تطبيق العدالة الانتقالية يبدأ من صرخات المعتقلين

الأيام السورية: رزق العبي

بات تحقيق العدالة الانتقالية في سورية، أمراً بالغاً في الأهمية، بعد سنوات من الحرب، مع وجود ملايين “الضحايا”، جسدياً أو أخلاقياً أو غير ذلك، سواءً داخل البلاد أو خارجها.

وفي ظلّ الحديث عن تشكيل لجنة دستورية سوريّة، يتمخّض عنها انتقال سياسي للسلطة، تصبح العدالة الانتقالية، مطلباً، يحتاج السوريون منه أن يبدأ هذه المرحلة من أولئك الذي يقبعون في سجون النظام السوري منذ سنوات.

ولأن الإحصائيات، غير متطابقة، فإننا نستطيع القول بأنّ ما لا يقلّ عن 500 ألف سوريٍّ في قبضة السجّان ينتظرون من يعيدُ لهم الحياة، ويقتصّ من الجاني، الذي كبّلهم بالقيود وتفنّن في تعذيبهم على مدى سنوات، وهم أيضاً على شقّين اثنين، فمنهم من قضى تحت التعذيب، ومنهم من لا يزال يئنّ بصمت خلف القضبان.

لقد كان من المؤسف أن تترك إحدى المعتقلات المفرج عنهنّ، مدينة دمشق، وتهرب خارج البلاد، لأنّ ضميرها كان يعذّبها، بعد خروجها من السجن، كلّما كانت تمشي في الشام، وتشعر بأنها تمشي على أجساد المعتقلين.

تقول الضحيّة: إن هذا الإحساس كان معها ومع باقي المعتقلين في السجن، حيث كانوا يسمعون أصوات السيارات فوقهم وسط جوّ من الانتهاك لا يجب أن يخفى على أحد.

وتأتي أهمية تحقيق العدالة الانتقالية من البدء بإنصاف المعتقلين، من مراقبة حال جميع الذين أُفرج عنهم، حيث لا نرى لهم نشاطات أو أحاديث إلّا عن السجن وأصدقائهم في السجن وظروف اعتقالهم.

والكثير منهم وهو على باب السجن وفي طريقه للخروج تأتي وصية زملاء الاعتقال من داخل السجن: بألّا تنسونا، حتى أصبحت هذه العبارة أيقونة يستخدمها الناشطون والمدافعون عن المعتقلين.

كما أن إعادة حقوق هؤلاء الناس، وأقصد المعتقلين، لا تكتمل، بدون توثيق دقيق، يجري تناقله جيلاً بعد جيل، ليكونَ بمثابة شوكةٍ في حلق أي سجّان أو طاغية محتمل أن تمرّ به سوريا.

لقد كان من المحزن، خلال الأسابيع الماضية، أن نرى لقطات لأمهاتٍ في إدلب خرجن مع آلاف المتظاهرين، يحملن لافتاتٍ تذكّر بأولادهن المعتقلين في سجون النظام السوري.

كانت الغصّة التي بدت على إحدى السوريات وهي تقول: “إلي زمان عم بستنى هالمظاهرة لقول لابني إني ما نسيتك”، في إشارة منها إلى ابنها المعتقل في سجون النظام.

وأخرى لم تتحدث بأية كلمة، إلّا أن دموعها التي انهمرت وهي تحمل عبارة “عندي أمل أنك عايش”، كانت كفيلة برسالة يجب ألّا تتوقف عند التظاهر فحسب، إنما بموقف سياسي وشعبي واحد يُعيد إلى آلاف السوريين والسوريات حقّهم في العيش خارج السجن، خصوصاً وأنّ تهم الغالبية العظمى منهم هي التظاهر ضدّ (بشار الأسد).

إن مسألة تحقيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر، تعطي الضحايا إيماناً حقيقاً بأنهم بشر، ليعودوا فيما بعد إلى حياتهم كمواطنين في بلدهم، ويوصل رسالة إلى أي مجرم أو طاغية، بأنّ كلّ جريمة سينتهي مشوارها بمحاسبة عادلة تُنصف الضحية وتعاقب المجرمين.



رزق العبي: صحافي سوري، درس الإعلام في جامعة دمشق، يعمل في الصحافة منذ 2006 مقيم في تركيا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل