التزوير.. سلاح الغربان.. حقائق ومشاهدات

الأيام السورية| خالد المحمد

لم يخطر ببال أحدهم أنه سيأتي نهار ويصبح معلماً ،  فهو أصلاً دائم الاستهزاء بالمعلمين ، فالمعلم بات في المجتمع الأسدي من أقل الطبقات احتراماً ومكانة ، وحتى بعد الثورة لم تتغير هذه المكانة كثيراً ، فأي مسلح يحمل قطعة حديد عمياء يفتي ويقضي وبإمكانه إخراس العلم كله وليس المعلم فقط .

نحن هنا لا نخط رواية ولا نكتب نصاً أدبياً ولا لوحة نقدية نحن هنا نصف مشهداً من حال سوريا المزورة … سوريا الأسد النسخة المزيفة عن سوريا العظيمة .

سوريا ضحية التزوير :

تروي السطور والشاهدون عن سوريا ما قبل البعث ، في ذكريات لا تنسى عن رئيس منتخب وبرلمان يمثل الشعب ويحاسَبون عند الخطأ ، بعيدين عن أي منطق طائفي أو إقليمي …

تحكي عن دمشق التي عاشت في الخمسينات /18/ جريدة يومية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، تحكي ما تريد وتنتقد من وجب عليه الانتقاد .

عن جامعة دمشق التي كانت أهم الجامعات في الشرق ، التي خرّجت أهم الأطباء والمحامين والأدباء والمثقفين .

أما سوريا على يد المزوّر الأول حافظ الأسد انتقلت من مرحلة النمو التي نافست فيه دولاً أوربية ، إلى سيطرة طائفية وتقديس الشخص وإنجازات فارغة تحت مسمى إنجازات الحركة التصحيحية التي صدعت طلائع البعث رأس طفولتنا بها .

عدا عن تزوير تاريخ سوريا وثقافتها وتزوير الشخصية السورية الواعية الملتزمة المثقفة إلى الشخصية الوصولية الانهزامية الفاسدة …

وكذا كانت صنعة التزوير هي التاج الذهبي الذي زين فيه آل الأسد حكمهم وزينوا للناس صنائعهم ، ولازالوا مستمرين بتزوير الحقائق وتزوير الثورة ورجالها وتزوير حتى الأنفاس التي نتنفسها .

أبناء الأسد يملؤون الأفق :

ككل الدجالين والمدعين عبر التاريخ ، كان لهم تلامذة ومريدين يحملون فكرهم ويؤيدون رسالتهم ، ويخلصون لهم إخلاص الابن البار لأبيه  ، كذلك آل البعث وآل أسد وبعد أكثر من أربعين عاماً من التربية البعثية والزور الأخلاقي  ورث عنه ملايين الأبناء فكره وحملوه معهم أينما حلوا …

وكان لتركيا نصيب ربما الأكبر منهم … تركيا التي يومياً نسمع ونجلس فيها مع شبيحة متسترين ، زوّروا كلامهم وأبقوا أفعالهم .

وتعدى موضوع التزوير … تزوير المواقف وتزوير مظاهر الدين ، فانتشر موضوع الأوراق المزورة في حياة السوريين ضمن المناطق المحررة ودول الجوار بشكل كبير ، وهنا نتناول التزوير في موضوع التعليم والشهادات كونه الأكثر والأخطر بين مجالات التزوير المنتشرة .

مدارس من ورق :

وكان للسوريين في تركيا نصيب الملك من هذه الجريمة حيث ارتبطت بشكل رئيسي بموضوع المدارس السورية فيها التي بدأت بمبادرات شخصية لبعض المدرسين والناشطين بافتتاح مدارس للطلاب السوريين اللاجئين هذه المدارس التي رفض الكثير من المعلمين التدريس فيها بسبب عدم وجود مردود مادي .

فكان أن تطوع فيها عدد من المعلمين النازحين ، إضافة إلى بعض الطلاب الجامعيين ممن لم ينهوا دراستهم الجامعية إلى جانبهم خريجون من خارج الاختصاصات التربوية كالحقوقيين والمهندسين وغيرهم .

وبعد أن تكفلت اليونسيف برواتب لهذه المدارس وصلت إلى 400 دولار ، تسارع القاصي والداني حتى ممن لا يجيد القراءة والكتابة / ولانبالغ هنا / بتزوير شهادات جامعية والتقدم إلى التدريس في هذه المدارس بل إن بعض المدارس قامت وافتتحت بشهادات مزورة بشكل كامل تقريباً ، دون مراعاة لخطورة هذا على العملية التعليمية لأطفالنا أو مراعاة لحرمة جريمة التزوير حتى لأستطيع القول بأن الشهادات المزورة وصلت إلى 60% وسطياً بين المعلمين القائمين على رأس عملهم الأن .

 

مشاهدات من الواقع :

  • تزوير أغلب الشهادات يتم على الأراضي التركية وبشكل علني / مدينة الريحانية من أشهر بؤر التزوير / .
  • التزوير بمعظمه ضمن اختصاص معلم صف فهو الأسهل كما يصفه المزورون باعتباره للمرحلة الابتدائية ويقتصر على تعليم الحروف وقراءة الجمل البسيطة ولا تحتاج لعلم كالرياضيات واللغة العربية والعلوم … أما من وجهة النظر التربوية والتعليمية تُعتبر هذه المرحلة هي الأخطر كونها المرحلة التي يؤسس فيها الطالب القراءة والكتابة ، حتى بتنا نجد كثيراً من طلابنا يصلون للصف الرابع والخامس ولا يجيدون قراءة أبسط الكلمات .
  • هذه الجريمة تمت بتغاضي الأتراك عنها ، فمكاتب التزوير تعمل بشكل علني على أراضيها دون حساب ، حتى أنها تنشر الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي ، ونصف المقيمين في تركيا يحمل في هاتفه أرقام هذه المكاتب ” للضرورة ” … فهذه المكاتب تعمل دون أي محاسبة رغم مخالفتها للقانون … عدا أن كثيراً من المعلمين المزورين تعينوا في المدارس السورية بدعم وواسطة من المشرفين الأتراك أنفسهم وهم على علم ودراية مسبقة بشهاداتهم المزيفة .
  • المجاهرة والمباهاة بهذه الجريمة ، فنرى المزورين يجاهرون بتزويرهم دون وازع من حياء أو دين ونسوق قصة كمثال من بين مئات القصص ” عن مستخدم في أحد المدارس منذ ثلاث سنوات انتهى العام الدراسي وهو مستخدم ليتفاجأ الطلاب والمعلمون في العام الدراسي التالي بأنه في منصب موجه / طبعاً زوّر شهادة جامعية وأصبح إداري في المدرسة / دون أن يكلف نفسه من باب الحياء على الأقل أن يغير المدرسة أو المدينة ….
  • للمزورين الفضل الأول والأكبر بالإساءة لصورة السوريين وتشويهها أمام الأتراك حكومة وشعباً .
  • انتقال هذه الظاهرة إلى الجيل الصاعد ، فبات كثيرون يزورون شهادات ثانوية أو ما يعادلها للقبول في الجامعات التركية ، وكان آخرها اكتشاف جامعة غازي عنتاب التركية لعدد من الطلاب السوريين المزورين وفصلهم من القبول في الجامعة ،ونشرت أسماءهم على موقعها الرسمي ، وكانت الطامة الكبرى أن بعضهم كان قبولهم كلية الطب وما يعنيه ذلك من أرواح المرضى مستقبلاً.
  • وهذا يدل على انعكاس هذه الظاهرة بين الجيل الصاعد فيما يمثل إحياء وتوارثاً لفكر الأسد وتربيته … فعندما يرى الطالب معلمه مزوراً كاذباً مجاهراً بذلك … بالمحصلة سيكون الطالب غشاشاً ومزوراً .
  • امتداد هذا الموضوع لموضوع الشهادات العليا أيضاً فصارت هناك ماجستير مزور ودكتوراه مزيفة .
  • حصول نسبة من المزورين على الترشح للجنسية ، وتقديم أوراقهم لنيلها ، ولا ندري كيف نامت أعين الحكومة التركية عن ذلك التي لا يتهاون قانونها بموضوع التزوير .
  • عزوف الغالبية عن الحديث عن موضوع التزوير والمطالبة بالصمت عن هذا الموضوع بحجة أن ذلك يسيء للمعلمين والسوريين … طبعاً الأتراك يعرفون موضوع التزوير وسكوتنا لن يحسن شيئاً … ثم متى كان الحق يسيء لأحد أو خطأ يجب عدم الوقوع فيه .

تأصيل شرعي :

رابطة العلماء السوريين وعبر موقعها الرسمي بينت الحكم الشرعي لموضوع التزوير قائلة

” إنهم الغشاشون إنهم المزورون إنهم مثل الحدباء يتلونون حسب الحاجة ويزورون حسب المصلحة، جعلوا التزوير طريقهم لكل وظيفة وعمل، قلبوا الحقائق بالتزوير

عُمْيٌ بَصَائِـرُهُمْ طُمْــسٌ مَشَـاعِرُهُمْ كَأَنَّهُمْ فِي مَرَاعِي وَهْمِهِمْ غَنَـم

واعلموا يا أيها الناس: أن الزور والتزوير من أخلاق الساقطين، وصفات المنافقين، فقال الله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور} [الحج: 30]

فقرن الله الزور والتزوير بالشرك به،  لأن الشرك كذب على الخالق ، والتزوير كذب على المخلوق .

عَنْ أَبِي بكرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا، فجلس فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) صحيح مسلم

…. بالمحصلة

يكفي المزورين أنهم ارتكبوا أكبر الكبائر عمداً وبإصرار وأكلوا الحرام بكل ما قبضوه وحرموا أصحاب الحق من حقهم … وكانوا جنداً لفكر البعث وآل الأسد وكانوا سيفاً بين الأحرار وكانوا براميلاً أخرى للأسد على مستقبل  الأطفال الذين هربوا من براميل طائراته .

 

 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل