التحالفات المفككة على عتبة إدلب، وإذعان موسكو لأنقرة

إلام وصل اتفاق أردوغان-بوتين أمس الاثنين؟ وما الذي أوصل إلى إذعان موسكو للرؤية التركية؟

0
اﻷيام السورية؛ فرات الشامي

توصل الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى حلٍّ يرضي الطرفين في إدلب، الملف كلياً لم ينتهِ بعد، وهي خطوة أولية تجنب المنطقة حملة عسكرية، بات من المؤكد أنّ الخاسر فيها هم الطرفان؛ النظام السوري بقواته المتهالكة، والمدنيين دون ريب.

إيران رفضت التدخل البري ومساندة حليفها الأسد هذه المرة، وتركيا نجحت في إمساك خيوط اللعبة بانتظار تقديم نظريتها للتخلص من عقدة “التيار الجهادي” متمثلاً ببعض الفصائل الموجودة في إدلب، والتي يعتبر جزء منها منضوياً تحت راية هيئة تحرير الشام.

اللعبة ما تزال تفتح الباب على احتمالاتٍ كبيرة، في مقدمتها إذعان الفصائل الجهادية للوضع دون القيام بتحرك يعيد خلط الأوراق مجدداً، وبالتالي؛ خيار المواجهة مع الفصائل المحسوبة على أنقرة.

المشهد السوري بدأ مرحلة التعقيد الطبيعي في الشوط اﻷخير من الحرب، ورغم أنّ اﻷحداث حتى وقتٍ قريب بدت متشابهة مع درعا والغوطة الشرقية، ومتسارعة في آنٍ واحد، غير أنّ إدلب نحت طرفاً مختلفاً.

الملف الشائك الذي يقف عثرة في وجه الحسم اﻷخير ﻵخر معاقل المعارضة السورية المسلحة ليس كما يروّج إعلامياً أنّ قوات اﻷسد غير قادرة على خوض المعركة فقط، رغم أنّ هذا صحيح، لكنّ وجود تيار جهادي مؤلف من المهاجرين (الأجانب)، واﻷنصار (السوريين) شكّل قوة في وجه نار الحرب، التي تسعى تركيا وإيران إلى إخمادها؛ لما يعنيه إشعالها من فتح جبهات داخلية وامتداد لهيب النار إلى مناطق أخرى.

قبل التخلص من التيار الجهادي اﻹسلامي بجميع أطيافه، أو ما يسمى “اﻹرهاب العابر للقارات” لن يكون هناك معركة. واﻷطراف المنخرطة في الحرب تدرك تماماً أنّ وجود مثل هذه التيارات ﻻ تعنيها اﻷرض بقدر ما تناضل من أجل “عقيدة” ترتكز على منهجية واضحة.

معظم المؤتمرات التي تتنقل بين سوتشي وأستانا مروراً بجنيف تدرك تماماً خطورة الموقف في إدلب، وطبيعة القوى على اﻷرض، ما يستلزم إخراجها بأقل تكلفة ممكنة، واللجوء إلى قتالها واستئصالها يكون على مبدأ آخر الطب الكي.

اقتراب الجميع (المجتمع الدولي) وإحساسهم بأنهم على أبواب الفصل اﻷخير من الحرب، كشف تدريجياً جميع اﻷوراق، التي تناثرت على الطاولة، وجعلت من خيوط اللعبة أكثر تشابكاً وتعقيداً.

ما كان داخلاً في الصراع الضمني انتقل وسينتقل إلى الواجهة عاجلاً ﻻ آجلاً، فالمعني اليوم بحرب النفوذ والمصالح داخل سورية ليسوا فصائل المعارضة وﻻ حتى قوات اﻷسد… هذان الطرفان يشكلان أدوات الصراع وأحجار على رقعة الشطرنج.

الخلافات الروسية-اﻹيرانية بدأت تظهر على شكل مناكفات إعلامية حول ملف النفط، وما تراه طهران علاقة مشبوهة بين موسكو والرياض.

رغم التوافق الروسي-التركي على الحل الذي طرحته أنقرة يوم أمس الاثنين 17 أيلول/سبتمبر الجاري إلا أنّ التحفظات الروسية قائمة؛ ما يعني أن العلاقات الروسية-التركية ليست في أحسن أحوالها، لكن لا يوجد خيار لدى الروس إلا إعطاء الأتراك فرصة استئصال العناصر الجهادية دون تكلفة، فالمهمة أوكلت لتركيا قبل مدة، ولعل المؤتمر الذي جمع أردوغان-بوتين كان مجرد خطوة بروتكولية.

العلاقة الروسية-التركية عموماً تفتقد أهم مرتكزاتها، الثقة المتبادلة، هذا يبرر رفض موسكو (سابقاً) لرؤية أنقرة في الحل، مع ما يشاع داخلياً من محاولة اﻷتراك إخراج “المهاجرين اﻷجانب” وإبعادهم عن المشهد السوري، دون أن تتوضح حقيقة تلك الفكرة ووجهة نقلهم.

بعيداً عن التصريحات الدبلوماسية التي يطلقها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين تجاه نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، فالواقع يؤكد أنّ تحالف البلدين على المحك، وما التصريحات التي تنتهي بالمديح واﻹطراء إﻻ تأكيداً على ذلك، ريثما تعالج أنقرة ملفات عميقة ومفصلية في إدلب، من بينها وأولها إخراج “الحزب اﻹسلامي التركستاني” الذي تدعمه.

ملف إدلب ما يزال مفتوحاً على كل اﻻحتمالات، موسكو لديها الرغبة واﻹرادة للبقاء ممسكةً بكل خيوط الملف السوري، وتسعى لشرعنة وجودها على اﻷراضي السورية دولياً؛ عبر فرض رؤيتها من خلال الحل السياسي القائم على المصالحات، مستخدمةً سياسة التلويح بالعصا والجزرة في وجه المعارضة والتيار الجهادي.

المجتمع الدولي يدرك ما تخفيه موسكو، والمعارضة الوطنية ومعها أصحاب التيار اﻹسلامي على يقين بأنّها تبتغي إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة، مختزلةً مطالب الشعب في التغيير بإقرار دستورٍ جديدٍ للبلاد، يصبح فيه بشار اﻷسد ونظامه أمراً واقعا،ً وإن بدا أنه مجرد دمية وواجهة تحركه من بعيد “روبوت”، إﻻ أنه يعطيها القوة في التحكم والتفاوض وترسيخ قدمها في سورية.

إيران أيضاً تتحسس الخطر القادم، وتدرك المخطط الروسي-اﻹسرائيلي الذي يسعى ﻹخراجها بأقل تكلفة ممكنة، أو حتى من خلال استنزاف عناصرها وقوتها اﻻقتصادية في الوحل السوري. هذا يبرر تصريحات المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي للصحفيين، يوم الاثنين 17 سبتمبر/ أيلول: “نحن مصممون على أن تحل قضية إدلب بشكل لا يلحق الضرر بالشعب السوري، ونقوم بطرح بعض القضايا خلال اتصالاتنا مع تركيا وروسيا، وأعلنا مراراً أن تواجدنا في سوريا يقتصر على الدعم الاستشاري، ولن نشارك في أي عملية هناك”.

ﻻ يمكن لقوات اﻷسد خوض المعركة برياً دون مشاركة ميليشيات إيران، وروسيا تدرك هذه النقطة كما تعلمها طهران؛ وكما يفهمها كل المعنيون بالملف. ما يدفع بالحرس الثوري الإيراني لتأخير الحرب واﻻحتفاط بورقة إدلب لصالح المزيد من المكاسب التي تبقيهم أو تؤيد طموحاتهم مستقبلاً.

تتلاقى رغبة موسكو وواشنطن مع تل أبيب في إخراج طهران والضغط عليها؛ ﻹفقادها مكتسباتها التاريخية في المنطقة بدايةً من العراق مروراً بسوريا ولبنان.

واشنطن تحاول أيضاً خلط اﻷوراق وإعادة ترتيبها بما يخدم مصلحتها التي تلاشت في الشرق اﻷوسط، وباتت مجبرةً لحساب تمدد طهران وموسكو، حيث تشير سياسة الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية من خلال قراءة توسعها في منطقة التنف أنها جادة للعودة وبقوة إلى اﻹمساك بالملف السوري، عبر ما يسمى محاربة تنظيم داعش.

القرار اﻷمريكي على ما يبدو واضح، ليس هناك تقليماً ﻷظافر اﻹيرانيين، بل هناك نية حقيقية ﻹخراجهم، ﻻ يمنع ذلك من تواجدهم الثقافي، فهو أمرٌ مطلوب ومفيد ﻹبقاء بركان الصراع السني-الشيعي مشتعلاً وتحت سيطرتهم.

إعادة فتح ملف مقتل الرئيس اللبناني، رفيق الحريري، بعد ثلاثة عشر عاماً من اغتياله وتوجيه أصابع اﻻتهام إلى حزب الله اللبناني في قتله، تحديداً في هذا الوقت، فضلاً عن الظروف السياسية التي تمر بها العراق وعدم القدرة على تشكيل حكومة، مع اﻻضطراب الداخلي اﻹيراني، يجعل من طهران تسعى لتمديد فرص البقاء في سورية، وإنشاء تحالف جديد بدأت ملامحه مع اﻷتراك، أعداء اﻷمس.

إيران أقرب اليوم إلى تركيا؛ رغم التناقض وعدم اﻻقتناع والثقة بين الطرفين، والذي تعود جذوره إلى مراحل تاريخية قديمة؛ فطهران ترى أنقرة نداً استراتيجياً لها؛ باعتبارها تسعى لتشكيل قطب إسلامي جديد في المنطقة، يرتكز على المذهب النسي المناوئ للتيار الشيعي الذي تتبناه حكومة الملالي اﻹيرانية.

المواجهة بين روسيا وإيران أتت لصالح الخطة التركية التي لاقت قبولاً إيرانياً، بالمحصلة؛ ما حدث يترك مجالاً للشارع السوري المعارض أن يتنفس الصعداء، على الأقل لتتضح الرؤية، قبل الخامس عشر من تشرين الأول القادم موعد إقامة المنطقة منزوعة السلاح حسب الاتفاق الروسي-التركي يوم أمس الاثنين، وبإشرافهما.

ما بعد إدلب سيكون الهدف إضعاف إيران، على أيدي الروس حتماً، وبمباركة إسرائيلية أمريكية، ومن ثم يتحول الصراع إلى القطبين اﻷبرز في العالم، واشنطن-موسكو. شعار تلك المرحلة ملفات كثيرة من بينها الغاز، قضية سكريبال، ملف أوكرانيا، اﻷسلحة الكيميائية، جميعها ملفات عالقة، والأهم أنّ الوضع في إدلب واستمراره على حاله يعني تأجيلاً للقضايا الشائكة تلك.

ما بعد إدلب خطواتٌ جديدة وتحالفات أخرى تسقط اﻷوراق المعتمدة قديماً، وتبدأ جولة حروب اقتصادية أو عسكرية مباشرة أو غير مباشرة بين الدول التي تتنافس على نفوذ جيوسياسي ممتد عبر عدة ملفات.

إدلب اليوم تشهد تاريخياً على تفكك التحالفات القديمة التي مضى على توقيعها على اﻷقل 7 سنوات، ما يرجّح استفادة التيار الجهادي والوطني الذي بات لسان حاله: “اللهم اجعل كيدهم في نحرهم، وسلّط الظالم على الظالم”.

مصدر روسيا اليوم
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!