إبراهيم برغود قصّة الفن والقضية

“أريد أن أكون صادقاً مع نفسي وأن أعبر عن أشياء حقيقية بصورة تماثل خشونة حياتي وجفافها ” الفنان الهولندي فان جوخ.

إعداد: عبد الكريم عبدالكريم ـ أحمد عليان
إبراهيم برغود

من ريف حلب الشمالي وتحديداً بلدة “كفر حمرة”، كانت أولى خربشات الفنان التشكيلي “ابراهيم برغود”، متأثّراً بطبيعة بلدته البسيطة وربّما بجيناتٍ وراثيةٍ منحته موهبة الرسم.

وعلى الرغم من أنَّ “الرسم ما بطعمي خبز“، كما قال له والده وقتذاك، غير أنَّ الطفل ابراهيم ظلَّ يرسم القباب الطينية في بلدته، ويزرع ورقه الأبيض ببيادر قمحِ كفر حمرة، إلى أن أصبح أوّل فنانٍ سوري يحضر أهمّ مهرجانٍ فني في العالم.

اليوم يقيم الفنان السوري في منفاه الاختياري النمسا، ومنه يحارب بالريشة والألوان على حدّ تعبيره، الاستبداد والظلم، وينتصر للإنسانية جمعاء، مستثمراً منفاه المتحضّر في شرح ما يجري في سورية، ملتزماً قضيّة شعبه العادلة.

البداية كانت عندما فاز الطفل ابراهيم بالجائزة الأولى على جميع أقرانه في مسابقة الرسم، حيث رسم الريف الحلبي، قباباً طينيةً، وبئرَ ماءٍ، وبيادر، قبل أن يلوّنها بألوان الباستيل.

الجائزة حفّزت الطفل لتطوير نفسه، ليقرّر: ما دام البيدر يحبل بالقمح، سأظلُّ أرسم.

انتقل الشاب ابراهيم إلى المرحلة الثانوية، ليكمل دراسته فكانت مدينة حلب ترحب به باعتبار المدارس الثانوية لم تفتتح بعد في بلدته، وحلب برأي الفنان ابراهيم، حاضرة الفن والعلم والثقافة.

“ركّزتُ في تلك الفترة على رسم البورتريه”، يقول السيّد ابراهيم، بعد أن مكّنه وجوده في حلب من متابعة الصحف والمجلات التي تنشر بطبيعة الحال رسومات لفنانين مشهورين، وبالتالي تكوّن لديه حافز الاستمرار وتُغني معرفته.

إبراهيم برغود في منزله في ريف حلب

العام 1987، كان ابراهيم يحاول إقناع والده بأن يسمح له بالتوجّه نحو كلية الفنون الجميلة في دمشق، غيرَ أنَّ الوالد عارض هذا الطرح، فلم يكن أمام ابراهيم سوى مركز الفنون التشكيلية في حلب.

تتلمذ الشاب العشريني حينها فنياً على يد فنانين كبار، وزاده معرفةً اطّلاعه على أعمال أهم فناني المدينة أمثال: لؤي كيالي وفاتح مدرس ومحمد قباوي ووحيد اسطنبولي، ليدخل مرحلةً جديدةً وعمراً فنّياً متقدّماً، مستفيداً من البيئة الحلبية الحاضنة أصلاً، كونها مدينة، للفن بكل أشكاله.

عرض اللوحات في حضرة التكتلات

“دائماً يفرض الإنسان نفسه على العمل، الأمر يتعلّق بمدى إتقانك لما تقدّمه”، بهذه الكلمات أجاب “برغود” على سؤالنا له: كيف صرتَ عضواً في نقابة الفنانين؟، كان ذلك قبل أن يسرد قصّة قبوله عضواً في النقابة ذاتها، إذ كان يرسم وحده بعيداً عن “الشلليّة” (التكتلات)، حتّى شارك في التسعينيات بـ “معرض الربيع”، بعد أن قبلت النقابة مشاركته بلوحة تحمل اسم “فتاة الربيع” التي أتاحت له العضوية في النقابة.

لوحة فتاة الربيع

كثيرون عارضوا دخوله النقابة، كما قال، لكنّه لم يهتم بالهجمة “الشعواء”، كما أسماها، التي شنّها البعض ضدّه لأسبابٍ من بينها أنّه ليس خريج كلية الفنون الجميلة، “هذا عملي وهذه أعمالكم وبيني وبينكم الجمهور“، قال ابراهيم لمهاجميه.

تلك الفترة كانت بداية ولوجه عالم الفن من خلال المشاركة بلوحاته في المعارض التي كانت تقام في كلّ المدن السورية، إضافةً إلى مشاركته بأحد المعارض الدولية في العاصمة الإسبانية مدريد في العام 2010، تلا ذلك تدريسه الرسم والخط في معهد “الثقافة الشعبية” في حلب، ومركز الفنون التشكيلية الذي كان قبل سنين طالباً على مقاعده.

في سورية فعلاً الفن ما بطعمي خبز

بعد أكثر من 40 عاماً على قول والده له: “الرسم ما بطعمي خبز”، أعاد السيد ابراهيم وهو على أبواب الخمسين من عمره قول والده: الفن ما بطعمي خبز، مستأنفاً ومشدّداً: طبعاً في سورية.

يقول الأديب السوري زكريا تامر: “ساذجٌ من يظن أنَّ الراحة المادية للكاتب تغريه بالتكاسل، فالكاتب مخلوقٌ من لحمٍ ودم، ويحقُّ له ما يحقُّ لغيره من الكائنات البشرية، أمّا الأوهام الزاعمة بأنّ الفقر ينمّي الموهبة ويصقلها، وأنّ الشقاء يشجّع على الإبداع والابتكار، فهي أوهام لا يليق بها إلا الدفن”.

ولأنَّ متطلّبات الحياة لا تلبّيها اللوحات الفنية، ولأنّ الإنسان لا يستطيع القتال على جبهتين الأولى: خلق لوحةٍ، والثانية تأمين قوت أبنائه وأجرة بيته، كان خيار ابراهيم أن يولّي وجهه نحو عملٍ آخر، فكان “الديكور” محطّته الثانية.

“الديكور وإن كان بلا ريشة، إلّا أنّه جزءٌ من الفن“، يقول ابراهيم الذي توقّف عن رسم اللوحة منشغلاً بفنّه الجديد، وكما نجح في رسم اللوحة نجح، كما يعتقد، في الديكور.

خلال تلك الفترة أنجز ابراهيم “مشروع تأهيل من باب توما لباب شرقي في دمشق، ومشروع ترميم سور المدينة القديمة، “كان عملاً مهمّاً بالنسبة لي وللدمشقيين”، يضيف: عملت في معلولا والقنيطرة وأغلب المحافظات السورية.

اعتبرَ ابراهيم هذه الفترة استراحة، ومهلة لجمع ذخيرةٍ (مال) تعينه على الصمود في وجه الحياة مستقبلاً حين ينوي التفرّغ للرسم.

استكمال الحلم

الحلم يبقى يحفّز صاحبه بل يحرّضه على تحقيقه، مهما تطاول بهما الزمن، بهذا آمن ابراهيم الأربعيني رغم أنّه يبدو حالةً غير مألوفة في كلية الفنون الجميلة في جامعة حلب، إذ أنّه بعمر بعض أساتذته، وبعمر آباء طلابٍ ربّما ينادونه: زميل!

هذا لم يكن عائقاً أمام إبراهيم الطالب الجديد في الكلية الحلم، والعضو في نقابة الفنانين أيضاً.

يقول: “حقّقت حلمي بالدخول إلى كلية الفنون الجميلة بعد أن افتتحت في مدينة حلب، لكنّه أيضاً لم يكتمل”.

قيامة الثورة السورية في مارس/ آذار من العام 2011 حالت دون إكمال ابراهيم حلمه، لكنّه هذه المرّة غير متأسّفٍ كما تأسّف فيما مضى.

التاريخ يحفظ المواقف على اختلاف تموضع أبطاله من القضايا، فما زالت قصّة السيمفونية الثالثة محفورةً في كتب التاريخ، تلك التي ألّفها بتهوفن وأسماها بدايةً بونابارت” ثمَّ شطب عنوانها ماسحاً أيَّ ارتباطٍ بينها وبين نابليون لابتعاده عن مبادئ الثورة الفرنسية من حرية وعدالة ومساواة بتنصيب نفسه امبراطوراً على فرنسا.

وفي هذا الباب الذي يسمّى في الفن باب الالتزام، (أي التزام الفنان بقضايا شعبه)، ذكر ابراهيم موقفاً يعود للعام 2007، عندما سأله أحد المسؤولين لماذا ترسم لوحات تعبّر عن الاضطهاد والظلم؟

أجاب: “لأنّنا كلّنا مضطهدين وأنت مضطهد”، فضحك السائل، كان ذلك في صالة الأسد في نقابة الفنون الجميلة في حلب.

في يسار الصورة الفنان إبراهيم برغود مع أحد زملائه في أحد المعارض السورية – 1989

“أنا أتبع للمدرسة التعبيرية، وكنتُ ولا أزال أعمل على القضايا الإنسانية من فقر وبؤس وظلم وحرمان والأهم حرمان العدالة”، يوصّف ابراهيم فنّه قبل الثورة، فأين تموضع فنّه عندما انطلقت؟

يقول ابراهيم: بدأت الثورة عندما كنت طالباً في كلية الفنون الجميلة، وعندما كنتُ مرشّحاً لأصبح رئيساً لاتحاد الطلبة، لكنّني ضحيت بكلّ شيء.

تنهيدةُ ابراهيم الطويلة، ذكّرتني بتنهيدة شيخٍ طاعنٍ في السن التقيته قبل عامٍ مضى وهو يعيش آخر فصول عمره في مخيّم أطمة على الحدود مع تركيا.

يتبع إبراهيم تنهيدته بقوله:

كنتُ شاهداً على تعامل الأمن مع التظاهرات الطلابية في جامعة حلب وسكنها الطلابي، كما كنتُ شاهداً على قيام طلابٍ موالين برمي زميلهم المتظاهر ربّما من الدور الرابع.

لم يكتفِ ابراهيم بالتضامن سرّاً مع الشباب الجامعي الثائر، بل شاركهم وخرج معهم متظاهراً في شارع النيل، ومناطق: الكلّاسة وبستان القصر وصلاح الدين.

استمرَّ على هذا الحال إلى أن أصبح في وضعٍ خطر، يضيف: “مثلي مثل الكثير الكثير من طلاب الجامعة والأطباء والمدرسين والمهندسين، عشنا القلق بمعناه الحقيقي نتيجة الاضطهاد والتضييق، حتى على أنفاسنا”.

مظاهرات طلاب جامعة حلب-الاتحاد برس

الخروج من سورية

هاجر إبراهيم الذي أصبح هدفاً، على حدّ قوله، للأمن والمخابرات إلى تركيا بدايةً بتاريخ 20 أكتوبر 2012، ومنها إلى أوروبا، فكانت النمسا ترحّب به، فناناً يحمل ما تيسّر من ثيابه وريشته، وكثيراً من الأفكار.

في منفاه وجد ابراهيم نفسه مسؤولاً لا عن عائلته وحسب، بل عن نقل رسالته إلى العالم، رسالته التي تجسّدت بلوحاتٍ تخبر الأوروبيين أنَّ ثمّة معتقلات في سجون بلاده، وأنَّ القرن الواحد والعشرين لا يختلف عن العصور الوسطى، ففيه زعماءٌ يحاصرون أبناء شعبهم ويقتلونهم جوعاً، وأنَّ أسماك البحر الأبيض أكلت لحم سوريين غامروا بالعبور نحو أوروبا ليتمكّنوا من النوم دون هاجس القذيفة والنار، وأنَّ زواج القاصرات لا يزال يضرب المجتمع السوري، وغير ذلك من القضايا التي طرحها عبر لوحاته ففرضت نفسها واندمجت في المجتمع الأوروبي.

“بعض الفنانين يرسمون أشياء جمالية”، يقول ابراهيم ثمَّ يتساءل: كيف أستطيع رسم الفرح وأهلي يعانون القتل والدمار والتهجير والاغتصاب؟!

لم يفوّت ابراهيم معرضاً أو مشاركةً كان له فيها حضور إلاّ واستثمرها في إيصال رسالته، فعلاوةً عن رسوماته التي وصفها بالقاسية، كان يلقي كلمةً على الحضور يشرح لهم سبب قسوة لوحاته، وقصصها.

كل يومٍ عشاء

لوحة كل يوم عشاء

في أوروبا عبّر ابراهيم عن غضبه من مؤتمراتِ وقممِ واجتماعاتِ الدول سيّما التي تمتلك القرار وتتحكّم بمصائر الشعوب.

العشاء الأخير لوحةٌ للفنان ليوناردو دافنشي، جسّد خلالها آخر عشاءٍ جمع السيّد المسيح وتلاميذه، قبل أن يتمّ اعتقاله ومن ثمَّ صلبه، وفق الكتب المسيحية.

ابراهيم رسم لوحةً أخرى، أسماها “كل يوم عشاء”، جسّد فيها زعماء الدول العظمى والإقليمية، أراد من خلالها القول: إنّ بعد كلّ اجتماعٍ لهؤلاء بشأن سورية، نفيق على مجزرةٍ بحقّ السوريين، وعلى معتقلين جدد ولاجئين جدد ومشرّدين جدد، كلّ يومٍ ضحية، كلّ يومٍ مأساة.

“يجب أن نكون مع الثورة لا لأنّها ثورة بل لأنّها واجب إنساني، كيف لا يقف الفنان ضدّ القتلة، وكلّ من شارك في حرمان طفل من طفولته في سورية مجرم”، قال ابراهيم، واستدرك: “سأبقى أحارب بقلمي وريشتي، الحرب ليست سلاحاً، كل انسان له مهمته، أنا فنان أحارب بريشتي”.

الفن بين مجتمعين

يعيد ابراهيم ما أعاده سابقاً: الفن يحتاج إلى وضع مادي على الأقل جيد، كيف يمكن أن يبدع الفنان وهو محتار بلقمة العيش؟!

يتبعه بسؤالٍ استنكاريٍ آخر: كيف يمكن أن يلمع الفن في “سورية الأسد” وسط كلّ ذلك الاضطهاد؟!

في أوروبا صالات العرض كثيرة على عكس سورية التي تحتاج صالة العرض فيها إلى تراخيص من النظام، “ورايح جاي على الأفرع الأمنية“.

المجتمعات أيضاً تختلف، فرفضُ والد ابراهيم أن يتعلّم ابنه الرسم دليل على ذلك، فهو (الرسم) حرام، علاوةً عن الخبز الذي لا يؤمّنه، ولأجل هذا تنازل أشقاؤه الموهوبون بالرسم أيضاً عن موهبتهم مستسلمين للأمر للواقع أو للعادات بصورة أقرب، أمّا في أوروبا فالوضع مختلف تماماً، يؤكّد الفنان بعد تجربةٍ طويلة.

كثيرةٌ هي المعارض الأوروبية التي شارك فيها إبراهيم، فكان أول عرض له عام 2015 في معرض السلام في العاصمة النمساوية فيينا، ومعارض أخرى تنوّعت بين ألمانيا وهولندا ومنفاه.

العام الفائت 2017، دُعي ابراهيم لحضور مهرجان سيؤول الدولي، ليكون السوري الوحيد من بين أكثر من 130 فناناً من كلّ دول العالم، وليكون أيضاً أوّل سوري يحضر المهرجان ذاته بدعوةٍ من منظمة “الفنانون المبدعون”. رشّحته لوحاته “القاسية الصادقة” كما وصفها إلى مهرجاناتٍ عدّة نال خلالها وبعدها التكريم والاحتفاء وحقّق “جزءاً” من رسالته التي يحملها.

قال ابراهيم: تمَّ اختيار عملين من أعمالي العام الفائت لمعرض “كاتلوك فن البوستر” العالمي الذي ضمَّ 100 فنان من دول العالم، وتمّ طباعة كتالوكات صغيرة، مستدركاً: هذا بالنسبة لي أهم من الميداليات والجوائز.

ولدى سؤالنا لإبراهيم عن موهبة ابنه “غيث” الذي شارك والده في معرض سيؤول في كورية الجنوبية.. ردّ الموهبة إلى أثر الأب في ابنه، علاوةً عن كون الفن ينقل في الجينات الوراثية.

يرسم ابراهيم اليوم أمام ابنه في غرفة الصالون، فهو لا يملك كما كان في سورية مرسماً خاصاً، ومن المؤكّد أنّه لن يقول لابنه الرسم ما بطعمي خبز، وأيضاً لن يحرّمه عليه، بل سيدعمه كأستاذٍ أب وأبٍ أستاذ.

“لو لم أكن فناناً تشكيلياً لكنتُ إنساناً يدعو للسلام“، بهذه الكلمات ختم ابراهيم حواره مع جريدة الأيام، آملاً بحوارٍ آخر في مرسمه الكائن في مدينة حلب السورية.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل