قراءة في رواية: خطوط النار

المؤلف: فواز حداد.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: رياض الريس للكتب والنشر/ط١ . ورقية. ٢٠١١ م.

رواية خطوط النارتكاد تكون إطلالة على الواقع العراقي في ظل الاحتلال الأمريكي بعد عام ٢٠٠٣، امتداداً لرواية جنود الله، التي قرأتها وكتبت عنها، تتميز خطوط النار بأنها تتحدث بلسان حال المحتلّ الأمريكي، حيث التقى الكاتب مع أحد الأمريكيين “كيلي” الذي تبيّن أنه طبيب نفسي كان يخدم مع الجيش الأمريكي في العراق، وأنّه اتفق مع الكاتب على أن يقصّ عليه تجربته في العراق، على أن يكتبها بلسان حاله هو. وعده الكاتب بالالتزام بذلك قدر الإمكان.

المتحدث في الرواية هو: الطبيب النفسي كيلي، ومن خلال صوتين متمايزين داخل الرواية، الأول سردي لما يحصل معه، والثاني هو الجانب النفسي، الوجداني، العقلي الحقيقي، الذي يضمره تجاه ما يحصل معه لنقل: إنّ الصوت الثاني هو حقيقة ما يفكر ويمارس، والصوت الأول هو ظاهر ما يتصرف مع الآخرين، سواء كان الأمريكان رؤساء ومرؤوسين، أو العراقيين ممن تعامل معهم.

“كيلي” الطبيب النفسي التابع للقوات الأمريكية المحتلة للعراق، والمتمركز في منطقتها الأمنية المحصنة والمحمية، المسماة “المنطقة الخضراء”، بما يعني أن كل العراق خارج هذه المنطقة هي منطقة حمراء، وهذا يعني أنّها منطقة خطر، يُستدعى الطبيب من قبل رئيسه الضابط المسؤول عنه، ويسلّمه حالتين تحتاجان للمعالجة والمتابعة، الأولى جندي أمريكي اسمه “برينز” ، مصاب بمشاكل نفسية مما حصل ويحصل معه كجندي أمريكي، يقاتل، ويقتل، يفكر بالانتحار، مطلوب علاجه، وحالة أخرى لفتاة عراقية اسمها “بثينة”، تريد أن تقوم بعملية انتحارية ضد الأمريكان، المطلوب أن تُعالج وتكون نموذجاً عن النساء اللواتي يجب أن يصبحن دعاة سلام وتقبّل للأمريكان في العراق.

المهمة صعبة ومعقدة، والقيادة الأمريكية تعوّل على نجاح الطبيب في ذلك. وهناك برفقة الفتاة رجل عراقي لقبه “أبوسعيد”، يقوم بدور الترجمة بين الفتاة والطبيب من العربية إلى الإنجليزية وبالعكس.

نتابع حياة كل من الفتاة والجندي الأمريكي، والمترجم على خلفية واقع الاحتلال الأمريكي للعراق، العراق الذي أصبح ساحة حرب بين الجنود الأمريكيين والقوى المواجهة له على تنوعها، المقاومة العراقية، والقاعدة التي أصبح لعملياتها حضوراً قوياً، فهي تستهدف بالاستشهاديين الأمريكان وغيرهم؛ ممن تعتبرهم مخالفين لها، أو يعملون معهم. الطبيب ينطلق من خلفية المصالح الأمريكية العليا، مستخدما أدواته العلمية، الوجود الأمريكي وشرعنة هذا الوجود وتبرير سلوكياته، بكونه قضى على الحكم العراقي المستبد، وأتى بالديمقراطية، تقليل أهمية وجود الضحايا، مبررا أنها ضرورات الحرب، تقبّل الدور الأمريكي ليس كمصالح بل كرسالة إنسانية، تغطية كل الأخطاء بصفتها فردية أو بسبب الصراع، أو بسبب وجود المقاومين المتهمين أنهم من أنصار الحكم السابق، أو طائفيين، أو مرضى نفسيين يودون الذهاب إلى الجنة عبر قتل الآخرين.

كل ذلك لم يستطع أن يغطي حقيقة احتلال العراق وقتل أعداد كبيرة من شعبه، واستغلاله، ونهب ثرواته، وإدارة شؤونه من خلال بعض المستفيدين من الاحتلال والمعتبرين شعبيا خونة، ولا ينكر وجود المقاومة وعملياتها النوعية، التي تواجه الأمريكان، صحيح أن القاعدة المتنامية تخلط بين الأمريكان والمختلفين معها من العراقيين، وتقتل عشوائيا، لكن ذلك لا يلغي سوء الحضور الأمريكي في العراق، بل يؤكد عليه، حيث أن الاحتلال الأمريكي سبب لكل الموبقات الموجودة في العراق، بما فيها القاعدة. القيادة الأمريكية تعمل لتشرعن وجودها، وتحسن صورتها، داخل العراق وفي أمريكا وأمام العالم. ضمن هذه المعادلة يتحرك الطبيب ويعالج الجندي العازم على الانتحار، والفتاة التي تود أن تقوم بعملية استشهادية تقتل من خلالها الأمريكان.

اعتمد الطبيب على جلسات علاج متناوبة مع الفتاة والجندي. بثينة فتاة عراقية من أحد أحياء بغداد، تدرس في الجامعة، عادت في إحدى الأيام إلى بيتها، لتجد الحي كله محاصراً من قبل القوات الأمريكية، لوجود المقاومين متحصنين في أحد البيوت، منعت من الدخول احتجزتها  القوات الأمريكية، لم ينته الحصار، ولم تستسلم القوة المقاومة، وحصلت مواجهات بين الأمريكان والمقاومين، واستعان الأمريكان بالطيران، ودمر البيت المطلوب  مع البيوت الكثيرة المجاورة، وبعد انتهاء المعارك، كان بيت بثينة قد دُمر، وقتل به أبوها وأمها وأخوتها، ولم ينج من الموت سوى أخوها الصغير، والأمريكان لم يتركوها، وسرعان ما نقلها الجنود الذين يحتجزونها إلى بيت شبه حانة مع فتاتين  غيرها، وتمّ التعامل معهم بطريقة لينة بدايةً، وتمت دعوتهن لممارسة الجنس، ورفضت الفتيات ذلك، فاعتمد الجنود معهن العنف والتعذيب، وتمّ اغتصابهن بشكل دوري ودائم على فترة ثلاثة أشهر، ومن ثم أخذهم الجنود إلى إحدى الأماكن في بغداد وتركوهن هناك، وهددنهن إن  تحدثن عمّا حصل لهن فسوف يقتلهن، ومن ثم قُبض على الفتاة التي كانت تبحث عن وسيلة لتصل إلى بعقوبة حيث بيت عمها وأخيها الصغير، ولعلها تصل إلى المقاومين أو القاعدة، وتقوم بعملية استشهادية تنتقم من الأمريكان وفعلهم، حيث أصبحت حياتها سيئة بعد الاغتصاب.

حاول الطبيب أن يخفف من عمق المشكلة عند الفتاة، تارة بالقول أنّ الاغتصاب فعل جنسي بالإجبار، خطأه أنه بالقوة والغصب، ويجب ألا يُعطى أكبر من حجمه، ويؤثر على الفتاة، وتفكر بالانتحار، الفتاة ترى أن الاغتصاب امتهان للكرامة وتعدي على إنسانيتها، ويؤدي للإحساس بالعار الشخصي والاجتماعي، حيث تفكر الفتاة بالموت، ويفكر أهلها بقتلها غسلا للعار، والحل الأسلم عملية استشهادية.

يبحث الطبيب بأصل المشاعر التي تهيمن على الفتاة، يعود للدين الإسلامي، ويرى هيمنته على نفسيتها ونفسية الأخريات، ويعتبره ضاراً يدعو للموت بدل الحياة، بينما يراه الآخرين انتصاراً لكرامة الإنسان، ويدعم التضحية بالنفس للدفاع عن الوجود، الدين كما الروابط الاجتماعية في هذه البلاد، هي الدروع الحامية لكل القيم والوطن والكرامة والحقوق.

هناك عقليتان متناقضتان عند الطبيب والفتاة. وزاد من تعقيد المشكلة أن الجندي الأمريكي الخاضع للعلاج تبيّن أنّه واحد من المجموعة التي اختطفت الفتاة واحتجزتها واغتصبتها، و الأمرّ أنه التقى بها بحضور المترجم العراقي، الذي سهل التواصل بينهما.

Steve Jobs Apple co-founder

الجندي يعاني من فعل الأمريكان في العراق، يرى قتلا غير مبرر، ويرى أن كل ما يفعله الأمريكان على خطأ، وأغلبه يعاد تفسيره ليكون الأمريكان على حق، يعترف أنّه ومجموعة من الجنود تحت إمرة ضابط محدد كانوا يختطفون الفتيات ويحتجزهن في بيوت سرية، ويمارسن معهن الجنس اغتصابا، اعترف أنّ ذلك حصل دون علم قيادتهم، لكن القيادة حين علمت أعادت سرد الحكاية على أنّها أمكنة ترفيه مسموح بها، والعراقي مستباح، المهم ألا ينتحر الجندي فيسيء للتواجد الأمريكي في العراق، وألا يفضح ما حصل عندما يعود، غير ذلك كل شيء مباح له، الجندي أعلن أنه كان شريكا بهذه الجرائم كلها، صحيح أنه لم يغتصب لكنه كان شاهدا متفرجا وعاجزا عن منع ذلك، كانت معاناته أنه صمت عن خطأ يراه في كل وقت، وأن الحل أن يعاقب نفسه بالموت انتحارا، حاول مرة ولم يفلح، وعندما تعرّفت عليه الفتاة وتعرّف عليها، قرر أن يساعدها، سواء بالهروب من اعتقالها، أو وصولها لأخيها، ولو أدى ذلك لموته، وإن قتل فذلك أفضل؛ لعلّ ضميره يرتاح.

الوسيط بينهما المترجم، ذلك العراقي المصنّف خائنا لوطنه بكونه يعمل مع الأمريكان، هو بالأصل مترجم كان يعمل في الدائرة الحاكمة في العراق قبل الاحتلال، كان له دور في المفاوضات بين الدولة العراقية والدول الأخرى قبل احتلال العراق ومنها أمريكا، يعرفه أحد الضباط الأمريكان منذ ذلك الوقت، وعند سقوط النظام العراقي واحتلال العراق، استعيد هذا الضابط ليكون مترجما لهم موثوقا به مع العراقيين الذين لا يتقنون الإنجليزية، له أسرة ويخاف على عائلته، يدرك خطورة عمله وكونه يعتبر خائنا، لكنه كان ضحية لقمة العيش، يعمل بالسر، يخرج مختفيا من بيته ومنطقته، ويدخل ويخرج متخفيا من وإلى المنطقة الخضراء حيث الأمريكان وأركان الحكم التابع لهم يتحصنون، يخاف أن يكشف من المقاومين أو القاعدة ليصبح دمه مهدوراً، كان له دور في تفاهم ما حصل بين الطبيب والجندي والفتاة التي تريد أن تكون استشهادية، يضلل الطبيب ولا يترجم إلا بالشكل الذي يحمي به الفتاة، و يستغل معاناة الجندي لعله يقدم للفتاة ما يعوضها عن عذاباتها، أن تصل لأخيها وبيت عمّها في بعقوبة.

الطبيب يعيش في تخيلاته عن علاج يسير بالاتجاه المطلوب، جندي يقلع عن الانتحار، وفتاة تبعد عن رأسها فكرة الاستشهاد، لكن واقع الحال كان غير ذلك، الجندي  يسهل الظروف للفتاة لتصل لأخيها وبيت عمها، وأن تحمي الجندي الذي فكّر أهلها بقتله انتقاما لها، الجندي الذي قام بهذا الدور إرضاء لضميره وتعويضا عن أخطاء لا تغتفر، والمترجم الذي سهل للفتاة أن تصل لأخيها وأن تعود به لتعيش في بغداد في بيت المترجم مع عائلته، تتخلى عن فكرة العملية الاستشهادية، ترهن نفسها لتربية أخيها ولاحتضان عائلة المترجم، الذي قرر أخيرا أن يستقيل ويتفرع لعائلته، ولكن المقاومة تترصد له وتقتله.

تنتهي الرواية بمقتل المترجم وإغلاق ملفه وملف الفتاة عند الأمريكان، والجندي ما زال ينوس بين أن ينتحر أو لا ينتحر، ليرتاح ضميره، وغيره كثير انتحر، أو عاد لأمريكا مريضاً نفسيا، والقيادة الأمريكية للقوات تعيد تفسير كل ما حصل لتحسين صورتها، وتبرر موقفها وتستمر خططها داخل العراق المحتل والمستغل من قبلها. الطبيب يعيد تدوير الزوايا ويبرر كل ما حصل ويحصل، مسكونا بمصلحة أمريكا وبما يعتقد أنه علم نفس محكوم بإرادة دولة تعتبر نفسها سيدة العالم ومصدر الحق والشرعية فيه إنها أمريكا.

في تحليل الرواية نقول: تنجح الرواية – كما كل روايات فواز حداد- فنيا من خلال التعبير بأعلى درجة من الدقة وتتبع التفاصيل وتعبير الشخصيات عن أدوارها بأعلى درجة من الحرفية، رسالة الرواية تصل إلى ما وراء النص وما بعد إنجازه. كشف لحقيقة الاحتلال الأمريكي للعراق، كشف للبنية النفسية والاجتماعية والدينية في العراق، أولوية القيم بصفتها مرجعية للخير والحقوق والمشروعية، حقيقة الصراع في وجهه السافر بين محتل وشعب ضحية، ارتكاز الناس على إيمانهم وقيمهم ليستمروا متوازنين، ويواجهون المحتل، وإن كان هناك بعض الردود خاطئة، والعمليات الاستشهادية العشوائية، وإن كانث بعض الأطراف قد أضاعوا طريقهم وضل وعيهم، والقاعدة التي أضاعت طريقها،2 واعتمدت القتل لناسها، لكن هذا من تبعيات الظلم والتخلف الذهني والتعامل مع الدين بطريقة خاطئة، لكن كل ذلك نتاج الفعل الظالم أصلا، للحكم الاستبدادي العراقي قبل الاحتلال، ومن بعده للظلم والقتل والاستغلالية للشعب والبلاد، والحرمان الذي لاقاه المحتلون الأمريكان.

ليست الأخطاء المدروسة والمقصودة التي تقوم بها أقوى الأرض أمريكا، والتي تستغل و تستعبد شعبا وبلادا، مثل أخطاء في ردود فعل الشعب العراقي على الظلم والاحتلال.



فواز حداد؛ روائي سوري متميز، له العديد من الروايات التي تواكب – زمنيا – الواقع  السوري والمحيط العربي لسوريا- العراق في هذه الرواية- على كل المستويات، قرأنا له أغلب إنتاجه.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل