التغرببة..  بعيون 5 نساء سوريات

يبقى الوطن والحنين إليه حاضراً وتكبر الحسرة عندما تشارك  امرأة سورية حصلت على الجنسية الفرنسية بالانتخابات الحرّة غير المعهودة في سورية.

الأيام السورية؛ سلام أبو شالة
خالدة حاجو تلتقي والدتها بعد غياب-المصدر: مراسلة الأيام سلام أبو شالة

بين أكثر من 7 ملايين مُهجّر سوري “مُسجلين رسمياً” هناك 4 مليون امرأة وطفل؛ وفي الثورات والنزاعات والحروب تدفع المرأة الثمن مضاعفاً.

هكذا أيضاً ترى السيدة المهندسة خالدة حاجو، المُقيمة في استانبول التركية؛ فتقول:

“كنت أنا وابنتي وزوجي ممّن غادر دمشق عام 2013 إلى مصر، ومن ثم إلى استانبول حيث استقرينا فيها أنا وزوجي؛ وغادرتنا ابنتنا إلى ألمانيا”.

وتتابع: “من خلال احتكاكي بنساء سوريات هنا؛ رأيت أنَّ اقتلاع المرأة من بيئتها وأهلها وأصدقائها كان أصعب اغتراب عاشته المرأة السورية؛ فكثيراتٌ قد هرَبنَ إمّا بمفردهن أو مع أولادهن بعد مقتل أو اعتقال الزوج والأخ والأب، فكانت الصعوبة الأولى هي تأمين لقمة العيش والسكن في بلدٍ جديدٍ خاصةً مع وجود عائق اللغة ممّا جعل غربتهنّ مضاعفة؛ فالمرأة هي عصب الأسرة من حيث المساندة النفسية لأفراد أسرتها؛ ولتأمين أطفالها في المدارس؛ وحتى في العمل، إذ امتلأت مشاغل الخياطة في تركيا بالعاملات السوريات؛ وفي صفوف تعلم اللغة التركية.. وبعضهنّ يجلبن أطفالهن ليستطعن متابعة الدورة”.

تتابع السيدة حاجو:”بالمقابل أفرزت التغريبة أمراضاً نفسية لدى بعضهن لفقدانهن الوسط الاجتماعي ولشعورهن بالوحدة؛ بينما بدأت أخريات باكتشاف أنفسهن ودورهن الفاعل في المجتمع الجديد؛ ومن ناحيتي.. سأشعر بغربةٍ معاكسةٍ إذا عدت إلى بلدي وهو لا يزال بأيدي حفنةٍ من الطغاة والمجرمين القتلة محلّيين ودوليين”

سهاد علي في منزلها بمدينة غرونوبل الفرنسية -المصدر: مراسلة الأيام سلام أبو شالة

بينما تقول السيدة سهاد علي”إجازة لغة عربية”:

“محطات حياتنا تستدعي الانطلاق من نقطة الصفر.. ليست هذه هي المُشكلة؛ فنحن في بلدنا تعوّدنا على النهوض كلّ صباح لنجد أنفسنا نبدأ من جديد؛ أما في بلاد اللجوء، فأنتَ ستبدأ بفكِ شيفرة وجودك من العدم”.

وتتابع: “وصلنا إلى فرنسا، أنا وزوجي وابنتي وابني في عام 2016؛ وبرغم كل الاحتضان والإنسانية التي تمّ استقبالنا بها.. إلا أنها تزيدني قهراً وأنا امرأة تجاوزت الخمسين أمضت عُمرها في بلدها صامتة؛ ولا تزال في تغريبتها صامتةً ولا تستطيع أن تشرح للفرنسيين ما يحدث في بلدها بعد كلّ التشويه الإعلامي لما يحدث في بلدي سوريا من ثورة شعبٍ انتفض على ديكتاتور لا يهمه إلا البقاء في السلطة حتى لو استقدم كل حثالات العالم إلى بلده.. وحتى لو أحرق بلده بأكمله ليبقى”.

وتردِفُ:” إضافةً إلى قدوم مُوالين له بين موجات النزوح القسري للسوريين إلى أوروبا؛ وأيضاً.. بعض المتطرفين؛ وبعض المُتعصّبين دينياً وطائفياً؛ وهؤلاء جميعهم.. لا يمثلون الجوهر الحضاري للشعب السوري؛ ولهذا كان عليَّ أن أتجاوز عقبة اللغة الفرنسية لأشرح هذا للفرنسيين ولأعرفهم بما لدينا من ثقافة وأحلام؛ ثم لأبدأ مشاريعي في كتابة معاناتنا.. ربما بسطرٍ واحد على الأقل: لم نأتِ إلى هنا بسبب الجوع؛ وإنما هذه ضريبة المطالبة بالحرية والكرامة”.

التغريبة ليست البُعد عن الوطن وعن الأهل قسراً فحسب.. إنها قطع عنيف للجذور.

Steve Jobs Apple co-founder
 إلهام حقي وعائلتها -المصدر: مراسلة الأيام سلام أبو شالة

أما السيدة إلهام حقي -كاتبة وصحفية- المقيمة في ولاية غازي عينتاب التركية- فتقول:

“أكتب بلا تنميق، وأرجو أن تعتبروا كلامي نموذجاً صادقاً عن بنات بلدي، لم نهتف في المظاهرات لرغيف خبزٍ، بل لنتنفس ولنقول كلمة حق دون أن تُكمّ أفواهنا وتزهق أرواحنا، فجوبهنا بعنفٍ مُخيف ليرهبونا، ترمّلت المرأة السورية وغُيّب أبوها ونُكل بأخيها وسُحلت أمها واغتُصِبت أختها واختُطِفت ابنتها وذُبِح زوجها أمامها وانقضوا عليها بكل أساليبهم الشيطانية، أقسم وكل النساء السوريات اللواتي التقيتهن وأعرفهن جيداً أننا لم نخرج من سوريا خوفاً من براميلهم وطائراتهم بل لنصون عرض رجالنا الأحرار لأنهم يستحقون ذلك، فأصبحت حقوقنا كنساءٍ نوعاً من الرفاهية في ظلّ الموت والتنكيل، ولو روت المرأة السورية قصصاً عن سورية كشهرزاد.. لبكى شهريار بدل الدموع دماء”.

تُنهي السيدة حقي حديثها: “نحن السوريات.. نستحق الحياة”.

بينما للسيدة نجوى سحلول “دكتورة محاضرة في جامعة ليون الثالثة في علم اللغات”رأي مختلف:

“أنظر إلى حالة الاغتراب التي يعيشها سوريون وسوريات اليوم، والتي لم تكن بمحض إرادتهم، كفرصةٍ ذهبيةٍ وتجربةٍ خصبةٍ لجيلٍ سوريٍ آتٍ من رحم المجتمعات الديمقراطية واعد لسورية المستقبل؛ ولعلّ تجربتي الشخصية توَضّح ما أعنيه: فلم تكن هذه هي المرة الأولى التي أغادر فيها سورية ولكن رحيلي ذاك اليوم الخريفي في أوائل الثمانينات كان له طعمٌ: طعم الحرية، والنجاة من كابوسٍ قابع على الصدور: سلطة الديكتاتور”.

 نجوى سحلول في مدينة ليون الفرنسية بإحدى مناسبات ذكرى الثورة–المصدر: الأيام السورية

تضيف د. نجوى: “مع متابعتي لعملي الجامعي؛ شاركتُ أيضاً في الحياة السياسية الفرنسية بانضمامي إلى حزب فرنسي؛ ومن الصعب أن أصف شعوري في المظاهرة الأولى التي شاركتُ فيها مع هذا الحزب؛ وأنا أرى رجال الشرطة الفرنسيين المدججين بالسلاح واقفين كالأصنام دون أي تدخل رغم الشتائم التي كان يُكيلها لهم بعض المتظاهرين؛ كما أنّ تجربة التصويت للمرة الأولى بعد حصولي على الجنسية الفرنسية أعادني الى مشاعر فرحتي بمظاهرتي الأولى”.

وتختم د. نجوى: “كنتُ وسأبقى سوريةً.. أتباهى أمام أصدقائي بهذا الغنى الذي لايملكونه، هذا المزيج من التجربة والثقافة: السورية والفرنسية وأن أصبح فرنسية الجنسية لا تعني لي يوماً التخلي عن سوريّتي التي أحلم بها؛ وقد أعادت لي الثورةُ الثقةَ بحيوية شعب كنتُ قد يئستُ من قدرته على التمرد، ومتابعتي الدقيقة لكل المظاهرات سمحت لي بالتعرف على سوريا لم أكن أعرفها جيداً؛ وعلى سوريين من كل الطبقات الاجتماعية..لقد أعادت إليّ الثورة الفخر بالانتماء إلى شريحة شعبٍ تمرّد على أعتى الأنظمة الاستبدادية في المنطقة”.

أما السيدة هويدا محي الدين “معلمة ابتدائي من مضايا” والموجودة اليوم كلاجئة في مدينة مرسين التركية فتقول:

هويدا محي الدين مع ابنها عمر في مرسين-المصدر: مراسلة الأيام سلام أبو شالة

“ماذا يعني أن نهرب بأطفالنا من القصف والحصار والتجويع؛ ثم نحاول أن ننسيهم ما تعرّضوا له من إصابات جسدية ونفسية مُدمِّرة؟”.

وتضيف: “مازلت أذكررسومات طفلي حين كان في سورية المليئة بتفاصيل الحصار والقصف؛ وكيف تغيّرت تفاصيل لوحاته بعد مجيئنا إلى تركيا، فصارت مليئة بالفراشات والطيور؛ حينها.. ارتسمت على وجهي ابتسامة خجولة لأنّي عبرت بطفلي إلى برّ الأمان رغم كل ما أُعانيه كامرأة من غربة وصعوبة الحياة المعيشية والعمل وكثير من المعوقات؛ لكن كل هذا يتلاشى أمام ابتسامة طفلي وآمال مستقبله”

تتابع السيدة هويدا: ” في صباحات تغريبتي أتجرّع المرّ القهر والصبر وأنا أتذكر أهلي المحاصرين هناك خلف الحدود بلا طعام؛ وتكاد تغادرني روحي مسرعة إليهم لتطمئن على من بقي منهم على قيد الحياة؛ أما قمة معاناتي في تغريبتي فهي عدم حصولي على عملٍ لأؤمن من خلاله حياة كريمة لطفلي؛ كما فقدت إحساسي بالانتماء للمجتمع الجديد؛ فقد وجدت نفسي وحيدة بلا أهل وحزينة بلا عمل ثابت؛ فهربت من الحياة الواقعية إلى العالم الافتراضي لأستطيع التعبير عن ذاتي؛ اكتشفت بأنني ربما ذات يومٍ سأصبح كاتبة أو شاعرة؛ حتى صارت الكلمات صلة الوصل بيني وبين كل أصدقائي السوريين المتناثرين في كل زاوية من زوايا هذا العالم القاسي”.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل