ما بحب عمي.. ياريت بابا عايش.. زواج الأخ من زوجة اخيه

تحقيق الأيام: زواج المرأة من شقيق زوجها بعد وفاته

إنّها المواجهة المجتمعية بين الموروث الثقافي المتداخل بظروف الحرب التي تدور رحاها في سورية، حيث يغدو ملف زواج المرأةِ من شقيق زوجها المتوفى ظاهرةً اجتماعية، لها انعكاساتها وآثارها النفسية على اﻷطفال وأمهم، على الزوج الجديد والمحيط أيضاً.

فريق اﻷيام

دخَلتْ مكتب شام للإعانات في بلدة الهامة بالغوطة الغربية؛ تلتمس تقديم سلةٍ إغاثيةٍ لعلها تعيلها في ظل الحصار المطبق على البلدة، أوراقها الثبوتية حملت مفاجأةً بحجم الصدمة التي تنزل على الرأس دفعةً واحدة؛ المرأة متزوجة من شقيق زوجها، يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً، فيما تكبره بأربعين عاماً.

الحالة كما تقول السيدة التي يغيب اسمها عن ذاكرتي ليست الوحيدة أو اﻷولى؛ فهي تؤكد أنّ نظيراتها من أهالي حي “جوبر الدمشقي” تزوجنّ بتلك الطريقة بسبب النزوح، مضيفةً: ((لم يبق من العائلة إﻻ أنا وشقيق زوجي الصغير، وﻻ يجوز شرعاً وﻻ عرفاً أن نسكن في بيتٍ واحد إﻻ بعقد زواج فعلي)).

«أيامٌ قلائل بعد تلك القصة؛ ومن خلال مطالعةٍ في أوراقٍ ثبوتية لعددٍ من النازحين إلى منطقة الهامة، وبحكم عملي في مجال الإغاثة حينها، تأكدت من وجود 3 حالات متشابهة، إحداها من ريف دير الزور». بحسب شهادة الصحفي في جريدة اﻷيام السورية والناشط اﻹعلامي، فرات الشامي.

ما سبق غيضٌ من فيض…!!

من خانة المُحرّم إلى زوج

العادات والتقاليد؛ عالمٌ يموج بالظواهر الجدلية المتعددة الجوانب اﻹيجابية والسلبية، لاقت معظمها حواراتٍ ساخنة لم تحسم بعد، وبقيت في إطار الباب المفتوح على التساؤلات المثيرة للاهتمام بالنسبة للمجتمع ما بين مؤيدٍ ومعارض، ولكلِّ وجهةُ نظره، كما أنّ خلف كل قصةٍ من تلكم القصص خلفياتٌ ودوافع أدت إليها، ومع دخول المجتمع السوري حالة الحرب برزت قضايا اجتماعية متنوعة إلى العلن؛ بعد أن كانت حبيسة سجن عادات بعض المناطق أو العائلات.

إنّها المواجهة المجتمعية بين الموروث الثقافي المتداخل بظروف الحرب التي تدور رحاها في سورية، حيث يغدو ملف زواج المرأةِ من شقيق زوجها المتوفى ظاهرةً اجتماعية، لها انعكاساتها وآثارها النفسية على اﻷطفال وأمهم، على الزوج الجديد والمحيط أيضاً.

من كان في خانة “المُحرّم” أو “العم” في حياة الزوج اﻷول “الشقيق” انتقل ليأخذ دوراً آخر، ما بين اﻻستهجان والقبول، تعيش الكثير من اﻷسر السورية اليوم تلك الظاهرة ما بين التسليم لها تحت ذرائع الضرورة والرفض المطلق، أو حتى عدم الرضا والهروب منها بالتأجيل لها.

رفض أن يكون بديلاً عن أخيه

محمد نور مقاتل من ريف دمشق، وعسكري منشق منذ بداية الثورة، استشهد أخاه بعد تهجيرهم إلى إدلب، واجه المسألة بحزمٍ ورفض فكرة الزواج من زوجة أخيه الشهيد بإصرار.

الدمع على وجنتيه، كيف لي أن أكونَ بديلاً عن أخي؟! أراهُ في عيني زوجة شقيقي، أراه في ملامح طفليه الصغيرين.

رفض الزواج من زوجة أخيه، وأقنع والديه أن يكون مسؤوﻻً عن أبناء شقيقه بما يستطيع.

اليوم انتهت حياته لتكون بين الرباط على الثغور القريبة من نظام اﻷسد في ريف إدلب، والعمل بعد عودته ليسد حاجة الصغار وأمهم.

فقدت أنفاسي وعشقي

هدى ذات العشرين ربيعاً، فائقة الحسن… أحبت زوجها محسن، كانا يضفيان أجواءً من الألفة والمحبة حيثما حلوا ووجدوا… لكن القدر أقوى منهما، والحرب في سوريا وضعت بصمتها داخل عشهما الصغير.

استشهد محسن في جسر الشغور، وله ابنتان صغيرتان الأولى كان عمرها وقت إذ خمس سنوات والابنة الثانية سنتان.

تقول هدى: «استشهد محسن وبغيابه فقدت أنفاسي، وعشقي وزوجي وحبيبي، فقدت كل جميل».

تروي هدى تفاصيل زواجها من شقيق زوجها الشهيد: ((بعد استشهاد محسن جلست في العدة في دار أهل زوجي؛ لأن أهلي يعيشون بعيدين عني؛ فقد هاجروا إلى تركيا في بداية الحراك الثوري، ووالدة زوجي كانت حريصة كل الحرص على بقائي عندها لدرجة أنها طلبت من ابنها الشاب أن يستأجر ويترك البيت حتى أكمل عدتي، وحال انتهاء العدة طلبت مني أن أوافق على زواجي من ابنها الشاب محمد، في البداية رفضتُ رفضاً شديداً ولكن وبسبب قساوة الظروف التي أمر بها من غياب أهلي ووجود بناتي رضخت للأمر الواقع».

تستطرد هدى قائلةً: ((بصراحة لا لست سعيدة بزواجي منه؛ فشتان بين زوجي الشهيد وبين أخيه الذي رزقت منه بطفلين أيضاً، زوجي السابق كلامه رقيق ومتزن وعاطفي، أما زوجي الحالي فهو عصبي ومزاجي وأحيانا يقوم بضربي أمام الأولاد؛ ولذلك انعكاس سلبي على نفسية صغاري، وأتألم كثيراً عندما تتذكر ابنتي الكبرى “عائشة” والدها وتقول لي دائماً: “أنا ما بحب عمي يا ريت بابا عايش كانت حياتنا أحلى”)).

تصف هدى حالة ابنتها تلك فتقول: ((أما عائشةُ ابنة الحادية عشرة من العمر فما تزال تحتفظ بذكرياتٍ مع والدها… مداعبته لها، مرافقته إلى محل الحلويات، تعيش تلك اللحظات في كنف عمِّها، بين الواقع المؤلم والذكريات الماضية)).

دوافع نبيلة لكنها على حساب السعادة اﻷسرية

ثمة دوافع نبيلة قد تحكم أمثال تلك الحالات، لكن لربما لا تكفي لتحقيق سعادةِ أسرةٍ مالم يوجد الحب كركنٍ أساسي ينشأ البيت على أرضيته، وتستكمل الأركان البقية لتحمي العائلة من المستقبل.

قد تصحو العائلة على خطأٍ كبير، لكن الأوان فات، وعجلة القطار دهست تحتها المستقبل، وشوهت تلك الأرواح التي حسبت أنها بصنيعها فعلت خيراً.

لا تتوقف حكاية السيدة هدى عند معاناة ابنتها عائشة، أو حتى فقدانها لزوجها أو “حبيبها محسن” كما قالت، بل إنّ أسباباً ترويها أم زوجها الشهيد، بنبرةٍ تنم عن خيبةٍ وألمٍ، على الرغم من أنه مضى نحو ست سنوات على زواج هدى من “محمد” شقيق زوجها، تقول مبررةً إصرارها على ذلك الزواج:

“آه يا بنتي زوّجت ابني من زوجة أخيه بسبب خوفي على بنات محسن من الظلم، خفت أمهن تتزوج زيذوقوا ظلم زوج أمهن، وقلت في نفسي: عمهم أولى بهم وبتربيتهم، ومتل ما بتعرفي إحنا عنا أراض زراعية كثيرة ما بدي رزق ابني يروح للغريب، مشان هيك أقنعت ابني يلي كان رافض الأمر كتير، وبعدين استجاب لطلبي حتى يربي بنات أخوه ويحافظ على رزقهم ويكسب فيهن حسنة”.

اﻷوﻻد هم السبب

«لست سعيدةً معه، تحولتُ لخادمةٍ له ولوالديه، إنّه يحب زوجته الأولى، ويعيش معها، لم أتقبل فكرة الزواح من شقيق زوجي الشهيد».

تستطرد في الحديث: ((تنازلت عن سعادتي مقابل تأمين معيشة أوﻻدي الثلاثة؛ ثناء وعمرها 8سنوات، وعمر صاحب 7 سنوات، وولدي المعاق يوسف 5 سنوات.

ﻻ أحبه… ليت علاقتي به حبراً على ورق… زوجته اﻷولى أصغر مني سناً وأجمل شكلاً. كم أتمنى أن تكبر ابنتي لأزوجها وارتاح من همها)).

إنها حكاية نجلاء؛ من بلدة تل الضمان، التي تروي للأيام تفاصيل معاناتها، بعد أنْ اعتقلت قوات اﻷسد زوجها “صالح” بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر 2016، لتصلها أخبار موته في معتقله بعد آخر زيارةٍ للسؤال عنه في المعتقل. وفرضت عليها ظروفها الزواج من شقيقه.

طلب مني والدي التخلي عن الصغار الثلاثة ﻷهل أبيهم؛ حجته أنه غير مجبرٍ على تربيتهم، واﻷهم هو فقره الشديد وحجم مصروفهم الكبير، كدت أضعف أمام الواقع، لكن حالة الصغير المعاق فرضت نفسها، اخترت الخيار المر… التضحية في سبيل اﻷوﻻد.

تستطرد والحسرة في كلماتها: ((أولادنا في الحروب نقمةٌ وليس نعمة؛ لأجلهم نقدم التضحيات على حساب سعادتنا))

مش مرتاحة بس مجبورة”

“مش مرتاحة بس مجبورة”؛ بهذه الكلمات وصفت نور ذات الواحد والعشرين عاماً وضعها الحالي بعد زواجها من شقيق زوجها المتوفى.

كان زواج نور الأول بعد قصة حبٍّ دامت سنة ونصف مع ابن عمها الذي يكبرها بسبع سنوات، تزوجا وأنجبا “جنى”، وبعد وفاة زوجها رفض والدها بقاءها في بيت أخيه بحجة أنه يريد تزويجها.

تقول نور”: ((عمي أجبر سلفي على الزواج مني، سمعتهم وهم عم يحكو معو بهددو بإنو رح يغضب عليه ويتبرا منو إذا ما تزوجني)).

لم يكن لديها خيارات الرفض، فكل ما يهمها هو بقاؤها مع ابنتها حتى لو كان الثمن زواجها من رجل لا تريده.

لم يكن كلام عامر مختلفاً عن كلام زوجته نور، فكلاهما لم يكن له رغبةً بهذا الزواج، ولكنهما وقعا تحت حكم العادات وسلطة الآباء.

يقول عامر: “ما فكرت بحياتي إني رح أتزوج بهي الطريقة وكتير صعبة عالإنسان، ولكن ما عندي حل ثاني، ما بدي بنت أخوي تعيش بعيدة عنا أو عن أمها، وكمان زعل الوالد صعب”.

المفاهيم المغلوطة عن الزواج عموماً

ليست الحرب وحدها من تركت بصمتها في حياة اﻷسرة السورية، العادات والتقاليد، الطلاق، العنوسة، وبعض المفاهيم المغلوطة عن الزواج وتكوين العائلة، فكرة الزواج من شقيق الزوج، جميعها أفكارٌ موجودة مسبقاً، وليست وليدة الحرب أو الظرف الاستثنائي السوري.

“علاء”؛ نموذجٌ مختلفٌ آخر من حكايا المجتمع السوري، وتحديداً في ملف زواج المرأة من شقيق زوجها، الحكاية بدأت معه في العام 2009 كان عمره وقتها 14 عاماً، وحيداً ﻷسرته.

توفي والده إثر حادثٍ مؤلم، بعد فترة بسيطة طلب جده من أمه الزواج من ابنه جاسم (شقيق زوجها)، الشاب العازب، الذي يصغرها بخمس سنوات، كان لديها خيار الرفض والعودة إلى بيت أهلها، تاركةً ولدها، لكنها اختارت القبول.

سبب الموافقة على الزواج من شقيق الزوج بحسب رواية “أم علاء”: ((أنا وافقت على ابن حماي لأنه شاب عازب ليس لديه أولاد، يعني أتجوز من أرمل أو مطلق زوجته ولديه أولاد وكون خدامة لأولاده؟! مشان هيك رضيت أتزوج بابن حماي لأنو مارح تجيني فرصة تانية متل هالفرصة)).

تختلف اﻷسباب بمنظور علاء، الذي أنكر صنيع والدته، وتعرض ﻷزمةٍ نفسية بعد أنْ عيّره أحد أبناء عمومته بزواج أمه. حتى أنه لم يتمالك أعصابه وطعنه بسكين، ومع بداية الثورة السورية لاذ بالفرار إلى السويد علّه ينسى ما مر فيه من تقلبات نفسية.

لدى “علاء قناعته هو اﻵخر، ورأيه الذي تبناه وعلى أساسه يبرر لنفسه طعن أحد أبناء عمومته يقول:

“أظن أن والدتي كانت معجبة بعمي عندما كان أبي على قيد الحياة؛ وإلا لرفضت هذا الزواج والبقاء بقربي دون الزواج من آخر حتى ولو كان عمي”.

بين كل 6 نساء واحدة أرملة:

المحامي المدني، أشرف عباس، شرح بدوره خلال اتصال هاتفي مع (الأيام السورية) بأنّه: ((ليس من السهل الخوض في مثل هذه الحالات، لا سيما عندما يقوم الأخ بالزواج من زوجة شقيقه الذي يعتقد بموته بعد الاعتقال وانقطاع أخباره،

فمن الناحية الشرعية والقضائية الأمر قانوني، ومن الناحية العرفية في مجتمعنا السوري الأمر مباح؛ باعتبار أن الأخ يختار أن يربي أبناء شقيقه المعتقل وعدم السماح ببقاء زوجة أخيه أرملةً لما لها من تبعيات طبقية لدى شريحة معينة من الشعب السوري، وبحسب إحصاء أجرته حكومة الأسد قبل اندلاع الحرب فإن معدل ونسبة الأرامل لم تكن تتجاوز الإثنين بالألف بينما تسجل الإحصائية الأخيرة أنه بين كل 6 نساء واحدة أرملة)).

طوق نجاةٍ من قسوة الواقع أم محاولة بحثٍ عن الذات؟

الباحثة الاجتماعية السورية ماجدة السهو قالت خلال تصريحاتها للأيام بأنّ: ((موضوع زواج النساء من أشقاء أزواجهن مسألة معقدة للغاية ويصّعب الدخول في تفاصيلها مع المجتمع السوري الذي يعتبر محافظاً من الناحية الدينية)).

مضيفة بأن الشارع السوري بشقيه الموالي والمعارض ينقسم إلى فئتين حيال هذا الموضوع تحديداً؛ فالقسم الأول يرى عدم القبول بهذا الواقع باعتبار أن الزوجة واﻷهل غير موقنين تماماً بوفاة المعتقل فكيف للزوج أن يخرج ويرى زوجته على ذمّة رجل آخر!؟ وكيف للشقيق أن يبرر لشقيقه فعلته؟ اﻷمر كارثي ولا يمكن التكهن بما سيجري لاحقاً.

بينما ترى شريحة أخرى بأنه من حق الزوجة الهروب من نظرات الناس التي تلاحقها وتعتبرها فريسة سهلة لشهواتهم؛ فترى بالزواج الثاني طوق النجاة لها ولأطفالها، سواء كان ذلك الزواج من شقيق زوجها أو من شخص آخر، وهنا يجب التنويه إلى أن النسبة الغالبة من النساء اللواتي فقدن أزواجهن يُعّتبرن في مرحلة الشباب ومن حقّهن البحث عن زواج آخر، ولا يجوز ربط المسألة من الناحية الجنسية فقط، وإنما هو محاولة لتجديد الحياة والبحث عن مستقبل حياة أخرى مع زوج آخر)).

لستُ سعيدةً

أشارت أيضاً التجارب السابقة إلى عدة ملامح مهمة نستطيع تحديدها في ضوء ما سبق:

  • فقدان السعادة في الأسرة بسبب هذا النوع من الزواج.
  • التأثير النفسي السلبي على اﻷبناء واﻷمهات.
  • المفهوم الخاطئ عن التربية والزواج وقيمته.
  • الفقر والحاجة أبرز الدوافع لمثل هذا النوع من الزواج.
  • توجد دوافع نبيلة لكن شروطها لا تتوفر ولم تكتمل.

تنوعت المشاهد التي تحكي قصص زواج اﻷرملة من شقيق زوجها، وفي الكثير من الحالات يستدعي اﻻنتباه أن تأثير المحيط والخشية من الفقر والعوز، إضافةً للعادات والتقاليد المُجتمعية دفعت للقبول بانتشار تلك الظاهرة.

كما تعكس بعض الحالات المشاهدة عمق الصراع النفسي-اﻻجتماعي، قد ﻻ يلمسه المجتمع الذي يعيش بعيداً عن مثل تلك التجارب، لكن يبدو واضحاً أنْ ثمة قاسمٌ مشترك في وصف تلك الحالة بجملةٍ واحدة… “لستُ سعيدةً”.

مجمل الدوافع تبين أن الغرض لم يخرج عن كونه بعداً عن الفهم الصحيح لمعنى مؤسسة الزواج، والشيء النبيل الواضح الأثر، أنّ المجتمع السوري بسيط يسعى لتكوين نسيجٍ مجتمعي مترابط، وفق رؤيته، كما يقول الصحفي فرات الشامي.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.