مؤشرات ميدانية وسياسية حول قرب انهيار المشروع الفارسي

هل انكسر المشروع اﻹيراني فوق اﻷرض السورية رغم انتصار حليفها بشار اﻷسد ميدانياً؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

بلغ المشروع اﻹيراني ذروة انتصاره في العام 2016، الهلال اكتمل ميدانياً وصار بدراً تجلّى صعوده في سماء المنطقة واضحاً عقب هزيمة تنظيم الدولة «داعش» في العراق عام 2017، لتكتمل الصورة مع إحكام سيطرة قوات النظام السوري على حلب.

بعيداً عن الموقف المسبق من مشروع الدولة اﻹيرانية التوسعي في المنطقة العربية تحت العباءة الطائفية؛ من السهل التكهّن باﻹجابة عن سؤال: «ثم ماذا بعد، وإلى أين؟».

وجهة الحدث ومن خلال تتبع المشهد الداخلي في إيران مع بعض العوامل والمؤشرات الخارجية؛ تتشكل قناعة كاملة تحدد النتائج التي ﻻ شك أنها تتماشى تدريجياً مع بداية ظهور اضطرابات داخل تنظيم أو مشروع الهلال الشيعي.

التنقل جغرافياً في حدود سيطرة الدولة الفارسية الجديدة بدايةً من عراق ما بعد الرئيس صدام حسين يلاحظ تصاعد حدة الغضب الشعبي من أداء الحكومة ذات التركيبة «الشيعية» المرتبطة في ولائها لحكومة إيران.

توحي التظاهرات جنوب العراق بأنّ موجة غاضبة تعصف بالسلطة، أمام عجز حكومة طهران عن تلبية متطلبات المحافظة الجديدة، (العراق)، والتي لم تعلن رسمياً عن ضمها.

عملياً؛ تبدو إيران غير قادرة على استئناف تزويد العراق بالكهرباء، وإن كان هذا في المرحلة الحالية ﻻ يعني فقدان موطئ قدمها ونفوذها هناك؛ إنّما يشير إلى اهتزاز مكانتها.

الفشل اﻻقتصادي الداخلي لحكومة طهران، بعد انهيار العملة الإيرانية انعكس سريعاً على مدى ثقة المودعين العراقيين في المصارف اﻹيرانية؛ فالنظام المصرفي المتأثر بالعقوبات اﻷمريكية والحرب مؤخراً في سوريا واليمن لم يعد قادراً على إجابة المودعين الشيعة-العراقيين تحديداً-حول مصير إيداعاتهم التي فقدوها أو تكاد تُفْقَد.

بالمقابل؛ لا يمكن -مؤقتاً-القول بفقد حكومة طهران تفردها بالعلاقة مع حكومة بغداد؛ إنما تسير اﻷمور باتجاه تواصل فقدان الثقة والمسألة مرشحة لمزيد من التدهور.

تختلف الحالة السورية-اﻹيرانية؛ فملف الحرب مازال مفتوحاً، وإن بقي الشمال على وضعه إلى حين، غير أنّ الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى تصدر روسيا للمشهد.

موسكو تبدو متفردة سياسياً بالمشهد السوري، فهي التي فاوضت تل أبيب قبل معركة درعا، وبدا واضحاً نفوذها الذي انتهى إلى صفقة أبعدت الميليشيات اﻹيرانية عن حدود إسرائيل مسافة تصل إلى مئة كيلومتر.

حركة روسيا السياسية واضحة أيضاً في كل تفاصيل الملف السوري ممسكةً بخيوطه كاملةً؛ ويمكن قراءة ذلك في مفاوضاتها مع الكورد وحكومة أنقرة، كذلك تعهداتها القديمة بضبط النظام السوري.

موسكو متمسكة بدورها ونفوذها في سورية، ولديها مصلحة في إبعاد طهران عسكرياً، لكنها ﻻ تمانع من وجودها الثقافي وتمددها في هذا الصعيد، ولعل هذا مؤشرٌ كافٍ للحديث عن اهتزاز المكانة اﻹيرانية داخل اﻷراضي السورية، وأنّ ما يجري جاء على حسابها فهي مديونة وليست دائنة رغم تقديمها الجنرالات والعسكر ميدانياً، ومن المؤكد أنّ الشارع الإيراني على يقين بأنّ دماء قتلاه ستجف عند تلك المعادلة الخاسرة التي فرضت.

عملياً؛ تمثل روسيا حلقة الوصل والمدافع عن إيران أمام الكيان الصهيوني، والوﻻيات المتحدة الأمريكية فهي تمثل الضامن لها.

موسكو الحلقة اﻷقوى في اللعبة السياسية السورية مستقبلاً، والقادرة على ضبط المشهد وإملاء شروطها حتى على حليفتها طهران؛ لاعتبارات كثيرة، من بينها؛ رغبة الحكومة اﻹيرانية في اﻹبقاء على علاقة مع طرفٍ يحميها من الطيش اﻷمريكي، والجموح اﻹسرائيلي المعادي والمتصادم مع المشروع الفارسي.

المشهدين السابقين ﻻ يمكن إنزالهما على الحالة اللبنانية؛ باعتبار أن أداة اﻹيرانيين «حزب الله»، تبدو أكثر تماسكاً واتصالاً وعمقاً مع السياسة اﻹيرانية؛ باعبتار قيامها على البعد والولاء المذهبي.

عمق العلاقة التي تجمع «حزب الله» مع حكومة طهران بأبعادها الطائفية، وتماسك شعبية الحزب بعد ظهوره منتصراً عسكرياً وترويجه لتفوقه على “المؤامرة ضد حليفه السوري” أكسبه فرصة البقاء، مع ملاحظة ترهل خطاب معارضيه الذين اعتمدوا وارتكزوا في عدائهم له على الدعوة المذهبية؛ في حين اكتسب الحزب حضوره بادعاء المقاومة والثبات على الموقف، فضلاً عن خطابه السياسي القوي في اﻻنتخابات اﻷخيرة.

لكن ما سبق ليس مؤشراً على قوة «حزب الله»، الذي انغمس في العملية السياسية الداخلية حتى بات المتفرد بالحصة المذهبية على حساب حلفائه وشركائه. والمحتكر للقوة الشيعية في لبنان، أمّا حالة التململ من سياساته داخلياً فهي مقدمة ناعمة لانتفاضة بعيدة تُلوِحُ بيدها؛ سيكون مصدرها العلاقة الشاذة مع طهران ومشروعها كبديل عن مشروع وطني لبناني صافٍ.

التصدع في “القمر الفارسي” توازيه باﻷهمية حالة الوهن داخل إيران نفسها؛ فالتظاهرات الشعبية ﻻ تزال مستمرة؛ ومتزايدة مع مؤشرات التدهور الاقتصادي وتراجع قيمة العملة إلى مستويات غير مسبوقة.

مشروع الهلال الفارسي باتت معالم انتكاسته شبه واضحة؛ قد يشهد انتعاشة في الفترة المقبلة؛ فالهدف من حالة إضعافه إقليمياً ودولياً ليست إﻻ من باب تقليم اﻷظافر.

حتى بات لدى الشارع العربي قناعة بأنّ الدور اﻹيراني إقليمياً يتلخّص في زرع الاضطرابات كما شاهدنا في البحرين سابقاً، ومؤخراً الدعم المعلن للحوثيين في اليمن، والتورط في الدم السوري، وصوﻻً إلى محاولة اختراق السعودية.

سياسياً؛ لم تفقد طهران حاضنتها الشعبية كمركز ثقة يستقطب إليه المكوّن الشيعي في المنطقة العربية، لكن الضبابية حول مصير النظام اﻹيراني بأبعادها العقدية اهتزت إلى حدٍّ ما.

التصدع الداخلي اﻹيراني من الطبيعي أن يؤدي إلى هزة تخلخل دورها في المنطقة، لكن؛ لكل زلزالٍ موجةٌ ارتدادية، من المتوقع ألا تنجو من تبعاتها المجتمعات القريبة، وفي مقدمتها الدول المنضوية تحت العباءة الفارسية “منظومة الهلال اﻹيراني”.

من المبكر التهليل لمشهد انهيار نظام إيران؛ فما قبله سيعني دخول حرب بطابع مذهبي للتخلص من بقايا الدولة الثيوقراطية، وإحلال دولة مدنية بديلاً عنها.

إيران مشروع فزاعة لن ينهار حتى يحقق أهدافه، تلعب دور اللص المراوغ، ليتمكن راعي البقر اﻷمريكي من تقمص شخصية رجل الكوبوي الهوليودية بالشفة المتدلية والعنجهية المعروفة.

السياسة الخارجية اﻷمريكية تجاه نظام إيران مختلة، تميل إلى عقابها والحدِّ من نفوذها، هذا واضح من خلال الجمع بين معظم تصريحات الرئيس اﻷمريكي، دونالد ترامب، الذي لم يكن أفضل حالاً ممن سبقوه في استخدام طهران فزاعةً ترهب بها دول المنطقة-الخليج النفطي حصراً-، بهدف استنزافهم مالياً تحت مسمى حمايتهم من الخطر الفارسي التوسعي.

ارتدادات الحالة السورية والتدخل اﻹيراني المباشر عسكرياً ولوجستياً في دول المنطقة انعكس على المشهد الداخلي، فإمّا أن تخرج حكومة طهران قوية بعلاج أسباب المشكلة، وإمّا قمع الشارع الذي سينتظر مجدداً فرصة اﻻنقضاض.

التورط اﻹيراني في الملف السوري مباشرةً وعودتها إلى التمدد الثقافي والتغلغل في المجتمع بذات اﻷسلوب القديم إحدى دلائل هزيمة مؤقتة للمشروع الفارسي.

دولياً؛ يوجد على ما يبدو رغبة في تحجيم وتقزيم الدور اﻹيراني، ﻻ إنهاءً لنظامه، وهذا ما يزال بعيداً عن الطموح اﻹسرائيلي، لكن ما يجري في سورية والضمان الروسي ربما يغير من موقف تل أبيب.

مصدر حفريات بي بي سي
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل