قراءة في رواية مقتل فخر الدين

الكاتب: عز الدين شكري فشير.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: دار الشروق/ ط1 1995 ورقية- ط3 دار الشروق 2016.

هذه الرواية تتحدث بطريقة الخطف خلفاً عن حادثة اغتيال تقوم بها أجهزة الأمن والشرطة “لفخر الدين”، وكانت الحادثة قد قيدت ضد مجهول، لكن وكيل النيابة الذي كلف بدراسة ملف القضية “عمر فارس” عاد لفتح ملف القضية مجدداً، بعد أن جاءه فخر الدين في المنام يطالب بكشف الحقيقة، وجاءه مظروف فيه أوراق ووثائق من أصدقاء فخر الدين، تثبت أنه قتل اغتيالاً، والفاعل هو السلطة التي لم تعد تحتمل وجوده.

الرواية تقول لنا من هو فخر الدين: فخر الدين هو مواطن مصري مثله مثل غيره، نشأ في بيئة ريفية، جده شيخ ومالك أرض، له حضوره وحظوته، والده يعمل في الأرض والمطحنة التي يملكها، أما عمه فيعمل في التجارة، والده وعمه متزوجان من أختين، يقومان بأعمال العائلة بشكل مشترك.

توفي والد فخر الدين قبل ولادته مصاباً بإحدى آلات مطحنته وهو يصلحها، وهكذا ولد وعاش يتيماً في كنف عمه، الذي تابع شؤونهم الحياتية الكاملة هو وأمه، ولم يكد يعي حضور والدته حتى توفيت وعمره أربع سنوات، وهكذا أصبح جزء من عائلة عمه، حيث يعيش بينهم، وحيث توجد ابنة عمه التي تكبره بعدة سنوات. عندما وصل إلى سن الخمس سنوات أرسله عمه لقرية مربيته ليعيش عندها راعياً للغنم، لكي يتعلم الحياة ويدرك قساوتها، وهناك احتضنته مربيته وكانت له البديل النفسي عن العائلة، وكان رعي الأغنام فرصة له ليكتشف ذاته ويعيش إحساسه تجاه العالم.

عاد لبيت عمه وهو في سن الحادية عشرة، وعاش بينهم كواحد منهم، تعلم وأظهر تفوقاً بعلمه، وعندما دخل في سن الشباب فصل بينه وبين ابنة عمه التي كانت تعامله بود، والتي وقعت بحب جارهم الجديد، لكن أهلها رفضوا أن يزوجوها له، ضعفت أثناء لقاءها بحبيبها وسلمته نفسها جنسياً، وعندما علم عمه وزوجته (خالة فخر الدين)، اتفقا أن يزوجاها لفخر الدين؛ درءاً للفضيحة وللحفاظ على أملاك العائلة، حتى لا تضيع مع الغريب في حال تزوج ابنتهم. رفض فخر الدين ذلك مطلقاً، فابنة عمه تحب جارهم، والجار مستعد أن يتزوجها.

فخر الدين يرى تزويجه بها حراماً وعيباً وعاراً، وعندها رفض العم موقف فخر الدين وهدد بقتله إن فضحهم، أو لم يتزوج ابنة عمه، لكنه أصر على موقفه ولم يتزوجها، وأخبر أهل القرية بقصة عمه وطمعه، وما بين ابنة عمه وحبيبها، وغادر القرية مقاطعاً بيت عمه متوجهاً للقاهرة ليعيش فيها بقية عمره، ويقال بأن عمه طارده خارج القرية وقتله على فضحه لهم؟!

في القاهرة عاش في حي فقير (بين السرايات)، واجتهد ليدخل الجامعة، أصبح طالباً في كلية الحقوق، وصار واحداً من الناشطين في أوساط الطلبة، معظمهم كان مسيّساً، وهو ركّز على حقوق الطلاب المسلكية والسياسية، ورفض حضور الأمن الدائم في الجامعة وفي كل نشاطاته.

برز كناشط متميز، وأصبح يصطدم بالأمن بشكل شبه دائم، سيتعرف على حقيقة تغلغل الأمن في أوساط الطلاب والإدارة الجامعية، وأن كل شيء تحت سيطرة السلطة، خطط لمظاهرة تندد بالأمن وتدخلاته بشؤون الطلبة، فشلت واعتقل مع آخرين، واجهته حقيقة وضعهم كطلاب ضعفاء ومخترقين من الأمن وبينهم الخونة وكتبة التقارير، لكنه لم يستسلم أو ييأس، استمر نشاطه ومناوشته للأمن حتى أنهى دراسته الجامعية.

في الجامعة تعرف على بعض الأصدقاء، كانوا امتداده النفسي والاجتماعي، فبعضهم أصدقاء العمر، ومنهم كانت حبيبته شيرين، التي وجد فيها تعويضه عن يتمه، وغدر العم به، وتسلط السلطة عليه وعلى كل المجتمع، وأنها معه وبجواره تساعده أن يكون نموذجاً يبني الحياة معها بشكل أفضل،  لكن حبه لن ينجح؛ لأنه عندما عمل في المحاماة لم يفكر بالمال وكيف يحصّله، بل بالحق وكيف ينصره، فهو يرفض استلام قضايا فساد أو صاحبها مخطئ أو ظالم وإن كانت مدرةً للمال ومربحة، وأخذ يستلم قضايا المظلومين حتى ولو من غير أتعاب، ولو دفع من جيبه، وهنا اختلف مع حبيبته شيرين ووالدها أيضاً يوم ذهب لطلب يدها، فكيف ستعيش؟ ومن أين تشتري البيت والعربة وتعيش حياة مرفهة؟

كان يؤمن أنه يقوم بدورة وبرسالته الإنسانية، وأنه لن يبيع نفسه من أجل المال، وكانت شيرين تريد العيش، ولن تقبل أن تعيش حياة فقر وفاقة لدعوى مساعدة الفقراء، وهي قادرة على غير ذلك، لذلك فشل حبهم، تزوجت شيرين وغادرت مع زوجها لفرنسا. هو التحق بالجيش للخدمة الإلزامية، وكانت كتيبته ممن انتدبوا من الجيش المصري من أجل الذهاب للسعودية للحرب مع التحالف الدولي بقيادة أمريكا لتحرير الكويت ومحاربة العراق، وكان رافضاً لذلك منذ البداية، فهو ليس ملزماً أن يخوض معركة غير مقتنع بها. وعندما ذهب مع قطعته إلى هناك وعند إعلان الحرب رفض المشاركة، قال ليست معركته ولن يخوضها، ولم يستطع قادته إقناعه، وعندما يئسوا منه، أحالوه للمحاكمة الميدانية، التي دافع فيها عن حقه بعدم خوضه لمعركة ليست شرعية، ولا عادلة، وأنه يفضل أن يحاكم ويقتل لرفضه الأوامر على أن يموت في مواجهة ليست صحيحة، وحكم عليه بالإعدام فعلاً، وفي يوم التنفيذ حصل هجوم لصواريخ العراق على كتيبتهم وبدأت الحرب.

البعض يقول بأنه مات في تنفيذ الحكم أو من جراء الصواريخ العراقية ؟!.

Steve Jobs Apple co-founder

وهكذا يعود فخر الدين إلى القاهرة ليشارك في مكتب محاماة مع آخرين، سرعان ما ظهر تميزه وأنه لا يستلم قضايا فساد ولا ينصر ظالمين، وقد يدين موكليه، وأصبح ظاهرة تقض مضاجع القضاء والسلطة ومصالحها، وحوصر وقرروا في نقابة المحامين سحب رخصة العمل منه بعد أن أصبح عبئاً عليهم وعلى سلك القضاء كله، وهكذا وجد فخر الدين نفسه دون عمل، لكنه لم يمتنع عن دوره بحل مشاكل الناس وأهله في حيه، عبر توجيههم لكيفية التصرف، أو حل مشاكلهم صلحياً، وبدأ نجمه يلمع وصار مع بعض أصدقائه المحامين قبلة للناس وللمحامين المتدربين، وأصبح لهم على ناصية المقهى مكتب محاماة يطال كثيراً من القضايا، مما جعله يشكل عبئاً مرة أخرى على السلطة والقضاء وأولي الأمر ومنافعهم ومصالحهم التي تضررت، لذلك قرروا التخلص منه، وفي صباح يوم يستيقظ فخر الدين يرتدي ملابسه البيضاء ليتوجه للمسجد المجاور للصلاة، ليجد طوابير من رجال الأمن بانتظاره، متربصين به من كل الاتجاهات، وعندما يصل إلى نقطة محددة يطلقون عليه النار جماعياً ليردوه قتيلاً، تسحب جثته وتختفي. وترسل للنيابة شكاوٍ، ويفتح التحقيق، وتقيد قضية موته ضد مجهول.

هذا ما وصل إليه المحقق بعد فتح ملف فخر الدين مجدداً..هنا تنتهي الرواية..
لكن الرواية لم تنته هنا، ففي رواية أبو عمر المصري التالية لها، سيكون القتيل ابن خالته، يسافر فخر الدين إلى فرنسا مبتعثاً ليعود من هناك إلى السودان ليصبح واحداً من الجماعات الجهادية، ثم ليذهب إلى أفغانستان ويصنع من نفسه قاتلاً محترفاً متدرعاً بعقيدة جهادية، ليعود إلى السودان مجدداً لينقذ ابنه الضحية للجماعات الجهادية، ولينتقم شخصياً ممن ظلمه، وهو يدرك أن ذلك ليس أكثر من رد اعتبار ذاتي، وأن الأزمة عامة والفساد والخراب والبطش والظلم من السلطات المستبدة، يتطلب عملاً شعبياً جماعياً كثورة، وأن الانتقام الفردي ليس أكثر من عمل إجرامي بدوافع مشروعة، يريح صاحبه لكنه لا يحل المشكلة العامة المتفاقمة.

الرواية تحوي داخلها عنصر الاحتمالات، وما قيل عن أن فخر الدين قتل في المرات المتتالية، هو من باب التكهنات ممن يحيطه، أو الدعاية أو التشهير.

الرواية في أحداثها تؤكد أنه حي، قراءة الرواية تؤكد أنه يعيش إلى أن قتله  الأمن في كمين، لكن في الرواية الثانية أبو عمر المصري، سنعرف أن من قتل هو ابن خاله، وهو انتحل شخصيته واستمرت مسيرته…إلخ القصة.

الرواية ضمن سلسلة روايات متكاملة للروائي. وهو من أهم الروائيين العرب المعاصرين كما أشرنا سابقا.

إن الرواية تؤسس لمشروعية الربيع العربي، الذي يأتي لاحقاً ليعيد للإنسان العربي حقه بالحياة الإنسانية السوية، في أجواء الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة والديمقراطية والعمل للحياة الأفضل.

هذه رسالة الروايتين -مقتل فخر الدين وأبو عمر المصري -التي وصلتنا.


عز الدين شكري فشير، روائي مصري، قرأنا له أغلب إنتاجه الروائي، وهو كاتب متميز ومواكب للواقع المصري عبر عقود.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل