هل تحمي اتفاقية سوتشي المدنيين؟

القوة الناعمة لانتزاع إدلب تمر عبر سوتشي كيف؟

0
الأيام السورية؛ فرات الشامي

مع وجود تيارات جهادية في إدلب مشكّلة من المهاجرين “أجانب وعرب” وأنصار “سوريين مهجّرين أو من أبناء المحافظة”، أعطى زخماً للملف الثوري وقلب الطاولة لصالح فرض تهدئة مؤقتة، بديلاً عن الحل العسكري طويل اﻷمد ﻻسيما وأنّ ميليشيات الأسد عاجزة ومفككة إلى حدٍّ ما.

نتائج مباحثات واتفاق سوتشي بين الرئيسين الروسي، فلاديمير بوتين، ونظيره التركي، رجب طيب أردوغان، كانت متوقعة، بل يستحيل الخروج عنها في ظل وجود جماعات عقائدية ﻻ تقاتل من أجل اﻷرض، بل تعوّل على حرب العصابات وقتال الشوارع.

إيجابيات اتفاق سوتشي بشأن إدلب:

الموافقة الروسية على الرؤية التركية ستكون نتائجها كما هو معلوم إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح الثقيل على طول جبهات إدلب، ما يعني حصول سلسلة من الإيجابيات التالية:

  • حماية المدنيين من هجوم قوات اﻷسد وطيران المحتل الروسي المحتمل، مهما تفاوتت درجة قوته وعنفه.
  • إعادة ترتيب صفوف المقاتلين، بما فيهم الجماعات الجهادية، التي غالباً ما تمتص الصدمة، وتعاود اﻻنتشار بطرقٍ مختلفة وآليات حركة أكثر ديناميكية.
  • عملياً؛ اﻻتفاق أعطى مزيداً من الوقت للثوار لاكتشاف طبيعة الحاضنة الشعبية للثورة، وهذا ما أثبتته التظاهرات التي رفعت معنويات المقاتلين، وأعادت الروح السلمية للمشهد إلى ربيع العام 2011.
  • اﻻتفاق جمّد عمليات ميليشيا اﻷسد العسكرية تجاه المحرر، وبات واضحاً أنّ اﻹعلام الموالي بدأ تخفيف اللهجة التصعيدية؛ ﻻمتصاص غضب الموالين الذين عوّلوا على المعركة في استرجاع “إدلب”.
  • الموالون أنفسهم استفادوا من اﻻتفاق الروسي-التركي في مدينة سوتشي، بعد أن تسربت أخبار تؤكد إحجام الشباب عن الانخراط أو التهرب من الخدمة العسكرية، فضلاً عن حدوث بعض التصفيات بحق الرافضين للمشاركة بالعمل المسلّح في إدلب.
  • موافقة روسيا وإذعانها للأمر الواقع والرؤية التركية نابعة أصلاً من مجموعة حقائق حصلت على اﻷرض، في مقدمتها قيام المعارضة المسلحة بشقيها “الجيش الحر، والجهاديين” ببناء تحصينات دفاعية صعّبت سيناريو اختراقها من طرف المهاجمين اﻹيرانيين وميليشيا اﻷسد.
  • المتعمق في فكر الجماعات الجهادية ﻻ يفوته مسألة أنّ دفاعهم اليوم من باب “أكون أو ﻻ أكون”، فلا شمال بعد إدلب، واﻷهم في نقطة التحصين والقوة التي تم إعدادها من قبل مقاتلي المعارضة أنها دفعت بنظام اﻷسد وحلفائه للتفكير بميزان القوى؛ ما رجح الموافقة على تأجيل المعركة.

سلبيات اتفاق سوتشي بشأن إدلب:

بالمقابل؛ لكل اتفاقٍ سلبياته كما له إيجابياتٍ واضحة ويمكن استقراء الصورة التالية:

  • التعويل الروسي-التركي واضح؛ ويتمثل بضرب التيار اﻹسلامي الجهادي بالتيار الوطني أو المحسوب على أنقرة، وهذا احتمال وارد يحتاج وقتاً، ستظهر نتائجه تدريجياً.
  • بالنظر إلى خارطة المنطقة المنزوعة السلاح حسب اﻻتفاق؛ فإنّ ما لم تستطع روسيا ومعها حليفها نظام اﻷسد أخذه بالقوة حصلوا عليه بالدبلوماسية والتفاوض.
  • غاب عن المباحثات أي معلم يدل على وجود ثورة في سورية، بل تؤكد الصورة في سوتشي أنّ القضية من اختصاص اﻷتراك والروس وحدهم، وهذا يدل على هشاشة البيت السياسي السوري المعارض.
  • اﻻتفاق صورة واضحة لثبات الثوار وحاضنتهم الشعبية، لكن هذا لم يؤد إلى حسم ملف المعركة، بل إلى تأجيلها وليس إلى إلغائها، وتلك إحدى نقاط الضعف والضبابية فيه. بالتالي؛ احتمال اندلاع حرب بعد ترتيب قوات اﻷسد أوراقها أمرٌ محتمل، ﻻسيما مع إصرار جماعات مقاتلة على موقفها الرافض للاتفاق.
  • احتمالية تأجيل المعركة تبدو ميدانياً لصالح اﻷسد، لأنها ستعزز مؤشر اﻻقتتال الداخلي.

معطيات الأرض التي أوصلت إلى الاتفاق:

ميدانياً؛ يواجه مقاتلو النظام السوري البالغ تعدداهم بحسب بعض المحللين العسكريين 25 ألف مقاتل، مقابل عددٍ يزيد أضعافه لدى الطرف المعارض، مع ما يحمله “الثوار” من الرغبة بالثأر بعد تهجير جزء كبير منهم عن ديارهم.

موسكو وطهران تدركان أن صمود مقاتلي اﻷسد والميليشيات الطائفية لن يبقى منهم إلا المئات أمام سياسة المفخخات التي تنتهجها “القاعدة” في عملياتها العسكرية ضد أعدائها، وستكون غالباً رأس الحربة في المواجهة.

في عملية فك الحصار عن المليحة في الغوطة الشرقية، وعمليات عدرا العمالية الخطوة اﻷولى كانت “المفخخات” وهي مسألة مأخوذة بعين اﻻعتبار لدى نظام اﻷسد واﻹيرانيين المعنيين في القتال البري.

بالتالي؛ ليس من مصلحة ميليشيات إيران واﻷسد فتح الجبهة العسكرية ومهاجمة إدلب، ومع غياب ورقة كفريا والفوعة التي كان احتمال إقحام مقاتليها بالمعركة لتسهيل خلخلة صفوف المعارضة زاد الموضوع تعقيداً، ((وإن كان إخراج هؤﻻء يحمل في طياته سلبيات انتقدها بعض المحللين العسكريين)).

كما أن مسألة الغدر الثلاثي الروسي-اﻹيراني-اﻷسدي، بل حتى التخوف من تركيا-الضعيفة في موقفها أمام المجتمع الدولي والمنفردة في المواجهة دون العرب-من شأنه خلق شرخٍ داخل صفوف المعارضة المسلحة ذاتها، فما الضمان لعدم تسليم إدلب للنظام بعد إخراج الجهاديين وقتالهم؟!

من جانبٍ آخر؛ موسكو تسعى كما تؤكد تصريحات عددٍ من مسؤوليها أنهم يريدون إعادة الشمال كاملاً لحظيرة اﻷسد؛ بحجة وحدة اﻷراضي السورية، وهذا عنوانٌ يكفي لتخوف المعارضة والشارع من تكرار سيناريو درعا في إدلب. بل يتذكر الناس مجزرة حماة في ثمانينات القرن الماضي وتبعاتها حتى وقتٍ قريب سبق الثورة.

سعي روسيا لانتزاع إدلب والشمال من المعارضة وحسب المعطيات على الأرض لا يمكن أن يكون إلا بالقوة الناعمة.

ما الذي طرحته واقعياً اتفاقية سوتشي؟

اﻻتفاق الروسي-التركي في مدينة سوتشي يختزل هدف الثورة الشعبية بالتغيير في شكل الدولة السورية جذرياً إلى نقطتين:

  1. تشكيل لجنة دستورية تحصل المعارضة على ثلث مقاعدها.
  2. إيقاف مؤقت للموت بحق المدنيين.

في حين تبقي اﻻتفاقية ملف المعتقلين مغيباً، كذلك اللاجئين والنازحين، بل مطالب الشارع بتغيير اﻷسد وإجراء انتخابات نزيهة غابت هي اﻷخرى.

من يحاسب بشار اﻷسد وأين؟!

سؤالٌ لم تجب عنه اﻻتفاقية، بل من يحاسب كل الذين تلطخت أيديهم بالدماء من الطرفين؟!

حقيقة اتفاق سوتشي أنه قدم خدمة مجانية للأسد، وما لم يحصل عليه بالحرب دفع الثوار ثمنه بسبب غيابهم الحقيقي عن طاولة التفاوض وانقسامهم.

مصدر البيان
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!