الحروبُ لا تدوم، و الكيِّسُ من يُوقف رَحاها

الأيام السورية | د. محمد عادل شوك

لمَّا رأى الإمام الخميني أنّ الحرب مع العراق دخلت في باب الاستنزاف المفرط، أعلن قبوله بقرار مجلس الأمن، وشبَّه ذلك بتجرّع السُمّ.

ولمّا رأى الرئيس علي عزت بيكوفتش، أن الحرب ستأتي على المسلمين في البلقان، إن استمرّت بتلك الوتيرة، فضّل أن يسعى لوقفها، وذهب إلى أمريكا ورجا الرئيس كلينتون أن يوقفها، رحمة بشعبه؛ وكان اتفاق دايتون.

وهذا ما كان من الرئيسين: بوتين وأردوغان، حينما رأيا أن الحرب أخذت تخرج عن أهدافها الأولى، فبوتين رأى فيها غوصًا في المستنقع السوريّ، ودفعًا له للعلق في وحوله، ولاسيما أنّ إدلب مقبلة على شتاء قاسٍ، وأردوغان رأى فيها مشغلة له عن حزمة البرامج التي تبنتها حكومته للسير قدمًا في برامج التنمية والإصلاح الشاملة للسنوات الخمس القادمة، مثلما هي مهلكة للسوريين المناهضين للنظام .

صحيحٌ أنّ الأزمة السورية حالها كحال أزمتي ليبيا واليمن، اللاتي توصف بحلولها الإقصائية، وصحيح أنّه يراد لطرفي الأزمة فيها أن يخرجا منهكين، ولكن ما ينبغي تذكره أنّه من غير المسموح فيها أن تخرج عن أطرها المرسومة، وأن تدوم إلى ما لانهاية، وأن المعارضة تمّ الرهان على صمودها من أفرقاء كُثُر، ولا يسمح للطرف الآخر أن يخرجها من المعادلة.

و أنّ ما كان من دفعها لتصل إلى المرحلة الراهنة، أمرٌ متفق على خطوطه العامة، وفق خطة مؤسسة راند، التي أوكل إلى روسيا شقُّها العسكريّ، و للأمريكان الشق السياسي، ولأوروبا الغربية ودول الخليج تمويل إعادة الإعمار.

وعليه فإنّ إدلب، والخطوات المتخذة بخصوصها، بما بات يسمى اتفاق سوتشي، أمرٌ يمثل بداية مرحلة، وليس نهاية أزمة، كما يحلو لبعض الأطراف أن تتعامل معه، فهو بداية مرحلة ستلج فيها الأطراف جميعها في الحلّ السياسي، وهو ما يفسر الحضور الكثيف للأمريكان وحلفائها مؤخرًا؛ إشعارًا لروسيا وحلفائها أنّه لا فكاك لهم من الانخراط فيه، وأنّ أي تلكؤ في ذلك يعني إيقاف عملية إعادة الإعمار، التي ليس بمقدور روسيا وحلفائها الشروع بها لوحدهم.

وقد باتت تركيا تدرك أن هذا الاتفاق بتوقيتاته الزمنية، كرة لهب تدحرجت إلى ملعبها، وستحرق كثيرًا من أوراقها؛ إن لم تفِ بتعهداتها في حلحلة عُقَد هذا الملف الشائك.

وقد نجحت إلى الآن في البند الأول منه، بخصوص المنطقة منزوعة السلاح، و أمامها تحديات ليست سهلة في تطبيق البنود الأخرى، ومن أهمها: فصل المهاجرين عن الفصائل المسلحة فيها، وتفكيك هيئة تحرير الشام، وتشكيل مجالس محلية تتولى إدارتها، وفتح الطرق الدولية.

يشار في هذا الصدد إلى تسويق تركيا لفكرة إقامة ” معسكر أشرف منبج “، للمهاجرين الجهاديين، على غرار ” أشرف ديالى ” لمجاهدي خلق، لإخراجهم من إدلب، من أجل طمأنة روسيا بإبعادهم عن أسوار حميميم، وفصلهم عن المعارضة المعتدلة.

وتذكر مصادر محلية مطلعة وجود لجان تركية في إدلب، أخذت تستطلع الأجواء لتشكيل إدارة مدنية للمنطقة، تشترك فيها مؤسسات الائتلاف الوطني، الذي زار وفد منه المنطقة منزوعة السلاح، برئاسة عبد الرحمن مصطفى، برفقة نذير الحكيم وأنس العبدة، وكذا الحكومة المؤقتة برئاسة جواد أبي حطب، كأحد مخرجات سوتشي، ويتوقّع أنها لن تقصي أطرافًا سورية من الهيئة، منخرطة عمليًا في سوتشي، و إن لم يصدر عنها بيان بخصوص موقفها منه، بزعامة الشيخ أبي محمد الجولاني.

في مقابل تجفيف الموارد المالية عنها؛ حملًا لها على المزيد من التناغم مع الرؤية التركية في التعاطي مع هذا الملف، وهو ما يفسِّر شروعها في تجهيز معبر ” الحَمَّام: جنديرس “، ليكون بديلًا تجاريًا عن معبر ” باب الهوى “، وذلك بعد انسحاب عدد لا بأس به من المنظمات الأجنبية والمحلية من إدلب، بدعوى فرض الهيئة أتاوات عليها، و استغلال موارد معبر باب الهوى لصالحها.

كما أوقفت بريطانيا تمويل عدد من برامج مساعداتها المقدمة إلى المنطقة، ومن ضمنها برنامج المساعدات السرية ” أجاكس”، المخصص لتمويل الشرطة الحرة، مثلما أوقفت الولايات المتحدة مشروعًا بتكلفة 200 مليون دولار، كانت مخصصة لإعادة الاستقرار في سورية.

وبذلك يذهب عددٌ من المراقبين أنّه لا رصيد للدعوات التي تدعي فرص استمرار المعركة على إدلب، مثلما تروّج أطراف في كلا طرفي الأزمة، فهي لا تعدو أن تكون جوائز ترضية لحواضنها الشعبية، وهروبًا من استحقاقات الحلّ السياسي لفريق منها، و خشية من تلاشي المشروع الآيديولوجي للفريق الآخر.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل