يلي بيرضى بِعيش!! حكاية قهر من إدلب

الأيام السورية؛ علياء الأمل، فرات الشامي

“يلي بيرضى بِعيش!!”… لسان حال الكثيرين في سورية.. اﻻستبداد والظلم… المرأة في بيتها تهمس في أذن جارتها بتلك المقطوعة المأساوية، كالذي ينفخ في نايٍ حزين، لحن الوداع… معزياً نفسه بالتسليم.

خلف جدران المنزل ثمة قصصٌ تحكي واقعاً فرضته موروثاتٌ أقل ما يقال عنها: إنّها بالية، متعسّفةٌ، جائرة، ضحيتها تراكمية، تمتد إلى عموم المجتمع السوري.

إنجاب اﻷوﻻد بعد الزواج، مسؤولية تربيتهم، المسؤولية عن الزوجة، مفاهيم تكاد تكون غائبةً في تجربةٍ عاشتها أم شادي من ريف إدلب.

ما بدي روح ع المدرسة:

ليس تعنتاً كما يبدو للوهلة اﻷولى صراخ الصغيرة داخل المنزل، هي فقط تمتلك حجة الكبار ومبرر رفضها الذهاب إلى المدرسة، والكل خارج أسوار البيت العتيق سمع السبب.

تصرخ صفا: “ما بدي روح على المدرسة، ما معي دفاتر ولا أقلام، ولا حقيبة وين بدي حط الكتب يلي سلموني ياها، عم أخجل حطها بكيس، ورفقاتي عم يضحكوا عليّ لأن ماني لابسة البوط المدرسي، وين أبي لي ما عم يجي يشوف طلباتنا….؟!”.

اﻷب …الحاضر الغائب!!

إنه موجود… والد صفا على قيد الحياة، حاضر الجسد، غائب المسؤولية، تلك العبارة التي لم تصرّح بها اﻷم أمام ابنتها، الحقيقة وجوهر ما يحدث من مشاكل في بيتهم، كما في العديد من البيوت.

صراخ صفا سمعه أهل الحي، لكن ما جدوى أن يسمع العابرون قراراً منطقياً، أدركته طفولة صغيرة، يكاد يماثل ثورةً كنا نعيشها حتى العام الماضي في سورية، تماهٍ غريب في القصتين، غياب الدولة والراعي، أسبابٌ انفجّرت تمرداً أو انتفاضة.

صفا ابنة أم شادي الزوجة الثانية للزوج المفقود “روحياً”، والتي رزقت منه بثلاث بنات وصبيان.

اشتهر الوالد في “ضيعته” ببخله رغم أن أحواله ميسورة/ثري إلى حدٍّ ما، متزوجٌ من ثلاث نسوة… إحداهن “أم شادي”، التي طلقها بعد أن رفضت سوء معاملته لها، وخلافاتها مع زوجته الثانية… أخذ منها بناتها… كأنما أخذ فؤادها من مكانه… على حسب وصفها.

زير نساء…

زواج المرأة وحياتها  مع “زير النساء” تكاد تشابه الموت البطيء المتسلل إلى جسدها تدريجياً…

شُغف “أبو البنات” كما يلقب، بالنساء، دفعه للبحث عن الثالثة، تزوجها… وﻻ يكاد يفارقها… أحبّها، ورزق منها بست بنات، وهي من ترعى له البقر أيضاً، ولا يعطي حقوق الزوجية إلا لها، وعملت أيضاً على تربية بنات أم شادي حتى تحظى بقلبه، وكان لها ما أرادت لدرجة أنه يتغاضى عن ظلم بناته.

دفاعاً عن بناتها عادت إلى حضنه:

كالعودة إلى حضن الوطن في المصطلح الذي بتنا نسمعه، حضن اﻷسد طبعاً، والصورةُ تشي بالتماهي بين واقعين.

عادت “أم شادي” إلى زوجها/طليقها، بعد علمها بظلم بناتها…!! وبالفعل ردّها إليه بشرط تركه على هواه، وأن تقنن في مصروفها، وعادت مع بناتها لخدمة أبويه، في بيت قديم بحاجة إلى ترميم،مجرد تسويةٍ كتلك التي وقّعها من فرض عليهم النظام السوري المصالحة، صك غفرانٍ من الجلاد للضحية، بشروطه التي أراد.

رزقت “أم شادي” بصبيين، دون أن يشفعا لها باستحواذ قلب الزوج، ولم تعامل بالطيب المفروض، بل على العكس تماماً، كالعنكبوت انتشرت خيوط البؤس في بيتها، واستقر اﻷلم والفقر في أركانه.

حديث الجارات:

ما كان خلف جدارن المنزل من ظلم، خرج وانتشر في القرية، وبات ظلم الزوج حديث نسوة الحي اللاتي يتألمن لوضع “أم شادي” رغم سكوتها، وخاصة أنّ الأسرة الفقيرة تعيش على ما يجود به أهل الخير عليهم، فجميع أهل الحارة يسكبون لها الطعام يومياً، وبعضهم يرسل لها ثياباً بالية تقي أوﻻدها البرد، أو تستر أجسادهم في الصيف.

الكل هنا يتصدّق عليهم بالمال وما يستطيع تقديمه من واجبٍ تجاه تلك اﻷسرة اليتيمة، وصفٌ أطلقه بعضهم على عائلة “أم شادي”…!!

بحثاً عن الزوجة الرابعة:

“أبو البنات” موجود، حاضرٌ في القصة، لكنه بعيدٌ عن واقع أبنائه، إنه اليوم يهيم على وجهه بحثاً عن الزوجة الرابعة، وقد حظي بمراده وتعلّق قلبه بفتاة من قرية قريبة… أقدمَ على طلب يدها للزواج، لكنّ صيته السيء حال دون زواجه منها.

تطبيقاً للشرع:

حجته التي يدور بها في العباد، والشمّاعة التي يعلّق عليها خطيئته، فهمٌ مغلوط للنص القرآني الكريم، كما تقول “أم مصطفى” المدرسة لجارتها “أم شادي”.

حوارٌ تقليدي، ما الذي سيثمره؟

مثل كل يوم، فنجان القهوة يوضع على طاولةٍ بسيطة في منزل أم مصطفى، خلف الطاولة تجلس أم شادي لتنثر همها، مع مرارة اللون اﻷسود، فضفضة نسائية بلا طائل كما تقول.

تهمس جارتها:

عجباً…!! أباح لنفسه تعدد الزوجات، ناسياً شرط العدل الذي أمر به الله تعالى في محكم تنزيله: ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)). (النساء:3) .

تنهي “أم شادي” الجلسة بدمعةٍ على وجنتيها، قبل أن تنهض محملةً باﻷلم: (( قلبي لا يحتمل أن أعيش بعيداً عن أولادي، رجعت  ولكنني أعمل كأجيرة في قطف الزيتون، والمحلب والكرز، حسب الموسم وأحياناً أساعد في أعمال بعض البيوت فيتصدق الناس علي حتى أتمكن من تربية أولادي، ومن رضي عاش”.

من رضي عاش!!

عبارةٌ مزيفة، لكنها حقيقة، نسمعها في المنزل، في العمل، في الدولة الظالمة… إنه اﻻستبداد والقهر، كم ثورةً نحتاج على تلك الموروثات؟!

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل