الخوذ البيضاء بين مزاعم روسيا والأسد وفي عيون العالم

رائد الصالح يفسّر للأيّام سبب حقد الروس والنظام عليهم

الأيام السورية؛ أحمد عليان

تخصّص السيدة “أولغا ريمسوفا” التشيكيّة جزءاً من وقتها يومياً للاطمئنان على أصدقائها المنقذين كما تحبّ وصفهم، وأحياناً في تصميم الصور لهم، ونشرها على صفحتها الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، هي ليست سورية رغم إيحاء موقفها بذلك، لكنّها أحبّت “سورية الحرّة” لأنّها وجدت أخيراً، كما تقول، الإنسانية لدى شباب أنقذوا عشرات آلاف البشر من الموت.

اليوم كان من المفترض أن تصمّم صورةً جديدةً، لكنّ مزاجها تعكّر، هي قرأت ما طلبته روسيا من الدول الغربية في الجلسة المغلقة التي دعت إليها يوم (الخميس 11 أكتوبر/ تشرين الأوّل)، وعرفت أنَّ اتفاق سوتشي الذي أوقف الهجوم على المناطق المحرّرة وكذلك القصف، لن يثني موسكو عن التفكير بالتخلّص من أصحاب خوذٍ بيضاء مهمّتهم كما يقولون إنسانيٌّ فقط.

وطلبت موسكو وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولٍ (لم تسمّه) من الدول الغربية أن تعملَ على طردِ منظّمةِ الخوذِ البيضاء من سورية، كونهم (إرهابين) ويجب إخراجهم من المجتمع السوري.

هو طلبٌ عارضته واشنطن وبريطانيا، ووصفته فرنسا بالتضليل الروسي. وأمام هذه التصريحات يحقّ للسيدة المُحبّة للدفاع المدني السوري أن تشعرَ بالقلق.

متطوّعو الخوذ البيضاء ينقذون طفلة –المصدر:(موقع الدفاع المدني السوري)

يملكون ما يجعل النظام يحقد عليهم

لم يكن تأسيس الدفاع المدني بطراً، أو نوعاً من الرفاهية، يوضّح ذلك الجملة التالية وقائلها مدير المنظمة في حلب عمار السلمو:  ” حتى نستطيع استيعاب حجم الضرر والتهديد والدمار للمأساة الحاصلة في سوريا بشكل دقيق علينا أن نتخيل حدوث زلزال بدرجة ٧.٦ ريختر خمسين مرة في اليوم الواحد”.

مدير الدفاع المدني رائد الصالح قال خلال اتصالٍ هاتفيٍ مع الأيّام : الخوذ البيضاء مؤسّسة مدنيّة، قائمة بمتطوعين بدؤوا بالعمل مع نهاية 2012 لتقديم خدمات البحث والإنقاذ لأنّ المناطق المدنية بدأت تتعرّض للقصف والغارات الجوية.

بالعودة إلى يوتيوب نجد مقاطع فيديو التقطت في مدينة حلب نهاية 2012 وبداية 2013، توثّق القصف بالبراميل المتفجّرة التي كانت قوّتها التفجيرية تستطيع  تدمير مبنى مؤلف من 4 طوابق دفعةً واحدة، وغالباً ما يكون هذا المبنى وأشباهه مأهول بالمدنيين الذين لا بدّ أن يكون بينهم ناجين سيموتون إن لم يتمّ إنقاذهم، وعملية الإنقاذ تتطلّب وجود الخوذ البيضاء.

الطلب الروسي من الدول الغربية الذي عكّر مزاج السيدة التشيكية، كان له تفسيرٌ من مدير المنظمة، إذ اعتبر أنَّ ما طلبته روسيا لم يكن سوى هروب للأمام، كونها تعلم جيّداً أنّ المنظمة الإنسانية تمتلك أدلّةً تدينها حتّى قبل نظام الأسد، وهي أدلةٌ يشاركها الدفاع المدني مع مؤسسات عالمية لإدانة الروس والنظام بارتكابهم جرائم حرب ضدّ المدنيين في سورية، لذا (والكلام للصالح) فإنّ روسيا تريد إخراج الخوذ البيضاء من الوجود لا من سورية فحسب!

يضيف الصالح سبب آخر وهو نجاح مؤسسة الدفاع المدني رغم ظروف الحرب، هذا النجاح أزعج الروس الذين يعملون على إظهار حليفهم في دمشق بشار الأسد الشخص الوحيد القادر على إقامة المؤسسات في سورية.

متطوّعو الدفاع المدني يوعّون طلاب المدرسة للحذر من مخلّفات الحرب –المصدر:(موقع الدفاع المدني)

ماذا قال الحليفان عن الخوذ البيضاء؟

لم يتوقّف بشار الأسد عن مهاجمة الخوذ البيضاء سيّما في الحوارات الصحفية التي أجراها معه صحفيون أجانب. في سبتمبر/ أيلول 2016 تهرّب الأسد خلال لقاءٍ أجرته معه وكالة أسوشييتد برس من الإجابة فيما إن كان يدعم ترشّح الخوذ البيضاء لجائزة نوبل.

الصحفي الذي يجري معه الحوار أعاد السؤال مرّةً أخرى، فأجاب الأسد أخيراً بقوله: ما الذي حقّقوه في سورية وما مدى خلو جائزة نوبل من التسييس!

وأيضاً في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، قال الأسد خلال مقابلةٍ مع التلفزيون السويسري إنَّ الخوذ البيضاء هم الوجه المجمّل لجبهة النصرة.

اتّهام الخوذ البيضاء بالإرهاب يدفع لقراءة مبادئهم والخطوط العريضة في نظامهم. ونظامهم الأساسي يقول في المادة السادسة المخصّصة لشروط قبول العضوية: يجب أن لا ينتمي المتطوّع لأيّ فصيلٍ عسكري!

Steve Jobs Apple co-founder

فوز فيلم الخوذ البيضاء بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي قصير تناوله الأسد بسخرية خلال لقائه مع قناة فينيكس الصينية في مارس/ آذار 2017، حيث قال: “علينا أن نهنّئ جبهة النصرة على حصولها على أول أوسكار، هذا حدث غير مسبوق في الغرب، أن يتم منح القاعدة جائزة أوسكار، أمر لا يصدق”!

وفي آخرِ تصريحاتٍ له نقلتها وكالات روسية، قال الأسد في يوليو/ تموز من العام الجاري: “إنَّ نشطاء الخوذ البيضاء الذين رفضوا تسليم أسلحتهم سيتم القضاء عليهم مثل الإرهابيين”!

هجوم بشار الأسد على الخوذ البيضاء دعمته روسيا، التي أصدرت عدّة بيانات تتّهم فيها المنظمة بفبركة الهجمات الكيميائية التي يُتّهم نظام الأسد (حليف روسيا) بشنّها ضدّ المناطق الخارجة عن سيطرته.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف في أبريل/ نيسان من العام الجاري إنّ بلاده تمتلك دليلاً يظهر أن بريطانيا شاركت بشكل مباشر في تنظيم استفزاز دوما، مضيفاً: “نعلم حقيقة أنه من الثالث إلى السادس من أبريل/ نيسان، تعرض ممثلو ما يسمى بالخوذ البيضاء لضغوط من لندن لتنفيذ هذا الاستفزاز في أسرع وقت”.

الاستفزاز الذي تحدّث عنه كوناشينكوف كان ما يعرف بمجزرة مدينة دوما الكيميائية التي وقعت في الغوطة الشرقية قرب دمشق في السادس من الشهر ذاته، وراح ضحيّتها العشرات من السوريين.

صورة تعبيرية-المصدر: (موقع الدفاع المدني السوري)

فضيحة مدوّية

في وقتٍ سابق من العام الجاري، زوّد أحد متطوّعي الدفاع المدني صديقته السيدة التشيكية بمقطع فيديو نشرته وسائل إعلام الأسد على أنّه فبركة الدفاع المدني للمجازر التي يتّهم نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين بارتكابها، وشرح لها أنّ هذا المقطع ليس في الغوطة الشرقية أصلاً، ولا يبدو أنّه في سورية.

هي لم تكن بحاجة للشرح كما أخبرت صديقها المتطوّع، إنّها تعرف الخوذ البيضاء أكثر من اللازم.

وحول الفيديو الذي لم تهتم له السيّدة التشيكية، استضافت المحطّات الرسمية التابعة للنظام محلّلين سياسيين للحديث عن هذه “الفضيحة المدوية” وشرحوا كيف يتم “مكيجة” الأشخاص على أنّ الصبغة الحمراء دماء وغير ذلك، كما استند الجميع على هذا المقطع لإنكار تورّط النظام وحلفائه بقتل مدنيٍ واحد في سورية.

بيدَ أن الحملة لم تصمد طويلاً، فلم تمضِ ساعات حتّى خرج صاحب الفيديو، فنان الخدع السينمائية عبد الباسط اللولو من قطّاع غزّة في فلسطين يطلب من هذه المحطّات وحليفاتها أيضاً الكف عن تزوير موضوع الفيديو، فهو تقريرٌ عن الخدع السينمائية فقط وتمّ تصويره في قطاع غزة!

من مجزرة المركز 107 في كفرزيتا-المصدر: (موقع الدفاع المدني)

بعد التصريحات والاتّهامات مجزرة متعمّدة

هجوم نظام الأسد ممثلاً برأسه بشار وكذلك روسيا على الخوذ البيضاء لم يكن لفظياً وحسب، فالأخيرة أصبحت هدفاً لطائرات وقذائف الحليفين، حتّى فقدت 255 شهيداً من المتطوّعين في صفوفها، بحسب إفادة مدير المنظمة للأيام.

الفضيحة انقلبت على ملفّقها، فسارعت المحطّات الرسمية إلى حذفه، لكنّه لا يزال في مواقع سورية معارضة، تناولته بسخرية، وفي صفحات إعلاميين موالين للنظام كحسين مرتضى.

Steve Jobs Apple co-founder

ثمانية من أصل 255 شهيداً من متطوّعي الخوذ البيضاء سقطوا دفعةً واحدةً في المركز 107 الكائن في مدينة كفرزيتا بريف حماة الشمالي يوم 29 أبريل/ نيسان 2017.

الوقت كان ظهراً، السيّدة التشيكية تتصفّح فيسبوك عندما رأت صوراً نشرها أصدقاؤها على صفحاتهم الشخصيّة للمركز المستهدف، حينها سألتني بلهفةٍ وخوف عبر الماسنجر عن أصدقائها، كان من بينهم قريب لي وكان بخير كونه لم يكن مناوباً داخل المركز يومها.

أمضت السيّدة يومين على حدّ قولها وهي تبكي 8 شبانٍ بينهم 2 أجسادهم متشظّية بالكامل!

الشبكة السورية لحقوق الإنسان ذكرت في تقريرها أنّ طائرات الحلف الروسي ـ السوري تعمّدت قصف المركز، واستمرّ الطيران الحربي قصفه المكان المستهدف مجدّداً، وكذلك الراجمات لمنع أي محاولة إنقاذٍ للمنقذين.

لقد استمرّت عملية انتشال الجثث من تحت أنقاض المغارة التي كانوا يتحصّنون بها لليوم التالي بسبب تعطيل القصف الكثيف للعملية.

ولفتت الشبكة إلى أنَّه تمّ العثور على بقايا ذخائر عنقودية من طراز PTAB – 1M، كانت قد استهدفت المركز.

صورة تعبيرية-المصدر: Gloal voices

العالم يكرّم الخوذ البيضاء

حصلت المنظّمة على جوائز عدّة منها  تيبراري الإيرلندية الدولية للسلام  في سبتمبر من العام 2017، وعلى جائزة الإدارة العالمية للقيادة في العام ذاته، كما حصلت على جائزة رايت لايفليهود المعروفة باسم جائزة نوبل البديلة في سبتمبر/ أيلول 2016.

لولا تهديدات النظام أعتقد كنّا سنعمل في كل المناطق التي كنّا موجودين بها سابقاً

مدير الدفاع المدني رائد الصالح

هذه الجوائز لم تأتِ محضَ صدفة، فمتطوّعو الخوذ البيضاء أنقذوا وفق مدير المنظمة أكثر من 115 ألف شخص، وعند سؤال الأيّام له هل تُنقذون مقاتلين في صفوف قوات الأسد؟ أكّد الصالح أنّ مهمّتهم إنقاذ البشر دون النظر إلى هويّتهم وخلفياتهم، مستشهداً بحالةٍ جرت في مدينة حيان بريف حلب عام 2014 (حسب ما يذكر)، وتمّ حينها إنقاذ مقاتلين من الميليشيات الأفغانية التي تقاتل إلى جانب النظام.

خمس سنواتٍ والسادسة على وشك الانتهاء، هذا هو عمر الخوذ البيضاء في سورية، هي سنواتٌ قليلةٌ من ناحية العدد، لكنّها طويلةٌ جداً سيّما على متطوّعيها الذين تعرّض بعضهم لمواقف صعبة جداً كما جرى مع متطوّعٍ كان يحاول انتشال جثّة أمّه من بين الأنقاض وهو يبكي وينتحب: أنا أنقذ العالم ولم أستطع إنقاذ أمي،  بحسب ما أظهر مقطع الفيديو.

غيرَ أنّهم رغم كل شيء يصرّون على الاستمرار ما دعت الحاجة، وكذلك السيّدة التشيكية تصرّ على استمرار احترامها للخوذ البيضاء، وستنهي الصورة التي تصمّمها لأصدقائها المنقذين ذوي الخوذ والقلوب البيضاء.


تنويه: لم تعطِ السيّدة التشيكية الإذن بنشر صورتها واسمها الحقيقي لأسباب خاصّة بها، وما ذكر أعلاه استناداً لصفحتها وشهادات سابقة لها ولشهادة صديقها المتطوّع.

مصدر موقع الدفاع المدني تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان وكالة الصحافة الفرنسية
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل