كائناتٌ تعيش في النور مهما ظن الطغاة أنها ركنت إلى الظلام.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!