الحبيب بورقيبة الشخصية الجدلية

يصفه محبوه بأنه رائد التحديث الاجتماعي في تونس، أما معارضوه فينعتونه برائد سياسة التغريب ومؤسس العلمانية التونسية.

0
الأيام السورية؛ فرات الشامي

هو “أكثر من رئيس وأكبر من عاهل بكثير، لقد جمع بين يديه دفعة واحدة سلطات الباي والمقيم العام الفرنسي”. بتلك الكلمات يصف الكاتب التونسي “الصافي سعيد”، الرئيس التونس الحبيب بورقيبة في كتابه “بورقيبة…سيرة شبه محرمة”.

ﻻ يختلف المشهد السياسي بين اﻷعوام الثلاثين (1957-1987)، زمن حكم الحبيب بورقيبة كأول رئيس لتونس عن حال اﻷمة العربية التي رسّخت قدم من اعتلى السطلة حتى الموت أو العزل اﻹجباري. بل بات واضحاً من خلال قراءة في نصوص الصحف وكلام الكتاب والصحفيين وكما جرت العادة والعرف العربي أنّ من تربع على عرش البلاد نال من حظوظ المديح ما يستحق وما يزيد.

فهو المعلم اﻷول والرمز والمناضل واﻷب والمؤمن، ﻻ تكاد تفتح غلاف صحيفة عربية إلا وتطرق الكلمات قلبك وعقلك بافتتاحيةٍ أو كلمات اﻹطراء للزعيم؛ فذلك هو الحبيب بورقيبة الذي قيل في زمن حكمه بأنه “المجاهد اﻷكبر” و”صانع اﻷمة”.

المتتبع للصراع في الحقبة اﻷتاتوركية “مصطفى كمال أتاتورك” في تركيا، والمسرح التونسي أيام الحبيب بورقيبة لا يكاد يجد اختلافاً واضحاً؛ فالسمة الغالبة كانت محاربة التوجه اﻹسلامي والسير بالدولة نحو أقصى اليمين في العلمانية.

من محاربة تعدد الزوجات إلى تغييراتٍ جذرية في نظام اﻹرث اﻹسلامي الذي أقره كتاب الله عزّ وجل؛ متهماً القرآن الكريم بالتناقض بقوله: “إن في القرآن تناقضاً لم يعد يقبله العقل”، داعياً إلى اﻹفطار في رمضان، وصولاً إلى منع الموظفات التونسيات من لبس الحجاب وغطاء الرأس. أثارت هذه النقاط جدلا حول شخصية بورقيبة.

بورقيبة لم يحارب الفكر اﻹسلامي متمثلاً في حينها بـحركة الاتجاه الإسلامي وحركة النهضة لاحقاً، بل توجه إلى تجميد نشاط الحزب الشيوعي عام 1962.

تطلّعات الحبيب بورقيبة في حكم الجمهورية التونسية تحت شعار “إلى اﻷبد” تجلت واضحةً بعد أن أقرّ نظام الحزب الواحد وتحالف مع الاتحاد العام التونسي، وشرعن ذلك بتعديل دستوري في 27 ديسمبر/كانون الثاني 1974 سمح له برئاسة الدولة مدى الحياة، في مشهدٍ آخر يعيد الذاكرة إلى حقبة حكم حافظ اﻷسد لسورية في سبعينات القرن الماضي، وانتهاج ذات السياسة بقيادة حزب البعث العربي اﻻشتراكي.

مقاربةٌ أخرى تثير العديد من التساؤلات حول طبيعة القيادة العربية في تلك الفترة التاريخية، بعيداً عن تونس وبعودة عقارب الزمن إلى ثمانينات القرن الماضي نشهد حالة الغليان في حماة وحلب وجسر الشغور، لتواجه تلك اﻻضطرابات بالنار، يتكرر المشهد إبّان مظاهرات 3 يناير/كانون الثاني 1984 التي قامت بسبب ارتفاع سعر الخبز وعرفت بـ”ثورة الخبز” وراح ضحيتها المئات من المدنيين التونسيين، حيث تعاملت معهم سلطات الحبيب بورقيبة بقبضة أمنية حديدية.

الحبيب بورقيبة و هو صغير-ويكيبيديا

ولد الحبيب بورقيبة يوم 3 أغسطس/آب 1903، في حي الطرابلسية بمدينة المنستير الساحلية، لأسرة ليبية الأصل متوسطة الحال.

في عام 1924 سافر إلى فرنسا لدراسة الحقوق والعلوم السياسية وحصل عام 1927 على الإجازة (البكالوريوس)، وعاد بعدها إلى تونس ليشتغل في سلك المحاماة.

دخل الحبيب بورقيبة عالم الصحافة في ثلاثينات القرن الماضي، فقد أصدر صحيفة “صوت التونسي” عام 1930، ثم صحيفة “العمل التونسي” عام 1932.

دخوله عالم السياسة كان عام 1933 من بوابة الحزب الحرّ الدستوري التونسي بقيادة عبد العزيز الثعالبي، سرعان ما تركه وأسس: الحزب الحر الدستوري الجديد في 2 مارس/آذار 1934.

نتيجة تحركاته ضد الوجود اﻷجنبي في بلاده اعتقل بورقيبة مراتٍ عديدة على يد سلطات الاستعمار الفرنسي؛ ليتمكن من الهرب باتجاه مصر، ويعود مجدداً إلى تونس بتاريخ 16 مارس/آذار1945.

يحسب للحبيب بورقيبة نضاله الوطني وجولاته للتعريف بقضية بلاده في المحافل الدولية؛ فقد سافر إلى مصر والهند وإندونيسيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا التي قدم لها عام 1950 مشروع إصلاحات للحكومة الفرنسية.

بعد عامين من تلك الجولات يعلن في 2 يناير/كانون الثاني 1952 عدم ثقة التونسيين في فرنسا، لتكون تلك مقدمة وشرارة الثورة المسلحة التي اندلعت بتاريخ 18 يناير/كانون الثاني 1952.

اعتقلت السلطات الفرنسية الحبيب بورقيبة مع بعض رفاقه على خلفية تلك الاحتجاجات، وبعد ثلاث سنوات قبلت الجلوس معه خلف طاولة المفاوضات.

يسجل التاريخ في صفحة الحبيب بورقيبة تمكنه من توقيع معاهدة تمنح تونس استقلالها الداخلي عن فرنسا وإعلان الدولة التونسية في 3 يوليو/تموز 1954 .

معاهدةٌ وصفها صالح بن يوسف (الأمين العام  للحزب الحر الدستوري الجديد) بأنها رجوعٌ إلى الوراء؛ تسببت بعد ذلك بانشقاق الحزب إلى فريقين ودخولهما في صراع شرس.

كاريزما الحبيب بورقيبة أكسبته حظوظاً أوفر من صالح بن يوسف أمام الجماهير التونسية التي تمكن من إقناع غالبيتها بالمعاهدة التي تبعها توقيع وثيقة الاستقلال التام في 20مارس/آذار 1956.

لم تمضِ ثلاثة أشهر حتى ألغى بورقيبة الملكية وخلع الملك محمد الأمين باي، وأعلن تونس دولة جمهورية في 25 يوليو/تموز 1957، واختير كأول رئيسٍ لها.

بورقيبة يخطب في جماهير مدينة سوسة عام ١٩٦١-المعرفة

داخلياً؛ بدأ بالقضاء على خصومه السياسيين، كدأب القيادة العربية إبان اﻹمساك بزمام السلطة، حتى وإن كانوا رفاق النضال في سبيل اﻻستقلال.

الضربة القاسمة وجهها لمن عرفوا بـ”اليوسفيين”، أي أتباع صالح بن يوسف، الذي عارض المعاهدة مع فرنسا، والذي اغتيل في فرانكفورت بألمانيا في أغسطس/آب 1961.

اقتصادياً؛ تأرجح بين منهجين، فقد اتبع في الستينيات سياسة التعاضد (الاشتراكية)، لكنها فشلت، وتحول إلى الليبرالية في السبعينيات.

سياسته الخارجية بدت واضحةً تجسدت من خلال تحالفه مع الغرب، وترحيبه بالدور والسياسة اﻷمريكية في المنطقة، شأنه في ذلك كشأن الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، كما أنه لم يدخل في مواجهة أو نزاع مع اﻻتحاد السوفييتي، وإن لم تقم بينهما علاقات عسكرية أو اقتصادية.

مواقفه من المعسكر القومي المتمثل في حينها بتيار الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر كانت متوترةً باستمرار؛ نتيجة عددٍ من المواقف التي أطلقها لاسيما دعوته للفلسطينيين في خطاب له بأريحا في 3 مارس/آذار 1965 بقبول قرار التقسيم مع مواصلة الكفاح، والاقتداء بالتجربة التونسية في التحرر، الأمر الذي يخالف توجهات عبد الناصر ويصطدم معها… وإن كان البعض يرى اليوم في دعواته تلك حلاً مبدئياً للأزمة، وهذا ما حققه فعلياً اتفاق أوسلو حيث انتهى الأمر إلى التسليم برؤية بورقيبة على يدي السادات.

أطاح بحكمه وزيره اﻷول (رئيس الوزراء)، زين العابدين بن علي، وذلك بتاريخ في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، معلناً نفسه رئيساً جديداً للجمهورية التونسية.

وضع الحبيب بورقيبة تحت الإقامة الجبرية في مسقط رأسه المنستير، وحجب أخباره عن الإعلام حتى وافته المنية يوم 6 أبريل/نيسان 2000.

منع بن علي الإعلام الأجنبي والتلفزيون التونسي من نقل أخبار جنازة بورقيبة أو عرض فيلم عن حياته، كما منع الاحتفال بذكرى وفاته.

سقط بن علي وهرب من تونس يوم 14يناير/كانون الثاني 2011، ليشرف الرئيس التونسي للمرحلة الانتقالية المنصف المرزوقي على إحياء ذكرى وفاة بورقيبة، ما اعتبره محللون تجاوزاً لمرحلة الخلاف بين بورقيبة و”اليوسفيين” أنصار صالح بن يوسف؛ الذين كان والد المرزوقي أحدهم، واضطر بسبب ذلك للهجرة إلى المغرب.

يصفه محبوه بأنه رائد التحديث الاجتماعي في تونس، أما معارضوه فينعتونه برائد سياسة التغريب ومؤسس العلمانية التونسية.

مصدر الجزيرة أنباء تونس خطاب بورقيبة في أريحا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!