الهاربة من ثالوث الاستبداد

ثلاثة مُستبدِين واعتقالان ومنفى وتغريبة؛ كما لو أنهم يُحيطون بعُنق امرأةٍ سورية.. كالقلادة!.

الأيام السورية؛ سلام أبو شالة

التنوّع الثقافي والحضاري في مدينة “السلميَّة” صقل شخصيتها؛ فقد تربّت منذ صغرها على قيم الإنسان والمحبة والجمال. أغنى ثقافتها ورؤيتها للحياة شعر “محمد الماغوط” وصقلتها أول صرخة للحرية في عام 2011.

أنا ثورية وحالمة

هكذا تصفُ نفسها السيدة “ندى ياغي” ابنة السلميّة وتتابع ” أنا ناشطة مدنية في مجال حقوق الإنسان.. أعمل من أجل أن تسود قيم الحرية والعدل في بلدي وفي العالم”.

وتُضيف: “كانت شرارة الثورة حلماً انتظرته كما السوريين بعد 50 عاماً من القهر وإلغاء الإنسان واستلابه. خرجت في المظاهرات السلمية أحمل مع أقراني القرنفل الأبيض وهتفنا كثيراً لكرامة وحرية جميع السوريين.. وما زلت أريد سوريا المدنية الديمقراطية”.

أنا فريسة المستبدين

قصة ندى مع الاستبداد طويلة ومريرة؛ بدايتها مع زوجها وخطف ابنتيها منها.. تتحدثُ عن ذلك بغُصةٍ فتقول: “لا أنسى أبداً هذا التاريخ إنه  5 / 5 من عام 2004 .. إنها الساعة الواحدة ظهراً؛ رتبتُ أغراض البنتين في حقيبتيهما كالعادة، لتمضية يومين كل أسبوع مع والدهما؛ حرصاً منّي على تأمين جو نفسي صحي لهما بعد انفصالنا منذ 3 سنوات؛ فلم تعودا؛ خطفهما الأب إلى خارج سورية؛ فبقيت 13 عاماً في “إنانا” و”ديانا” نجمتاي الشاردتان في الغياب، لكنهما لم تغادرا زمني أبداً.. لم تبتعدا وبين أصابعي عطرهما الدافئ”.

تتساءل السيدة ياغي:

“ماذا يختلف الديكتاتور بشار الأسد عن طليقي؟!؛ الأول: حرمني من بلدي؛ والثاني: حرمني من ابنتيّ؛ كلاهما دمّر جزءاً منّي؛ تمّ تدمير أمومتي بالتوازي مع تدمير بلدي سوريا؛ وارتكاب آلاف الجرائم ضد الإنسانية ولم تزل صرخات المعتقلين في السجون تتأوه تحت سياط التعذيب والموت البطيء.. ولم أزل أرى ابتسامة طفلتي البريئتين اللتين خُطِفتا وهما يودعاني على أمل اللقاء”.

تتابع السيدة ندى بألم: “أعترف بأنني حتى اللحظة لم أستطع أن أدرك ماهية الحقد! وكيف يتحوّل البشر إلى وحوش؟”.

تحت الاعتقال

تحكي ندى ياغي تجربتها في الاعتقال: “تم اعتقالي الأول من قبل نظام الأسد إثر مشاركتي في المظاهرات السلمية التي تُطالب بالحرية.. ثم نجوت من الاعتقال بأعجوبة؛ تركت مدينتي متوجهةً نحو الأردن..  وفي مدينة درعا تم اعتقالي للمرة الثانية على يد أحد فصائل “أخوة المنهج”؛ وفي التحقيق معي تمّ تكفيري لأنّي فقط “اسماعيلية المذهب”!؛  كان المحقق شاباً لا يتجاوز العشرين من عمره؛ ولم يأبه بأنّي شاركت في المظاهرات ضد النظام؛ ولا باعتقالي في أقبية مخابراته؛ أمضيتُ أياماً صعبة تم فيها تهديدي بإقامة حدّ القتل؛ وبعد وساطةٍ قامت بها إحدى العائلات الدرعاوية ذات النفوذ.. نجوتُ للمرة الثانية؛ فقررت النجاة بنفسي والمجيء إلى تركيا”.

اللقاء بابنتيها بعد 13 عاماً

ندى ياغي تلتقي ابتيها بعد13 عام من الغياب-المصدر: مراسلة الأيام السورية سلام أبو شالة

تتحدث السيدة ندى عن ظروفها في تركيا فتقول:

“كانت تركيا ملاذي الأخير لكنني لم أستطع أن أجد عملاً دائماً فيها؛ عملت لقترة دليلة سياحية في اسطنبول للسياح العرب والأجانب لأنّي أتقن اللغة الإنكليزية.. لكن بصيص أمل جاءني من البعيد.

علمت بأن ابنتيّ موجودتان في تركيا أيضاً ولكن خارج اسطنبول؛ وبالتعاون مع بعض الإعلاميين الشرفاء استطعت اللقاء بابنتي “إنانا” بعد غيابٍ طويل؛ كان اللقاء رائعاً ولم أصدق نفسي حينها أنها غادرتني طفلةَ.. لأراها صبيةً أمامي؛ وتكررت اللقاءات من بعدها؛ كانت ابنتي الكبيرة متفوقة في دراستها؛ والثانية تتابع دراستها أيضاً وهما في عهدة الأب؛ ولا مجال لاستعادتهما كما لا مجال للعمل في تركيا؛ فأخبرتهما بأنني أريد السفر إلى السويد.. لعلنا نجتمع هناك من جديد في ظروف مادية إنسانية أفضل”.

من إزمير إلى استوكهولم

عن تجربة رحلتها البحرية تقول السيدة ياغي:

“ركبت البلم وجازفت كما الكثير من السوريين في رحلة نعرف كيف تبدأ ولا نعرف كيف ستنتهي؛ كان بيننا نساء وأطفال، مررنا بتجربة صعبة ومخيفة لا خيار لنا فيها.. سوى الموت غرقاً أو الوصول إلى الشاطئ الآخر؛ وحين وصلنا إلى إحدى الجزر اليونانية بدأت معاناةٌ من نوعٍ آخر؛ بحثاً عن كيفية عبور حدود أكثر من بلد؛ وبأية طريقة؛ ومع من؛ بقيت في اليونان فترة وجيزة عملت فيها أيضاً دليلة سياحية لأستطيع سدّ نفقاتي، ثم غادرت إلى السويد بوثيقة سفرٍ أوروبية أمنها الأصدقاء لي؛ لأجد نفسي أخيراً  في كامب اللاجئين”.

تضيف السيدة ندى: “أعتقد بأن تجربة الكامب هي الأكثر مرارة بين كل تجاربي؛ فامرأة وحيدة مثلي غير محميّة البتة لا من القتل ولا من الاغتصاب. وفي الكامب أناس من شتى الجنسيّات متنوعي الثقافة ومختلفين في كل شيء؛ بقيت في سكن مشترك مع بنات ونساء لا أعرفهن.. كانت بينهنّ فتاة لبنانية موالية لحزب الله اللبناني؛ أخذت تستفزني باستمرار بينما كنت أتجاهلها تماماً، ثم شكوتها لإدارة الكامب وطلبت نقلي منه؛ واستطعت بعد 6 أشهر وبعد عناء شديد أن أنتقل إلى مدينة استوكهولم”.

تتابع السيدة ندى: ” واليوم أواظب على دروس اللغة السويدية حتى صرت من المتفوقات فيها؛ لدي صديقات عربيات وأجانب أعتز بهن بالإضافة إلى صديقاتي السوريات الرائعات، فالمرأة السورية واثقة بنفسها جميلة وقوية الشخصية تثبت نفسها أينما حلّت. اجتمع بإحداهُن عندما تسنح الظروف لنخفف معاً من أعباء التغريبة.. لكنني أريد أن أثبت للسويديين بأنني سيدة سورية ابنة حضارة عريقة ولست لاجئة ولا عالةً على أحد”.

سألت السيدة ياغي: – بماذا تختتمين كلامك؟.

فأجابتني  بكلمات الشاعر الماغوط من قصيدته “القتل”:

“وداعاً..

وداعاً يا أُخوتي الصغار

أنا راحلٌ..

وقلبي راجعٌ إلى بلدي مع دُخان القطار”.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل