دمشق بياض الياسمين ومغنى الشعراء

تغنّى الشعراء قديماً وحديثاً بحبهم دمشق، فجادت قرائحهم بأعذب القصائد خاصة أنّ حبّها سكن شغاف قلبهم، المدينة التي أطلق الآراميون عليها اسم “درمسق” وتعني قديماً الأرض المزهرة.

الأيام السورية؛ علياء الأمل

دمشق أقدم مدينة في العالم، هي أبواب حاراتنا القديمة المترامية على هاجس اللغة وهدب التاريخ. وحقل الياسمين المتوج على الشبابيك وعلى حافة القلوب التي تؤمن ألا وطن خارج تفاصيل البياض في ياسمينة يضعها الدمشقي على شباكه كتميمة تقيه من الحسد.

دمشق عاصمة التاريخ التي عشقها الحالمون والبسطاء والشعراء الذين تغنوا بوقارها الأزلي، دمشق التي ترفض أن تموت كما يموت الجبناء، تعرف نفسها أنها قبلة للعشاق الأولين والآخرين، فالزهر يولد بين يديها، وكلام السعادة دمشقي الهوى، لذلك تهافت الشعراء على التغني بها عشقا لجمالها.

ومن أجمل القصائد التي قيلت فيها قصيدة نسبت إلى البحتري:

أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها وقد وفى لك مطربها بما وعدا
كأنما القيظ ولّى بعد جيئته….أو الربيع دنا من بعد ما بعدا
إذا أردت ملأت العين من بلد مستحسن وزمان يشبه البلدا

إنّ الشعر أسمى أنواع الفنون لأنه فاق الموسيقا في صوتها والنحت في شكله ويمزج بين الفنون ليقدم لنا صورة حية تؤثر في حواسنا وكأنها حقيقة بعينها.

فالشاعر الحقّ هو الذي يشعر بما حوله من طبيعة يتأثر بجوها، ويستلهم سماءها ومناظرها فتوحي إليه بروائع الأشعار.

مثلاً المبدع أبو نواس يقول متغنيّاً في الغوطة:

يؤممن أرض الغوطتين كأنما لها عند أهل الغوطتين نذور
أما أبو تمام فيتغنّى بحدائق دمشق وبطولة أهلها قائلاً:
لولا حدائقها-وأني لا أرى عرشاً هناك-ظننتها بلقيسا
قد بوركت تلك البطون وقد سمت تلك الظهور وقُدّست تقديسا

وبعض الشعراء تغنّى بانتمائه لمدينة دمشق ووصفوا غوطتها وحواريها منهم؛ خير الدين الزركلي الذي يقول:

أنا من دمشق وقد ولدت بغيرها وسكنت أخرى، والحنين لدارك

وأجمل قول الشعراء في دمشق هو تعبير الشاعر محمد كرد علي الذي هام بفلّها، وعطرها، وتاريخها العريق يقول:

الفلّ يبدأ من دمشق بياضه وبعطرها تتطيب الأطياب
والحبّ يبدأ من دمشق فأهلنا عبدوا الجمال وذوّبوه وذابوا
فالدهر يبدأ من دمشق وعندها تبقى اللغات وتحفظ الأنساب

ولشعر ابن مدينة دمشق “نزار قباني” وقْعٌ مختلف فهو عاشق الياسمين حتى أنّ الحبّ عنده خريطة عاصمتها دمشق يقول المتيم بالمدينة:

فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا؟
حبيبتي أنت، فاستلقي كأغنية على ذراعي ولا تستوضحي السببا

وذهب الشعراء لأكثر من ذلك فهي في نظر محمد البزم الذي تغنّى بنهر بردى وبفروعه السبعة “ريحانة الدنيا”:

ريحانة الدنيا وظلّ نعيمها من قبل مولد يعرب وثمودا
أخت الخلود وما الخلود مفارق برداك ما عشق الأناس خلودا
بيت دمشقي – مصدر الصورة اكتشف سورية

إن محبة الانصهار والتآخي للدول العربية ظاهرة في شعرنا العربي وخاصة مصر وسوريا؛ فأكثر الشعراء يذكرون مصر في شعرهم عن الشام لتكون قصائدهم عنواناً للتآخي القومي منهم شاعر النيل حافظ إبراهيم:

لمصر أم لربوع الشام تنتسب هنا العلا وهناك المجد والحسب
إذا ألمت بوادي النيل نازلة باتت لها راسيات الشام تضطرب

أما أمير الشعراء أحمد شوقي الذي فُتن بدمشق وجمال طبيعتها لدرجة وصفها أنها “جنة الله على الأرض” يقول:

آمنت بالله واستثنيت جنته دمشق: روح وجنات وريحان
لولا دمشق لما كانت طليطلة ولا زهت ببني العباس بغدان
قم ناج جلّق وانشد رسم من بانوا فقد مضى على الرسم أحداث وأزمان

ولشعراء المهجر حب لدمشق وعشق لم يستطيعوا إخفاءه، وتوق دائم لزيارتها منهم إلياس فرحات الذي حنّ إليها بعد زيارته الأولى لها عام 1958:

جددي يا نفس أفراح الشباب واستمدي البشر من هذي الروابي
أما شاعر الخيال إيليا أبو ماضي فيرى في دمشق “جنة الخلد” لأنه معجب بروابيها ومحاسنها يقول:
ما جلّق الفيحا سوى أنشودة الله غناها فجنّ لها الورى

الشام شام الدنيا على خدّ الزمن ، ودرة الشرق، وعبق التاريخ، وحضارة متجددة، شامخة كقاسيون، بهية ومعطاءة كبردى، متألقة ونجمك لا يعرف الأفول، دمشق المجد والعطر والعشق الأبدي اختزل كلماتنا عنها الشاعر سعيد عقل بقوله:

قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب شآم ما المجد؟ أنت المجد لم يغب.

ترنو العيون دمشق وترفع الأيادي إلى السماء مناجية الإله ليعود لهذه المدينة سكانها وأهلها الطيبون بعد ما شهدته في السنوات الأخيرة من أحداث مأساوية هُجّر من خلالها أغلب شعبها، أبعدوا عنها قصرا وتهجيرا ولكنّ عاشقي الياسمين في انتظار معجزة إلهية تعيد الأرض لأصحابها الحقيقيين.

مصدر فيس بوك hkmatmklalatie المرسال
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل