أيقونات مغيّبة ومدوّنة مفقودة “عهد سوريا”

الأيام السورية؛ علياء الأمل

أبحث عن فتياتنا المعتقلات بين أسطر الضمير وفي قلوب الصادقين وفي عقول المتعلمين والمثقفين، أبحث عنهن في القلوب الناصعة والعقول الراشدة، وإن أصابني اليأس أبحث بين أوراق عفنة وأجواف مسودة وعقول مغيبة، وأتوسل لبشر غابت إنسانيتهم، نريد فكراً مستقلاً عن السياسة التي تلحق فينا الضرّ والألم مثلنا في ذلك مثل آسية امرأة فرعون التي استقلت سياسياً عن فرعون وسياسته، وطلبت من الإله النجاة من أعماله، ” وضرب لنا مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين”.

الأيقونة المغيبة طل الملوحي:

في غمرة الأحداث المأساوية تحضرنا قضية المعتقلات فكثيرة هي أسماء المعتقلات اللواتي عانين ظلم الاعتقال نذكر منهن طل الملوحي؛ التي اعتقلت عدة مرات من عام 2006  إلى عام 27ديسمبر 2009م؛ لأنها نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي عدة مدونات تطالب عبرها بالإصلاح والانتقال إلى الديمقراطية في سوريا، ثم صدر بحقها حكماً في 14 فبراير/شباط عام 2011 حيث حكمت عليها  محكمة أمن الدولة الدستورية بالسجن خمس سنوات بتهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ليحكم بالسجن على الطفلة الحمصية طل الملوحي مدة خمس سنوات، طل التي غيبوا سقيها لئلا تكون سقيا أبدياً، لتغيب عهد سوريا في سجون الأسد ويتناساها العالم بأسره لثمان سنوات متتاليات، ما ذنبها حتى لا تنعم بفكرها الحر وجريان نهر حبها لكل السوريات، لتنال الوأد بسجونهم دون ذنب يذكر كعادة أهل الجاهلية التي تئد الفتاة تحت التراب، وأدتها مخابرات الأسد لمّا اعتقلتها على خلفية ما نسب لها من نشرها لمدونات ذات خلفية سياسية على الإنترنت. ومن أجمل مدوناتها قولها:

وأنت يا دمي العربي

يا نجمة بيني وبينك

تضيء القدس من لحمي ودمي

من محيطي إلى خليجي

من قبل أن يسلمنا الأهل

إلى الغزاة..

إلى ملوك تربعوا على نعشي

والمعزون سبايا

من ذلك الزمن الهش

يا قدس..

طل أصغر سجينة رأي في العالم، لكن ماذا عن بقية المعتقلات السوريات المثقفات اللواتي حظين بمستوى علمي عالي  ونوع خاص بهنّ، فمن ينسى أستاذة الفيزياء “فاتن رجب” التي أقدم النظام على حقنها بمادة كيماوية مجهولة التركيب تؤدي إلى تشنجات وضعف في الذاكرة.

من ذاكرة المعتقلات السوريات براءة عرار:

المعتقلة سابقاً: براءة عرار – مصدر الصورة؛ a.a.com.tr

ومن ينسى العاملة في مجال الإرشاد النفسي “براءة عرار” صاحبة ال 24 عاماً؛ معتقلة سورية سابقة، وقد تمّ اعتقالها عام 2016م بتهم “تمويل أعمال إرهابية” مع ابنتها بعمر الأربعة أشهر والتي تمكن أهلها من إخراج الصغيرة فقط من المعتقل. لخّصت معاناتها بقولها: “تعرضت لأعنف عمليات التعذيب خلال تنقلي  بين السجون والأفرع الأمنية من بينها الصعق بالكهرباء والشبح فضلاً عن الإهانات”.

وتتابع تأثرت كثيراً بمعاناة الأطفال المعتقلين مع أمهاتهم الأمر الذي دفعني لأنشط في مجال الدعم النفسي للأطفال أثناء السجن وبعد خروجي منه.

المؤسف بالأمر أنّ براءة عرار بعد أن خرجت من السجن الذي أمضت فيه سنة وسبعة أشهر هنّ الأصعب في حياتها، كانت ضحية نظام الأسد وضحية زوجها الذي انفصل عنها بعد خروجها من السجن وحرمانها من طفلتها أيضاً.

ومن ينسى أصغر معتقل سوري؛ الطفل عمر سلامة من محافظة دير الزور دخل المعتقل مع أمه وعمره ثلاثة أشهر وبقي في المعتقل مدة 28 شهراً.

حدّث ولا حرج في دولة يسودها قانون اللاإنسانية فكم سمعنا عن حكايات داخل المعتقلات السورية من تعذيب بالجلد والصعق والاعتداء الجنسي كالتحرش أو الاغتصاب وهي وسيلتهم لكبح آمالهن وخدش حيائهن بمشاهدة أشياء مقززة، ناهيك عن جعلهن يسمعن ويشاهدن أصوات تعذيب الشباب في العنابر المجاورة لهنّ.

نضيف للذاكرة أيضاً المعتقلة الملقبة ب ” الزهرة الفتاة ” عمرها 26 عاماً دخلت المعتقلات ثلاث مرات بتهمة محاربة النظام ثم يطلق سراحها لعدم وجود أدلة لإدانتها، تقول: “كنا نشعر بأنهم في أي وقت سيفتحون علينا الأبواب ويغتصبوننا، وفي كل مرة نعتقل فيها كانوا يتحرشون بنا”.

أين إعلامنا من معاناتهن ما بين شبح وتعذيب وقتل واغتصاب، مآسٍ يندى لها جبين الإنسانية وتبكي القلوب الحزينة التي اسودت وازدادت ألماً بسبب اتساع تقرح جروح السوريين دون أن تندمل أو تعقّم بلمسة إنسانية، مآس طالت الضعفاء من نساء وأطفال صغار فقد أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بمناسبة يوم الطفل العالمي تقريرها السنوي الخاص بتوثيق الانتهاكات بحق الأطفال منذ آذار 2011م حتى 20 تشرين الثاني 2017م مقتل مالا يقل عن 26446 طفلاً في سوريا، كما أشار التقرير إلى أنّ سوريا تقع في صدارة دول العالم على صعيد الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال، وقد بلغ عدد الأطفال الذين مروا بتجربة الاعتقال على يد النظام السوري ما لا يقل عن120070 طفلاً، وأنّ معظم حالات الاعتقال المسجلة ترقى إلى مرتبة الاختفاء القسري.

المعتقلة فاتن رجب – مصدر الصورة: Alkaramo Founda..

إحصائيات المعتقلات حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان:

ويعد نهج النظام في المعتقلات انتهاكاً للأعراف والقوانين الأخلاقية للبشرية جمعاء؛ التي تنصّ على تحييد النساء والأطفال عن الصراعات، وأعظم تللك القوانين هي الإلهية حتى أنّ نبي الرحمة قال: ” ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم” لكن أعداد المعتقلات في سوريا تدل على ابتعاد الرحمة عن نظام الأسد لأنّ عدد المعتقلات السوريات يبلغ 8614 معتقلة، بينهن نحو 610طفلات صغيرات حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

كيف تنام عيوننا وفتياتنا المعتقلات مغيبات، بسبب أناس تفننوا بقتل الورود واغتيالات الزهور، وكيف تهفو عيون البشرية والنساء قابعات في المعتقلات، ألم يكتفِ العالم وأداً لحريتنا، لكلمتنا، وأداً للرحمة والعقل والديمقراطيات، نريد نساءنا المثقفات المغيبات، نريد الحرائر وسيدات العالم المناضلات لعيش الكرامة، نريد أمهاتنا وكاتباتنا وطبيباتنا وسيداتنا، نريد حياة وردية لأحلام  الحرية والمساواة.

لم تطل مأساة عهد التميمي بل نالت حريتها، أما معتقلاتنا السوريات ما زلن قابعات في زنازين النظام، ولم نسمع حتى الآن باقتراب الفرج لهن وسط عالم مليء بالمتاهات ، يغيب ملف المعتقلين ويتجاهله المجتمع الدولي وسط أضحوكة الحل السياسي والسلمي في سوريا، مبارك لعهد حريتها ولكن ماذا عن عهود سوريات لا يعلم بهن أحد، وكم من مدونة تنال بما لا تحسد عليه من غضب الطغاة وحقدهم. لنرفع صوت جميع الإعلاميين في كل بقاع العالم: الحرية لجميع المعتقلين والمعتقلات، الحرية لمعتقلي الرأي السياسيين في العالم الرحب الذي ضاق ذرعا بمعاناتنا، ولنعزف جميعا إعلاميين وصحفيين وكتاب وموسيقيين أيقونة المرأة السورية المعتقلة والمغيبة في سجون العهر وزنازين الطغاة علّ شدونا الحزين يلقى آذاناً صاغيةً رغم الصمم العالمي المخيم على الآذان.

 

مصادر أخرى:

ساسة بوست ارفع صوتكاليوم السابع

مصدر رووداو زمان الوصل الدرر الشامية
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل