من ينتصر للشعوب العربية؟!

مصير الشعوب العربية لم يعد بيدها، أو حتى بين يدي حكامها بعد الربيع العربي الذي حولته السياسات القمعية واﻵلة العسكرية إلى خريفٍ أصفر!!

0
اﻷيام السورية؛ فرات الشامي

الديمقراطية، حقوق اﻹنسان، تبادل السلطة، التوزيع العادل للثروات، جميعها لن تكون قريباً شعاراتٍ مقبولة، بقدر ما ستكون ((مقبورةً)) في عتمة الذاكرة.

من المسؤول؟!

ثمة عوامل كثيرة متشابكة أدت إلى المصير الذي تعيشه شعوب العالم العربي اليوم، في مقدمتها غياب الرؤية المستقبلية واﻻرتهان للخارج، على سبيل المثال، التهليل الشعبي للدور التركي في سورية يأتي عن عاطفة بحتة، ﻻ يتخللها نظرة عميقة لحقيقة وخلفيات هذا الدور.

أنقرة في لعبة السياسة والحرب القائمة لن تلقي بورقة المصلحة القومية التركية، المسألة بالنسبة للأتراك لا تخرج عن هذا اﻹطار، وفور ضمان حدود دولتهم؛ سنسمع تبدلاً في اللهجة تجاه الفصائل (الوطنية) المشكلة في المطبخ التركي، صاحب الفضل في تكوينها.

اﻷمثلة العربية في هذا الجانب تكاد تكون واحدة، ولعل اﻷقرب إلينا ما يحصل في اليمن، وفلسطين، والعراق، وقس على ذلك.

مسألة أعمق فما هي؟!

المتابع لحركة انتفاضة الشعوب العربية ضد اﻻحتلال أو اﻻستبداد يكتشف سريعاً أنها منقوصة ﻻ تكتمل وﻻ تستمر، وإنّما يتم تصدير قيادات بعيدة عن واقع الشارع ومطالبه.

الصورة تتضح أكثر في سورية، فالمجلس الوطني واﻻئتلاف سقطا في بداية الحراك، لكن سقوطهم “دولي”، أما شعبياً، فقد تم إهمال غياب المؤسسة التي دعمها الشارع في عددٍ من التظاهرات، ليتلاشى دورها وتدفن بصمت.

الثورات العربية لم تُسقِطْ المجرمين من قيادات الفصائل العسكرية أو المعارضة السياسية؛ بذريعة أنّ الوقت غير مناسب، ولأسباٍب واهيةٍ غالباً؛ الأمر الذي سمح بتغلغل من يدور حولهم علامات استفهام واختلط الغث بالسمين.

الكثير من التحليلات تلقي باللائمة على النظام العالمي، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما.

لكن مصير الشعوب من المفترض أن يقرره الشارع نفسه الذي خرج مطالباً بحقه، إن كان مؤمناً بذاك الحق، ويعتقد أنه يريده.

التحول الملفت أنّ الكثير من شباب الثورة قرر الهزيمة، المصالحة، والحجة العالم خذلنا.

ما الذي تغير دولياً؟

السياسة اﻷمريكية طوال عقود مضت أنتجت صورةً لها ظهرت على أنها راعية حقوق اﻹنسان والديمقراطيات، وكانت حربها على العراق من ذاك الباب.

زعامة أمريكا بوجهها القديم لتلك الشعارات لم يكن إﻻ قناعاً، الشعوب كانت مدركة لتلك المسألة والمثقفون كذلك، لكن تسليم مفاتيح مصيرهم إليها يثير الكثير من التساؤﻻت، التي ستظل بلا إجابة، إﻻ أن يقال “واشنطن أقدر على انتزاع الحقوق بالقوة من براثن الطغاة”!!

لنتحول إلى سؤالٍ أهم، وهل صنع وبارك للطغاة إﻻ واشنطن؟!

وما بشار اﻷسد الذي انتقلت إليه مقاليد الحكم وراثياً في دولةٍ يفترض أنها تنتهج الديمقراطية إلا من ذاك الباب، وما مباركة اﻹدارة اﻷمريكية له والسكوت إﻻ إشارة لتمكينه والقبول به.

الصورة اليوم لم تختلف كثيراً، وإنما خلع المجتمع الدولي قناعه، وعاد إلى صورته الفظة التي باتت تعبِّر بوضوح ودون مواربة وتمويه عن طبيعتها وحقيقتها.

قتل اﻷبرياء بالسلاح الكيماوي مرفوض، ما يعني اعترافاً صريحاً بالقاتل، وإعطاء الضوء اﻷخضر لإبادتهم بغيره من الأسلحة.

صدام حسين استخدم الكيماوي وتم غض الطرف عنه لعقود، ولما انتهى دوره ألقي بورقته على حبل المشنقة.

ما تغير في بيت القرار اﻷمريكي مجرد وجوه. فمن قناع الدبلوماسية التي مثلها الرئيس اﻷسبق، باراك أوباما، إلى الغلظة التي نراها في وجه خلفه، دونالد ترامب.

تحولٌ في مسار التعبير عن الهدف واﻷولوية اﻷمريكية؛ أما السياسة المخفية فقد انتقلت إلى الواجهة وسقط القناع الساقط أصلاً؛ بدلالة مسيرة الصراع الفلسطيني-اﻹسرائيلي.

أين الشعوب العربية؟!

واشنطن تخلت عن الدبلوماسية الناعمة وتم تصدير ترامب إلى رأس السلطة كنموذج يختصر السياسة اﻷمريكية الحقيقية تجاه شعوب المنطقة العربية تحديداً.

ترامب عملياً يحاول التخلص من أثقال الشعارات التي اختبأت بلاده خلفها (الحريات، الديمقراطية، حقوق اﻹنسان)، واستبدلت صراحةً إلى “أميركا أولا”.

نجحت واشنطن في إنتاج الشخصية التي تحررها من ربقة المواربة والتمويه التقليدية مستفيدةً من المشهد العربي وفوضى التصادم بين الشعوب وجلاديهم، الموظفين أساساً لدى إدارة البيت الأبيض برتبة حاكم فخري.

الشعوب العربية لا تملك من أمرها ضراً ولا نفعاً، فترسانة الأسلحة لم تصوب إلى أعداء الأمة الصهاينة، ولا الإمبريالية، ولا الرجعية، بل كانت تطلق الرصاصات دوماً على أصحاب الفكر والمثقفين... والواضح أنّ ذلك يحدث وحدث بموافقة وعلى عين رعاة الديمقراطية رعاة البقر.

فكرة الشعب الموالي والمعارض للأنظمة المستبدة لم تزل في ذهن الشارع العربي، لم توقظها معظم تلك اﻵفات الدولية، حتى بات من المنطقي أن نسأل حول إمكانية نهضة شعبية مجتمعية موحدة لمواجهة الكارثة المتمثلة بإعادة إنتاج الأنظمة التقليدية.

معظم ما يدور في المطبخ السياسي الدولي لم ولن يخدم القضايا العادلة للشعوب العربية، بل سينصب في عكس أهدافها، وسيكون على حسابها، بدايةً من مصر والعراق، اليمن ولبنان، مروراً بسياسة ولي العهد السعودي في بلاده تحت غطاء اﻻنفتاح وضرب معارضيه بغض النظر عن الموقف السياسي منهم.

كل ما يدور يخدم سياسات خارجية وأجندات ظاهرها وباطنها يخدم الطبقة الحاكمة التي جاءت بعد الربيع العربي أو قبله، وتصب لخدمة تلك الفئة وأسيادها على حساب الشعوب التي تتزايد عليها الضغوط وتتعرّض للانسحاق تدريجياً.

ما أفرزه الربيع العربي وحدة عربية من نوعٍ مختلف، أتت بتوحيد الرؤية للقيادة المسيطرة، بعثت برسائل واضحة لشعوب المنطقة؛ أن التمرد على جلاديهم ستعني مواجهة المصير السوري واليمني، وحتى المصري أو الليبي.

المفارقة أن شيئاً مما يحدث لم يثمر حركة سياسية توحد الشعوب على هدفٍ مشترك على اﻷقل ضمن إطار النضال والتعاون للقضاء على عصر الظلم.

قد تحمل الفكرة رومانسية زائدة، لكنها قابلة للتحقق على الطريقة الداعشية في حال استمر اﻻضطهاد والقمع، فالمنطقة لا تزال تعيش فوق فوهة بركان و”التمرد” الشعبي قابل للانفجار مجدداً باعتبار وجود أسباب ودوافع تنتظر فرصة التسرب. لعل ما نراه صيحة نذير، لداعشنةٍ بلون مختلف.

من ينتصر للشعوب؟

إنها معركة وعي، وثبات، الحرب مستمرة سياسياً وسلمياً وربما عسكرياً، وﻻ يعني فشل الربيع العربي بالتغيير المنشود هزيمةً مطلقة، إنما هي مرحلة انتهت قابلة للتجديد.

الشعوب العربية وحدها قادرة على قيادة نفسها واﻻستفادة من أخطاء اليوم والماضي، وتجييرها لمصلحتها… بوعيها لا بشيءٍ غيره، وكما يقال في المثل: “لا يحك جلدك مثل ظفرك”.

لعلنا نحتاج “بوعزيزي” آخر يحرق الماضي ويفتح الباب موارباً على ثورةٍ شعبيةٍ عربية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!