اتفاقية سوتشي بين فكي التهديد والتطمين

هل يكتب لاتفاق سوتشي النجاح؟ ولماذا؟

0
الأيام السورية؛ فرات الشامي

ﻻ تزال اتفاقية سوتشي التي تم التوصل إليها بين موسكو وأنقرة في 17أيلول/سبتمبر الفائت رهينة التأرجح في الموقف من تفاصيلها الغامضة، والتي بدأت بالتكّشف تدريجياً؛ ما يعطي انطباعاً أنها “وقعّت على عجل”.

اﻷطراف الموقعة على “سوتشي”-التي غاب عنها المعارضة والنظام السوري، يبدو أنه خلق حالة من اللغط في تفسير بنودها، حتى بتنا أمام مشهدٍ يومي ترتسم فيه ملامح التناقض والتضارب في التصريحات، والجميع يغرد خارج السرب.

النظام السوري يدندن على وتر التهديد، بينما يعزف اﻷتراك مقطوعة التطمين للداخل المحرر “إدلب” وبقية الشمال، وما بين منغومة هذا وذاك ينتاب الشارع المعارض، وتحديداً المدنيين، حالة من الترقب.

لم يمنع المشهد السابق المدنيين في الشمال المحرر من إظهار حالة اﻻطمئنان تجاه الموقف التركي، فضلاً عن الكثير من المعطيات الميدانية التي تكذّب تصريحات مسؤولي نظام اﻷسد، وتقوي موقف المعارضة؛ إلى وقتٍ قصير، ﻷسباب كثيرة، أبرزها، احتمال اﻻقتتال الداخلي، بين الرافضين للاتفاق مثل فصيل حراس الدين، والفصائل المحسوبة على أنقرة.

الكل يدرك أنّ المعركة مؤجلة، وأنّ الحل لن يكون إﻻ بعد إغلاق ملف المهاجرين اﻷجانب، سواء بإقناعهم بالعبور إلى دولٍ أخرى، أو ضمان عودتهم إلى بلادهم وفق ضمانات معينة، مروراً بحل اﻻستئصال الذي يتم الدندنة على وتره بين الحين واﻵخر.

واقعياً؛ اﻻتفاق لن يخدم المصلحة الثورية، إﻻ في ناحية واحدة، متمثلة بوقف نزيف الدم المدني إلى حين، أو إلى وقتٍ تترجح فيه كفة النظام السوري، ويصبح فيه مستعداً لممارسة دوره الوظيفي، وهذا ما تؤكده التصريحات التي أطلقها وزير خارجية اﻷسد، وليد المعلم، خلال حوارٍ أجراه مع قناة الميادين، حيث أكد بأنّ إنشاء المنطقة العازلة في إدلب بموجب الاتفاق (التركي – الروسي) “هو خطوة نحو تحرير المنطقة من الإرهاب”.

المعلم حدد موعداً أقصاه، شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل، كمرحلة أولى تبدأ بتسليم المقاتلين أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة، مرجحاً قيام تركيا بتنفيذ-ما أسماه-التزاماتها بسبب معرفتها بالفصائل وصلاتها مع جهاز المخابرات التركي.

بالمقابل؛ يبدو الموقف الرسمي التركي أكثر قوة، ﻻستناده إلى تأييد الشارع المعارض؛ بدلالة التظاهرات التي جابت شوارع إدلب والشمال السوري المحرر، حاملةً علم الدولة التركية اﻷحمر؛ في إشارةٍ واضحة ورسائل محددة للنظام والمجتمع الدولي.

التصريحات المناقضة لكلام المسؤولين في حكومة اﻷسد غالباً ما تخرج على لسان المسؤولين الأتراك، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي يمتلك اليوم جميع أوراق القوة بالنسبة لملف إدلب، فضلاً عن الدعم الشعبي من طرف المعارضة.

في حين يعتبر الجهاديون؛ أنّ اتفاقية سوتشي ما هي إﻻ نسخة مستحدثة لاتفاق دايتون المشهور، وتبدو هذه الفصائل، المستهدف الحقيقي من اﻻتفاق، فهي حجر العثرة في طريق بدء مسار سياسي وعودة اﻷمور إلى مجاريها، تحت مسمى المصالحات.

أصحاب التيار الجهادي لديهم رؤية تتلخص في أنّ القتال الدائر في سورية لم يلبِّ طموحات الجماهير في إزاحة ومحاسبة اﻷسد، بل جاءت اﻻتفاقية لتقدم المناطق المحررة على طبقٍ من ذهب للنظام ومعه الروس وإيران. بالتالي؛ يجد منظرو هذا الفكر أنهم واقعون ضمن دائرة “أكون أو ﻻ أكون”.

التيارات الوطنية تختلف مع تلك الرؤية، كنتيجة لتبعيتها أو ثقتها بالدور التركي، رغم أنّ الشواهد الميدانية تقف إلى جانب التيار الجهادي، بخاصة إذا تأملنا خديعة النظام السوري للمعارضة التي وقعت تسوية مصالحة في حمص ودرعا، وسبقت ذلك تجربة حماة ثمانينات القرن الماضي.

الوقائع على الأرض محلياً ودولياً تسير باتجاه إعادة إنتاج وتسويق نظام الأسد، وما ستحصل عليه المعارضة، كما بات واضحاً ومنطقياً، لن يتعد كرسي في دائرة حكومية، أو وزارة بلا حقيبة في أحسن الحالات؛ فالقاعدة تقول: المنتصر من يفرض شروطه، ميدانياً اﻷسد انتصر، أخلاقياً المسألة فيها نظر. وما يهم المجتمع الدولي-للأسف-الغالب عسكرياً.

اﻷحداث حُبلى بالمفاجآت، وظهور اضطراب في محافظة السويداء، معقل الطائفة الدرزية، على خلفية مقتل المختطفات على يدي تنظيم الدولة-داعش-واتهام ذوي القتلى لحكومة اﻷسد بالتخلي عن أبنائهم، سيشعل المنطقة مجدداً، ما لم يتدارك حلفاء النظام المشكلة ويتم احتوائها، قبل أن تستفيد منها المعارضة، وهذا الأمر (استفادة المعارضة)، مستبعد.

من جملة ما قاله وليد المعلم، إجابةً عن سؤال حول مصير مقاتلي إدلب، يتأكّد مجدداً أنّ ملف الشمال السوري مرهون بحسم ملف اﻷجانب، يقول: ((إن من ينحدر من المحافظة يبقى فيها بعد تسوية أوضاعه، ومن ليس منها يعود إلى محافظته، أمّا الأجانب فمن المنطق أن يعودوا إلى بلدانهم عبر تركيا كما جاؤوا))، لكنه لم يقدم الضمانات للعائدين إلى حضن وطنه!! وهي النقطة التي تعني أنّ مصيرهم إمّا مجهول أو في غياهب المعتقل كما جرت عليه عادةُ آل اﻷسد.

يقال في المثل: “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وهذا جوهر ما يحدث بعد توقيع اتفاق سوتشي، الذي يُفترَضْ أن يتم بموجبه سحب السلاح الثقيل من كافة الفصائل المعارضة في المنطقة العازلة، بحلول العاشر من شهر تشرين اﻷول/أكتوبر الجاري، على أن تتولى قوات تركية وشرطة روسية الإشراف عليها.

ما يعني أنّ الصدام سيكون روسياً-تركياً خلال فترة قادمة نتيجةً لتلك التفاصيل التي دخلها الشيطان “نظام اﻷسد” فيها، فهل يكتب لاتفاق سوتشي النجاح؟ الإجابة تمر من خلال السؤال التالي؛ هل من الممكن أن تميل الكفة لصالح التيارات الجهادية؟ السؤال برهن الشارع، الذي لديه خبرة في وعود نظام اﻷسد وحلفائه الروس واﻹيرانيون، كذلك فإنّ المصلحة القومية لتركيا تحتمل إطلاق يد تلك الجماعات كورقة ضغط تحقق فيه أجندتها الخاصة.

إلى ذلك الحين تبقى اتفاقية سوتشي بين فكي التهديد والتطمين.

مصدر تركيا بالعربي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!