قراءة في رواية آخر ما تبقّى من الزنبقة

الكاتب: إيهاب عبد ربه.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: دار الفارابي/ ط١ في ٢٠١٤. نسخة انترنت.

تبدأ الرواية من أحد أبطالها الضابط المنشق “وسيم”، الذي يكتب رسالة لزوجته، يشرح لها ما حصل معه.

وسيم الذي كان يحلم مع حبيبته “جمانة” بأن يصبح ضابطاً كبيراً تتربع على أكتافه النجوم، حبيبته التي أصبحت زوجته، والتي تحتضن في رحمها ابنتهما “رزان”، يصر أنها طفلة وأن اسمها رزان، يحدثها عن انتقال تداعيات الربيع العربي إلى سورية، وكيف بدأ الشباب السوري يتحرك متأثراً بها، ويطالب بالحرية والكرامة والعدالة وإسقاط الاستبداد والفساد والاستغلال والقهر، وكيف بدأ النظام يواجه المتظاهرين بالعنف، وكيف جمعهم قائد معسكرهم وطلب منهم التحضير لمواجهة المتظاهرين، واعتبرهم مخربين ومدسوسين وإرهابيين، ينفذون خطط الأعداء ضد سورية وسلطتها.

وسيم يدرك واقع الحال وأن المتظاهرين ليسوا أكثر من شباب غاضب له حقوق ويعبّر عن مجموع الناس، يطالب بها بالطرق السلمية، ولأن النظام له تاريخ من التعامل القمعي الوحشي والعنيف مع أي اعتراض أو تمرد، أدرك وسيم أن مواجهة الجيش للمتظاهرين، تعني مذابح لن يقابل بها، ولا يستطيع تحمل مسؤوليتها الأخلاقية والاجتماعية؛ لذلك قرر أن يهرب من قطعته العسكرية، ليصبح بعد ذلك ممن يسمونهم ضباطاً وجنوداً منشقين.

يخرج وسيم متخفياً ومتنقلاً بين القرى، ليصل إلى مناطق يستطيع أن يشكل فيها نواة من جنود وضباط مع بعض الشباب المدنيين الذين قرروا حمل السلاح لحماية المتظاهرين في مواجهة النظام الذي قرر إنهاء التظاهر واعتقال المتظاهرين وقتلهم.

تنقسم الرواية إلى فصول في كل منها يتابع الكاتب مسار مختلف لأشخاص ينتمون  للثورة، ففي فصل جديد يتابع الكاتب شابين “توفيق” و”حازم”، الهاربين إلى تركيا، حيث يلتقيان ممثلة لإحدى المنظمات الإنسانية الأوروبية، يتحدث توفيق لها عما حصل معه، وأنه من شباب التظاهرات التي حصلت في مدينته، حيث خرج مع أصدقائه، وكيف توسعت التظاهرات وامتدت، وأنه وفي مواجهة عنف النظام واستعماله السلاح، قرر بعض الشباب من أصدقائه أن ينتقلوا إلى حمل السلاح، لمواجهة عنف النظام، واختلف معهم، لأن النظام سيجد له مبرراً للبطش أكثر، تحت دعوى وجود الجماعات المسلحة المخربة والإرهابية، وأن النظام أقوى وله جيش كبير مدجج بالسلاح ومنظم، أما الشباب الثائرين فهم ضعفاء ومنقسمون ولا يملكون المال والسلاح الكافي، وإن دخلوا في هذا الطريق سيكونون ضحية للسلاح نفسه، وداعميهم الذين يستغلونهم لأهدافهم الخاصة. اختلفوا ووصل الخلاف إلى مستوى التخوين، أما هو فأصبح مستهدفاً من رفاقه ومن النظام الذي يلاحق الناشطين، اعتقالاً وقتلاً، لذلك لم يكن أمامه مفر من الخروج إلى تركيا، حمايةً لنفسه، ويخرج إلى تركيا متنقلاً بين مناطق سيطرة النظام، وسيطرة القوى المسلحة المتنوعة على الأرض السورية. كان لا بد أن يتفق مع مهرّب من أبناء المنطقة لتهريبه إلى تركيا.

تواصل مع المهرب “أبو إياد” والتقى به مع شاب آخر اسمه خالد، على أن ينقله إلى تركيا، نقلهم من بلدة إلى أخرى، ومن طريق لآخر، متخفين، وبعيدين عن حواجز النظام، وحواجز الثوار، ومع ذلك اكتشفتهم إحدى المجموعات المسلحة، إنهم شباب خليط بين سوريين وغير سوريين، اعتقلوهم وحققوا معهم، المجموعة إسلامية يقودها تونسي، يمدّها بالسلاح والمال، ويقودها في الداخل سوري “أبو القعقاع” أحد الإسلاميين من خريجي سجن صيدنايا، الذين عفا عنهم النظام والمفرج عنهم بداية الثورة، والذين يقاتلون لبناء الدولة الإسلامية، في التحقيق يتبين أن الشاب خالد الذي كان معهم، كان مسجوناً أيضاً في صيدنايا ويعرف أبو القعقاع، واختلف معه في السجن، حول التشدد في الإسلام، وتطبيق الشريعة، وبناء الدولة الإسلامية.

كان خالد معتدلاً أقرب للرؤية الوطنية الديمقراطية، ومع إسلام مجتمعي معتدل، تعرف أبو القعقاع على خالد، وباشر عناصره بتعذيبه بقسوة كبيرة، ومن ثم قرر محاكمتهم، وحكم على توفيق وأبو إياد بالبراءة، وعلى خالد بالردة وقرر قتله، لكن أحد الشباب من الذين كانوا مع أبو القعقاع تعاطف مع خالد وقرر مساعدته مع من معه للهرب قبل قتل خالد، لكن أبا القعقاع قبض عليهم، وقتل خالد والشاب الذي ساعدهم، وترك توفيق وأبو إياد ليكملوا طريقهم إلى تركيا.

في فصل جديد يأتي صحفي بريطاني من أصل فلسطيني إلى إحدى المخيمات التي بنيت على الحدود التركية، بعد أن ازداد عدد الهاربين السوريين من مدنهم وبلداتهم ، حيث القصف والتدمير والقتل الذي باشره النظام على الشعب السوري، الذي أعلن ثورته واحتضن ثواره، بحث الصحفي عن جمانة وابنتها رزان، إنه يحمل أمانة من الضابط المنشق وسيم، يصل إلى جمانة، ويسلمها رسالته، التي كتبها لها أول انشقاقه، ويحدثها الصحفي عن زوجها الذي أصبح قائداً لمجموعة من الثوار، تحمي التظاهر، وتواجه مواقع النظام على شكل حرب عصابات، وكيف أنه ورفاقه قد واجهوا هجوماً، للنظام على موقعهم، وكيف هرب المدّعون أنهم ثوار ومن ركب الثورة واستغلها، وأنه استمر يقاتل حتى استشهد هو وكل من معه، بعث لزوجته جمانة رسالته وتذكاراً مشتركاً، ووصيةً أن تغادر إلى تركيا وتبدأ حياة جديدة مع ابنتهما رزان، وبالفعل تنتقل إلى تركيا وتبدأ في إجراءات اللجوء إلى أوروبا.

وفي فصل جديد سيبدأ بالتجمع كثير من السوريين الذين يودون اللجوء إلى أوروبا في إحدى الجزر التركية المحاذية لليونان، تجتمع جمانة وابنتها رزان، مع توفيق وصديقه حازم، وتعرفوا هناك على أبي مراد الرجل الفلسطيني الهارب من مخيم اليرموك في دمشق، بعد أن أصبح مستهدفاً من النظام، أبو مراد الذي لجأ وأهله من فلسطين إلى سورية منذ أكثر من ستين عاماً، والذي عاش في بلاد اللجوء، ينتظر أن يعود إلى وطنه فلسطين مجدداً، لكنه الآن يرحّل إلى ما هو أبعد، يتحدث عن مخيم اليرموك، حياته وأهله والناس، وبناء حياة جديدة هناك، يتحدث عن رحلة الهروب من دمشق التي أوصلته بداية إلى مصر، التي احتضنت السوريين والفلسطينيين أولاً، ثم انقلبت عليهم بعد أن أسقط العسكر ثورتها، وبدأوا بطردهم، وكيف تعامل مع المهربين ليصل إلى أوربا، وكيف أُرسل إلى ليبيا ومكث فيها وقتاً، حتى وضعه المهربون مع غيره الكثيرين من سوريين وفلسطينيين وأفارقة في يخت صغير لا يتسع لهم جميعاً، وتركوه يبحر بهم إلى الشواطئ الأوروبية، وسرعان ما تحطم المركب وغرق أغلب من كان فيه، و يتم إنقاذ أبي مراد الذي يصل أخيراً إلى هذه الجزيرة التركية، حيث يحلم أن يصل إلى أوروبا، ينتظر هو وجمانة وابنتها رزان وتوفيق وحازم وآخرين كثر، ويأتي يوم الرحيل ويوضع في المركب أعداداً تفوق طاقته الاستيعابية، ويتحرك المركب ليلاً متوجها إلى جزر يونانية، وسرعان ما سيواجه بإطلاق نار كثيف، يتواصل ويتحطم المركب ولا ينجو منه إلا القليل، منهم أبو مراد والطفلة رزان، تغرق جمانة وتوفيق وآخرين قبل أن يحققوا حلمهم بالوصول إلى أوروبا، حيث يبنون حياة تعطيهم بعضا من إنسانيتهم. وكان لا بد من طريقة يستطيع أن يغادر فيها أبو مراد إلى بقية الدول الأوروبية من اليونان، لقد أمّن له أحد المهربين جواز سفر إسرائيلي، في مفارقة عجيبة مؤلمة ذات دلالة، تمكن من خلالها أن يغادر إلى إيطاليا، ليبدأ رحلة حياة جديدة.

تنتهي الرواية ومصير أبطالها أصبح واضحاً، من قتل ومن غرق ومن بقي ليبدأ رحلة الاغتراب.

في تحليل الرواية نقول: إننا أمام رواية معجونة بواقع الحال السوري، نظام ظالم وشعب ضحية، تفاصيل الحياة المؤلمة لمجموع الناس، والربيع السوري، عفويته وصدقه، وتحدي النظام الذي يعني أن يقبل الثائر الموت، واقع الحراك وتطوره ليصبح ثورة، وكيف انقضّ النظام على الثورة والشعب، قتل الكثير ودمّر البلد وهجّر الملايين، وكيف كان العمل العسكري في بعضه بطولة منقطعة النظير، وبعضه ارتزاق وتجارة بدم الشعب، وبعضه امتداداً لجماعاتٍ متطرفة محسوبة على الإسلام، من أبناء الشعب، يقتلون ويستعبدون مثل النظام، وكيف كان الملايين من الشعب ضحية داخل البلاد للموت والتشريد والحياة المأساوية، والملايين التي غادرت سورية لأقدار كلها مؤلمة.

الرواية تنتصر للإنسان السوري، تدين العالم الظالم الذي تضامن مع النظام القاتل وتركه يقتل شعبه ويشرّده ويدمّر البلد.

الرواية تمر على الأسباب المؤدية للثورة، وتوضح مسارها، إيجابياتها وعقباتها وعيوبها، مصير شبابها الذين كانوا أول من ثار وأول من دفع الثمن الأغلى، وجوده وحياته ومستقبله الذي لا يعرف كيف يكون.



إيهاب عبد ربه: روائي سوري، ينتمي للثورة السورية، هذه روايته الأولى التي نقرأها، وتعتبر -بجدارة-من بواكير أدب الثورة السورية.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل