هل باتَتْ الحواضن الشعبية على تباين مع الفصائل في تعاطيها مع مبادرات الحلّ ؟

الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

بعد ثماني سنوات من شظف العيش، و قساوة المحنة، و دخول الملف السوري في نفق المشاريع الطارئة، و دهاليز المخططات السياسية، و تعاريج خرائط النفوذ الإقليمية و الدولية، و جملة الأخطاء التي ارتكبتها الفصائل، و غياب البُعد المركزيّ عن الأجسام و الهيئات العاملة في المناطق الخاضعة لهيمنتها، و التعاطي مع المبادرات و المشاريع و التفاهمات بأفق ضيق، شديد الإغراق في الأطر الجهوية.

بدأنا نلمح ملامح رُؤىً جديدة في التعاطي مع هذا الملف، ذات أبعاد مدنية و مجتمعية، جانحة إلى السورنة ابتداءً، ثم إلى المحلية؛ الأمر الذي حمله عددٌ من المراقبين على مدى الاقتناع بصبغ هذا الملف بالصبغة المحلية أولًا، و بجعله ذا أبعاد مؤسسية مركزيّة تاليًا.

ولاسيّما بعدما باتت الفصائل خلف حواضنها، بمسافات غير قصيرة، و هو ما ظهر واضحًا في المظاهرات المليونية، التي شهدتها مناطق الشمال، و تحديدًا ” إدلب “، عقب اتفاق سوتشي، الذي غلب عليه تسمية ” اتفاق إدلب “، الذي نهضت بعبئه تركيا، من خلال التواصل مع الجانب الروسي، و جنّبت بموجبه ” إدلب ” تداعيات حرب شرسة، كان سيذهب ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين.

لقد بدا جليًّا حجم التباين مع المشاريع الفصائلية، التي غلب على حساباتها مراعاةُ مصالحها الآيديولوجية و السياسية في التعاطي مع هذا الاتفاق، و مدى حماية مكاسبها الميدانية، بعد جولات مريرة من التنازع مع بعضها البعض؛ حيث رأت فيه قضمًا لكثير من تلك المكاسب، التي ستنال تباعًا من هيبتها، و تقلّص مساحة نفوذها، و تأتي على مساعيها في إقامة مشروعها الآيديولوجي و السياسي.

لدرجة أنّه شاع بين الحواضن الشعبية قناعة، مفادها أنّ أيّ اتفاق أو رؤية في الحلّ، لا تتفق مع مصالح تلك الفصائل، فإنّها ستتعاطى معه وفق رؤيتها، و ستجعل في طريقه كثيرًا من العقبات، و لن تتوانى عن تطييره.

إلّا أنّ ما سارت فيه الأمور بعد سوتشي، حيث الرسائل الخارجية، كانت فيه في غاية الوضوح، بأنّ ما ” بعده “، على خلاف ” ما قبله “، فقد أكّد الرئيس أردوغان بأنّ بلاده لن تغادر سورية قبل أن تستقرّ الأوضاع في سورية، و قبل الشروع في حلّ سياسي يلبّي مطامح السوريين، و أنّه اتفق مع بوتين على تهيئة الظروف بما يعيد السوريين إلى مناطقهم.

لقد عاد الحراك المنظم إلى الحواضن الشعبية، و أخذت تتحرك بخطى ثابتة، نحو مزيد من فرض الرؤى الجديدة، التي تتباين مع تعاطي الفصائل، لمبادرات الحل، بما يجنّب المنطقة شبح الحرب، و يغلّب البُعد المحليّ على الوافد، و المشروع الوطني على المؤدلج.

فنوعية الشعارات و المطالب باتَتْ لا تخطئها العين، و غياب الرايات الفصائلية أمام العلم الأخضر، أمرٌ لا يتناطح فيه عَنزَان كما يقال، و حضور العلم الأحمر في عموم المظاهرات أعطى مؤشرات مهمّة، عن طبيعة الرؤى، التي سيكون لها حضورٌ في قابل الأيام في  إدلب، بحيث تنضمّ إلى مناطق نظيراتها في درع الفرات، و غصن الزيتون.

إنّ المواقف المتحفِّظة التي أبدتها عدة فصائل من سوتشي، متذرّعة بالفهم الروسي للمنطقة منزوعة السلاح، و سحب السلاح الثقيل، و تهميش نفوذها فيها، ولاسيّما المدرج منها على قوائم الإرهاب؛ أمرٌ حمل الضامن التركي على مخاطبتها بما لا مجال للخطأ في فهمه، بضرورة التخلي عن تطلعاتها، و تغليب المصلحة العامة على مصالحها الضيقة، و بضرورة السير في الحلول المنتظرة، بدلًا من مناكفتها، و الأخذ بعين الاعتبار أنّ ذلك بات يشكّل اختبارًا لمدى جدية تركيا في التعاطي مع ملف إدلب، و أنّه لا مجال للإخفاق فيه، مهما كانت نوعية الجهات المعترضة، أو طبيعة الإجراءات التي ستلجأ إليها حينها.

و إنّ التفكير الذي أخذ يراود الحواضن الشعبية، في السعي لإعادة الحياة مجددًا إلى المجالس المحلية، و مؤسسات المجتمع المدني، و السماح للهياكل السياسية المنبثقة عن الأجسام المعترف بها في المحافل الدولية، على غرار ما كان في مبتدأ الأمر، و كذا المبادرات الداعية إلى الالتقاء و النقاش في ماهية المبادرات المطروحة للحلّ في مختلف المناطق المشمولة باتفاق سوتشي، و تشكيل هيئات تتولى إدارة تلك المناطق، على غرار ما كان في ريف حماة الشرقي، التي أشرفت على انتخاب هيئة تسعى إلى إعادة الأهالي إلى قراهم و بلداتهم، لأمرٌ يحمل في طياته كثيرًا من الرسائل المهمة؛ بأنّ زمام الأمر لن يبقى بيد الفصائل بعد الآن، و أنّ ثمّة رؤية جديدة هي التي ستتولى الأمور مستقبلًا، و ذلك بعد سلسلة إخفاقات و انتكاسات شهدها العهد الفصائلي.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل