الرئيس العربي الذي وعدَ فأوفى.. “سوار الذهب” حالة عربية فريدة!

هل سمعت عن رئيسٍ عربي تنازل طوعاً للحكومة المنتخبة؟

الأيام السورية | أحمد عليان

المُلكُ عقيم

ليس للحاكم بعد القصر إلّا القبر، إن كان رئيساً في بلادٍ تحمل ظاهرياً اسم الجمهورية، أو في مملكةٍ تجاهر بنظام حكمها.

توضّح هذه المقولة طبيعة العلاقة بين الحاكم أيّاً كانت تسميته وبين الكرسي، وهذا ليس غريباً على تاريخ البشرية القديم ككل، بيدَ أنّ ثمّة بلادٌ غيّرت دفّتها وكسرت القاعدة كأوروبا الحديثة مثلاً، في حين غيّرت دولٌ أخرى شكل الدفّة دون مسارها، كالبلاد العربية في العصر الحديث، التي يقول تاريخها إنّ أبناءً قتلوا أعمامهم لأجل المُلك، وآباءً اتّهموا أبناءهم بالجنون لطردهم من الكرسي.

“إنّ المُلكَ عقيم” كما يقول ابن منظور في معجم لسان العرب، في إشارةٍ إلى أنّ الملك أقوى حتّى من رابطة الدم.

ومع شياع الأنماط العربية التي تتمسّك بالعروش حدّ ارتكاب الفظائع، يصبح شخصٌ كـ عبد الرحمن سوار الذهب استثناءً مخالفاً للنمطية السائدة.

لم يكن المشير عبد الرحمن أوربيّ النشأة، لقد كان عربيّاً أفريقياً، والمنطقتين تسود فيهما أو في غالبيتهما العظمى مقولة “من القصر إلى القبر”، إلّا أنّه كان الاستثناء في هذه القاعدة، فأخذ لقب الوفي الأمين.

من مدينة الأبيض إلى سدّة الحكم

ولد عبد الرحمن سوار الذهب في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان وسط السودان سنة 1935، لتبدأ حياته العسكرية عندما تخرّج ضابطاً في القوات المسلّحة السودانية عام 1955، وتدرّج في الرتب العسكرية وصولاً إلى رتبة المشير.

في عام 1971 فشل انقلابٌ عسكريٌّ بالإطاحة بحكم الرئيس جعفر النميري، وعلى الرغم من رفض سوار الذهب تسليم حامية الأبيض التي كان قائدها للانقلابيين، تمّ إبعاده دون أسبابٍ واضحةٍ بعد إحباط الرئيس للانقلاب، فكانت وجهته قطر، حيث عمل مستشاراً لأميرها الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني عام 1972، وهناك فصل الجيش عن الشرطة وأسّسَ كيانين مستقلين هما شرطة قطر والقوات المسلحة القطرية.

وبإجماع مصادر الإعلام السودانية ، كان المشير عبد الرحمن ضابطاً محترفاً، معروفاً بتديّنه الشديد، وقد أهّلته كفاءته بعد عودته إلى السودان لمنصب رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، ثمّ وزيراً للدفاع.

انتفض الشعب السوداني على نظام النميري في انتفاضة أبريل/ نيسان 1985، التي انتهت بسقوط الرئيس وتولي سوار الذهب رئاسة المجلس العسكري الانتقالي بعد ترقيته لرتبة مشير.

وعد فأوفى

تعهّد سوار الذهب بتسليم السلطة خلالَ عامٍ واحدٍ فقط، لحكومةٍ ينتخبها الشعب السوداني، وكانت المفاجأة، بإعلانه في أبريل/ نيسان 1986 تسليم السلطة للحكومة الجديدة المنتخبة برئاسة رئيس الوزراء الصادق المهدي، ومن هنا جاءت تسميته بالصادق الأمين، كنايةً عن صدقه في ما وعد، وحفاظه على الأمانة وهي السودان!

اعتزل سوار الذهب بعد تنحيه طوعاً عن الحكم العمل السياسي، وتفرّغ لرئاسة منظّمة الدعوة الإسلامية التي اتّخذت من السودان مقرّاً لها، ومن إنجازات تلك المؤسسة بناؤها العديد من المدارس والمستشفيات والعيادات وملاجئ الأيتام.

كرّموه حيّاً وميتاً!

علاوةً عن استقالته وتسليمه البلاد لحكومةٍ منتخبة طوعاً، وهو حدثٌ غريبٌ على تاريخ العرب القديم والحديث، فإنَّ سوار الذهب قدّم خدماتٍ جليلةً للدين الإسلامي، فنال عام 2004 جائزة الملك فيصل السنوية المخصّصة لمن قدّم خدمات جليلة للدين الإسلامي، وهي جائزةٌ تضاف إلى نياشين عسكرية كثيرة حصل عليها المشير خلال حياته.

توفيّ عبد الرحمن سوار الذهب يوم أمس (الخميس 18 أكتوبر/ تشرين الأول) عن عمرٍ ناهزَ الـ 83 عاماً، بعد أن أوصى بدفن جثمانه في المدينة المنورة في السعودية، وهو ما أمر به ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز، الذي أمر بنقل جثمانه من الرياض حيث يقيم إلى المدينة بطائرةٍ خاصّة، وأرسل رسالةَ عزاءٍ لرئيس السودان عمر البشير، ولذوي الفقيد، بحسب وكالة “واس” السعودية.

التاريخ العربي العام الموثّق للعلاقة بين الحاكم والكرسي، شهدَ حالاتٍ استثنائيةً، على قلّتها نذكر منها الرئيس السوري الراحل، شكري القوتلي الذي تنازل عن رئاسة البلاد طوعاً لأجل الوحدة مع مصر عام 1958، فأخذ لقب المواطن العربي الأول، وهو بذلك يتشارك الصفحة البيضاء وسط العتمة التاريخية مع الرئيس السوداني الراحل سوار الذهب.

مصدر وكالات
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل