التعليم السوري … ملف تتقاذفه السياسة

الأيام السورية| خالد المحمد

يتنادى المنادون في القريب والبعيد في كل المحافل والمناسبات بفصل السياسة عن فروع الحياة، وتدخلاتها في أوردة وشرايين تقلبات أيام الناس ، فلا سياسة في الدين والاقتصاد ، ولا سياسة في التشريع والقضاء والتعليم ، حتى بات معياراً من معايير الديمقراطية والتحضّر …

ولكن لازالت السياسة في عالمنا العربي عموماً والسوري خصوصاً، تعيش في أنفاس الحياة اليومية ، ولا تغادر ولو للحظة شهيقه ، ولاهي تترك زفيره مرتاحاً … والتعليم كان كغيره من ملفات المواطن السوري فدخلت السياسة بكل تفاصيله وحروفه وكتبه ودفاتره …

وبعد أن خرج الشعب السوري في الثورة ، كان من المطلوب والمفروض والمفروغ منه أن يُفصل التعليم عن السياسة ، ولكن التعليم كان حاله كحال الشعب السوري ضحية لإرادة المتصارعين وإرادة الدول المتحالفة والمتنازعة  .

بدايات:

  ” لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس ” … لم يستطع كل التربويين وعلم الاجتماع إيجاد رابط منطقي بين إيقاف الدراسة والتدريس وإسقاط رئيس … فرئيس حارب العلم والمتعلمين والإبداع والمعلمين ، كيف يكون اسقاطه بالشراكة معه في هذه الإرادة …

وبتتبع مسيرة التعليم والثورة … ولايهمنا هنا النظام الأسدي كونه نظام فاجر عدو للعلم ..

تدخلت الثورة بالتعليم ولكنها لم تجعل منها تعليماً ثورياً ، فاقتصرت في الفترة الأولى الثورة على الإضرابات وإيقاف المدارس وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء أو مقرات عسكرية ، حتى إن الكثير من المدارس كانت تتبع للنظام مادياً وفكرياً رغم وجودها في مناطق محررة .

تعرضت المدارس في سوريا للإستهداف المباشر_الأيام السورية

ولم يشهد هذا العهد تشكيل أي جسد مستقل أو مرتبط يشرف على التعليم في هذه المناطق من ناحية الانضباط وسيرة المعلمين والإشراف على الامتحانات ، رغم البدء بتشكيل مديريات تربية حرة كانت عشوائية وتعتمد على المحسوبية .

يضاف إلى هذا الوضع دخول عدد من المنظمات غالبيتها خارجية التوجه والتمويل ، تبنت مدارس معينة في مناطق معينة ، وأصبحت هذه المدارس تتبع لها كونها تشرف عليها مادياً ، لتبث فيها توجه من يشرف ويمول هذه المنظمات ولا زالت بعض المنظمات تمارس هذا الدور حتى الآن .

وكان لدخول وزارة التربية في الحكومة المؤقتة إلى الداخل وتوحيدها لمديريات التربية وإشرافها على المدارس عن طريق هذه المديريات والمجمعات التربوية دوراً بارزاً في إيجاد جسد واحد ينظم هذه المدارس ، حتى استطاعت الوصول إلى إصدار شهادة ثانوية تحوز اعترافاً من عدد مهم من الدول وتتفوق على شهادة الكثير من الدول ،  رغم ضعف الإمكانات واعتذار اليونيسف عن تقديم الدعم لمدارس المناطق المحررة – أسوة بدعمها لمدارس دول الجوار ومناطق النظام – متذرعة بعدم انضباط المناطق المحررة بينما عزا أغلب الناشطين موقف اليونيسف هذا  إلى أسباب سياسية .

دول الجوار:

يتمركز السوريون بشكل رئيسي في دول الجوار ما بين لبنان والأردن وتركيا …

وكان لانعكاسات السياسة الأثر البارز في الوضع التعليمي للسوريين في هذه الدول ، حيث كانت هيمنة حزب الله الطائفي على الوضع السياسي اللبناني السطوة الكبرى على السوريين ، فضيّق عليهم المدارس ، ومُنعوا من دخولها إلا في مناطق معينة ومدارس محددة ، رغم النصيب المهم للبنان من المليارات الممنوحة عن ملف اللاجئين السوريين.

وفي الأردن التي كان الحال فيها أفضل من لبنان ، ولكن الحدث الأبرز الثلاثاء الماضي هو فصل جميع المعلمين السوريين وهم /450/ معلماً من مخيم الزعتري ، متذرعة اليونيسف بضعف الإمكانات وعجزها عن متابعة الدعم المادي لهم … هذا القرار الذي يتصادف مع مساعي روسيا لعودة المهجرين في الأردن ولبنان ، وما توحيه هذه المصادفة من وسيلة ضغط على هذه الشريحة وعلى اللاجئين السوريين في مخيم الزعتري ، وربما سيعقبه سلسلة من الإجراءات التضيقية بهدف إجبار السوريين بطريقة غير مباشرة على العودة لحضن الأسد .

أما تركيا فكان الوضع هو الأفضل تعليمياً للسوريين ، ولكن كذلك كان الوضع السياسي هو اللاعب الأهم في هذا الملف ، فعندما اتبع الأتراك سياسة الباب المفتوح مع السوريين كان الباب مفتوحاً للسوريين أيضاً في الجانب التعليمي ، فسُمح لهم بتأسيس مراكز تعليمية لهم دون تعقيدات وبتسهيلات لا تقدمها تركيا لأبنائها أنفسهم مما فتح المجال أمام السوريين للفساد والتزوير في هذه المدارس بشكل كبير لامجال للاستطراد به الآن …

ولكن كان هناك عاملين سياسيين أثرا على مسيرة هذه المدارس السورية ، وهي أزمة تدفق اللاجئين إلى أوربا مع غموض الانفراج في العملية السياسة والعسكرية في سوريا ، والعامل الثاني هو مسألة الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016 …

حيث فتحت الأزمة الأولى وهي تدفق اللاجئين إلى أوربا النقاش والحوار بين تركيا ودول الاتحاد الأوربي حول طرق اغلاق هذا الباب فكان أن تمخض ذلك عن تفاهم ومشروع كبير بين الجانبين وهو مشروع دمج السوريين في المجتمع التركي ، وهو مشروع يشمل مختلف جوانب الحياة سواء على صعيد المساعدات /الهلال الأحمر وغيرها / أو توظيف السوريين بشكل مؤقت في بعض القطاعات ولكن الجانب الأبرز كان الجانب التعليمي من خلال دمج الطلبة السوريين بنظام التعليم التركي بتمويل كامل من الاتحاد الأوربي وصل إلى عدة مليارات يورو ، وذلك وفق خطة تدريجية تتضمن تعيين أساتذة متخصصين في المدارس السورية لتعليم الطلاب اللغة التركية بساعات مكثفة ونقل هؤلاء الطلبة حسب المراحل الدراسية والصفوف تدريجياً وبشكل إلزامي إلى المدارس التركية على أن تتكفل دول الاتحاد الأوربي بدفع رواتب للمعلمين الأتراك والطلبة السوريين وفق خطة قد تستمر خمس سنوات مضى منها عامين .

وعزز هذا الأمر الانقلاب الفاشل في 15 تموز 2016.. حيث بات التوجه العام للقيادة السياسية التركية التدقيق والتمحيص حول جميع المؤسسات التعليمية في تركيا ، فكانت المدارس السورية تحت مجهر هذا التوجه ، فتم اتباع ملفها إلى مديرية التعليم مدى الحياة في أنقرة ، والإشراف بشكل مباشر من المشرفين الأتراك ، وإلغاء الإداريين السوريين في هذه المدارس والعمل على إنهاء تواجد هذه المدارس خلال أسرع مدة .

ولا ننسى هنا أيضاً دور اليونيسف وهي الداعم للمعلمين السوريين في منحتهم الشهرية التي رغم الغلاء وارتفاع سعر الصرف ومطالبة وزارة التربية التركية برفع هذه المنحة الشهرية إلا أن اليونيسف وباتفاقها الأخير منذ عدة أيام مع التربية التركية جعلت هذه المنحة / 1600 / ليرة بعد أن كانت / 1300/ ليرة وهي قياساً بارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة التركية وحالة التضخم لا تشكل أي زيادة .

بالمحصلة نلاحظ التبعية الكاملة للملف التعليمي السوري لمجريات الأحداث والتقلبات السياسية بعيداً عن أي استقلالية أو مراعاة الحالة الإنسانية ، ولعل المثال الأوربي واليونيسف اللذين لم ينظرا إلى الموضوع نظرة إنسانية تتعلق بحالة نازح مهجّر أو حالة طفولة تعاني ، وإنما تعاملوا مع الموضوع بوجهة نظر سياسة كموضوع إيقاف تدفق لاجئين إلى حدودها .

مما يجعل العملية التعليمية تتجاذبها العواصف السياسية وأي حدث طارئ في سوريا أو دول الجوار وآخرها الخطط الروسية بإعادة اللاجئين من دول الجوار إلى سوريا وتخوف عام أحبط السوريين من هذه الخطوة.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل