من حلب إلى باريس مع آلامي

وقفت أمام المرآة.. كانت إمراة تشبهني تقول لي: تماسكي يا ضُحى.. سنقاوم معاً: سرطان الجسد وسرطان الاستبداد

0
الأيام السورية؛ سلام أبو شالة

بعد التحية.. تناولت كرسياً وجلست بقربي؛ سألتها عن قصة تغريبتها من حلب إلى باريس؛ قالت:

“أنا ضحى رمضان ابنة حلب، كان بيت جدّي أولَ بناءٍ حجري في منطقة “السريان” الحلبيّة؛ أتقنت الفرنسية عن أبي وتعلّمت منه أن الإنسان هو أثمن شيء في الحياة”.

تتابع السيدة السورية التي تقاتل بطريقتها على جميع الجبهات:

“درست التاريخ في جامعة حلب لكن معرفتي باللغة الإيطالية أهّلتني للعمل كدليلة سياحية مدة 20 عاماً “بلا ترخيص” لأن الأمن الأسدي لا يُوافق سوى للمؤيدين له”.

تضيف السيدة ضحى:

“تعرضت للإعتقال عام 2005 إثر تعليق لي على محاضرة في مكتبة الأسد في دمشق!؛ وتمّ اعتقال ابني الأكبر في بداية الثورة 2011 مدة عامٍ كامل لرفضه الاشتراك في حفلة غناءٍ تُمجِّد بشار الأسد!؛ كما اعتُقِلَ ابني الثاني في عام 2012 لمدة شهرين؛ ليخرج من بعدها بنصف وزنه؛ فاضطررت لبيع بيتي بسعر رمزي لأحد الشبيحة والهرب مع أولادي خارج سوريا نهاية عام 2012 إلى مصر.

ضحى رمضان ضمن نشاطات المجتمع المدني ـ مهرجان السوريين في فرنسا(خاص)

بداية التغريبة:

تتابع السيدة رمضان: “اخترت في بداية لجوئي مصر لأن أحد أبنائي قد سبقني إليها؛ استأجرت منزلاً وافتتحت  مقهى ومطعماً باسم “باب الورد” في القاهرة.. عُرِف ب”كافيه السوريين” لكن بعد انقلاب السيسي بدأت المضايقات والتشبيح على السوريين وعلى محالهم؛ وهكذا فرضوا على مطعمنا “خُوّة” شهرية بعد تكسيره للمرة الأولى من قبل شبيحة مصر “البلطجية”.

وتتابع: “غادرت مصر إلى تركيا لمدة 15 يوماً لرؤية أمي وأختي بسبب منع مصر من دخول السوريين إليها؛ ولم أستطع العودة إلى مصر؛ مع أنني أملك عقديّ إيجار للمنزل والمطعم لمدة خمس سنوات ولديَّ إقامة مصرية فبقيت في تركيا بالرغم عني”.

تركيا.. ومعاناتي مع السرطان:

“وجدت نفسي في مدينة اسطنبول غريبة.. لا أملك لغةً ودون منزل وعمل ومال ومُعِيل.. وحيدة دون أصدقاء، فبِعتُ مصاغي وفتحت مطعم وكافيه في اسطنبول الآسيوية؛ وبدأت أشعر بتعبٍ وانهاكٍ دائم في جسدي.. أرجَعته لحالتي النفسية؛ لكن الآلام انتشرت في كل أنحاء جسدي: إنه سرطان الثدي؛ قال لي الطبيب: تحتاجين إلى عملية جراحية لاستئصاله”.

تتذكر السيدة ضحى: “في الممر الطويل إلى غرفة العمليات سمعتُ صدى هتافات شبابنا ضد الاستبداد؛ رأيت الورود في أيديهم تتناثر مُخضبَةً بالدم؛ ثم تسرقني جرعة التخدير من تداعياتي”.

تتابع السيدة رمضان: “بعد إجراء العملية تابعت العلاج الكيميائي فتساقط شعري كاملاً؛ وحين وقفت أمام المرآة.. كانت إمراة تشبهني تقول لي: تماسكي يا ضُحى.. سنقاوم معاً: سرطان الجسد وسرطان الاستبداد”.

مقالة عن ضحى رمضان في إحدى الصحف الفرنسية(خاص)

التغريبة البحرية:

تتابع السيدة رمضان وهي تريني صورتها:

“نصحتني صديقة بالسفر إلى أوروبا لمتابعة علاجي هناك، فحسمت أمري؛ بعتُ آخر خواتمي وصعدت معهم في البلم أولَ شهر سبتمبر من عام 2015؛ كان الموج عالياً؛ تُهنَا في البحر 19 ساعة؛ نفذ منا الوقود حتى أنقذتنا حوامة يونانية إلى جزيرة “كوس” وأذكر أن حادثة غرق الطفل السوري “إيلان” أثناء العاصفة قد جرت في اليوم التالي من وصولي إلى اليونان”.

الوصول إلى فرنسا:

تُريني السيدة ضحى صورة هويّة صديقة إيطالية أعارتها إيّاها لتسهيل رحلتها.. ثمّ تُضيف: “من أثينا إلى ميلانو ثم إلى باريس عبر القطار وصلتُ إلى فرنسا في 6 أكتوبر من عام 2015؛ استضافتني سيدة فرنسية بتاريخ 13 أكتوبر وكانت سعيدة جداً بي؛ لكن.. ولسوء حظي حدث تفجير “الباكاتلون” الإرهابي في باريس؛ فتغيَّرت مُعاملتها لي؛ حتى أن أحد جيرانها قد قام بتفتيشي عند دخولي إلى المنزل!”.

أنواع من المأكولات السورية التي تحضرها للفرنسيين(خاص)

رحلة اللجوء والإقامة:

تُضيف السيدة رمضان: “بدأت معاناة جديدة وشديدة عند تقديم أوراق لجوئي؛ كنت أقف منذ الخامسة فجراً في الطابور؛ لأحصل على دورٍ في الساعة 9 صباحاً، وما أن يصل دوري في 12 ظهراً حتى يُعلنون انتهاء الدوام؛ لتتكرّر المعاناة ذاتها في اليوم التالي، بقيتُ على هذه الحال مدة شهرين في البرد القارس وتحت الثلج؛ ومنذ 3 سنوات ولغاية اليوم لم تنتهِ أوراق لجوئي بسبب البيروقراطية الشديدة في الدوائر الرسمية الفرنسية؛ لكني حصلت على غرفة من خلال جمعية مدنية فرنسية تساعد النساء الوحيدات من طالبات اللجوء؛ ثم وجدت ماكينة خياطة في الجمعية فبدأت برغم جرعات العلاج الكيماوي بتعليم الخياطة للنساء اللاتي ينتظرن الموافقة على لجوئهن”.

باريس.. عاصمة الأناقة:

تتابع السيدة ضحى: “تعرفت على بوتيك أزياء لسيدة فرنسية تدعى سيلفي وما زلت أعمل لديها حتى اليوم؛ ثم أحببت تقديم مأكولاتٍ سورية في إحدى المناسبات فلاقت إعجاب زبونات البوتيك؛ فبادرن بطلب الأطعمة السورية لحفلات أعياد ميلاد وللأعراس؛ وتمّ اختياري للطبخ في مهرجان فرنسي أقيم من1 ـ 5 آب أعددتُ فيه 1000 طبقٍ من المأكولات السورية المتنوعة بداية بالمقبلات والسلطات وانتهاء بالكبة الحلبية تحديداُ”.

تبتسم السيدة ضحى وهي تختم كلامها:

“على الرغم من احتياجي لسنتين من العلاج لأعود إلى حالتي الطبيعية؛ لكن كل الآلام لم تنَل من إرادتي؛ لدي ذاكرة سورية أحتمي بها؛ وذخيرة تاريخية ثقاقية أقدّمها للفرنسيين كسفيرةٍ  تطوعية لم يُعيّنها في منصبها.. سوى حُلمِها الدائم بسورية حرة وديمقراطية”.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!