خاطرة: تحدث همساً في حضور عينيها

اﻷيام السورية؛ فرات الشامي

عن عينيكِ أتحدث سراً… همساً… فأنا الفراتي المسكون بعشقهما.

حين تسير بي اﻷقدار ﻷغدو فارساً على صهوة جوادٍ من حكايا الخرافات ﻻ أكاد أتمكن من اﻹفلات من بين عيني أنثىً شهيةً بذاك الحضور الرقيق.

استسلمت ليديها تجذبني عصر ذاك اليوم الصيفي الحار؛ كحرارة الشوق إليها في ساعاتٍ متأخرةٍ من الحب والجنون، في زمنٍ يستحيل ألا يلتقي فيه الوطن والمرأة… كلاهما يبكي… كلاهما يمزّق فؤادي بين شهوتي الانتصار لهما واﻻنتظار لعناقٍ تخيم عليه فكرة الوداع التي تكاد تشبه المقصلة!!

خشية اﻻعتراف بالحب؛ كخشية الحديث داخل غرفة التحقيق المظلمة، العشق محرّمٌ لوطنٍ وامرأةٍ… من بلادي ذاك العُرف وتلك العادات.

وشت بي عيني حين سرنا بين تلك اﻷروقة الدمشقية العتيقة، نلامس جدراناً حجريةً شاهقةً صامدة، إنها مجرد أحجار بلا أحاسيس، أو هكذا تبدو، لكن الحقيقة تقول أنّ لها عيناً ترقب العاشقين.

لم تكن عيناها بأحسن حالاً، كانت تشتاقني… تبحث عن غياب أعين من يسيرون إلى جوارنا… تشتاق لتلامس عنقي بعناقٍ طويل دونما خوفٍ من رقيب… إنّها تصبو إلى حوارٍ ما… ينزع فتيل الخوف الذي سكن فؤادها.

على تلك الأحجار الشاهدة حضورها، فوق الأرصفة تبادلنا النظرات، لغة الهوى والوشاية، لغة البوح والحنين؛ ما بين مقلتيّ اشتياق إلى صدر أنثىً أﻻمس به حدود المستحيل، وتلامس بي وجه السماء… بدت متألقةً رغم كل ذاك الحزن الذي نطقت به عيناها؛ «فالعين تنطق والأفواه صامتة حتى ترى من ضمير القلب تبيانا».

تسللت حروفٌ ما خلسةً تهمس “أحبك”… “أشتاق ملامسة قطرات الخوف التي انهمرت على الوجنتين”… المكان كان يحكي قصة الحرب التي تفصلنا عنها مسيرة حيٍّ قريب، وحاجز عصابة سلبتنا الذاكرة… كان الحوار بلغة العين مفاجأةً مذهلة… لم نعتدها مسبقاً، حتماً لم نشأ أن نطلق العنان للسان، اﻹنهاك بدا واضحاً قبل الجلوس خلف تلك الطاولة الخشبية، لم يفصل بيننا إﻻ التعب، عيناها تكاد تذوب في وجهي اﻷسمر، أعشق ذاك الذوبان المغري، كما لو أنني أتوحّد في جسد أنثى بعيني.

عيناها شهيتان للكتابة… ساحرتان… آسرتان… مشاكستان حيناً، هادئتان في اتزان أنثىً تعرف كيف تعيش التناقض والغموض بعينيها، لتحمل فؤاد رجلٍ مثلي إلى أرضها. «ويلاهُ إنْ نظرتْ أو إن هي أعرضت – وقعُ السّهامِ ونزعهنَّ أليمُ».

سويعاتٌ من التأمل في ذاك البريق الذي أمتص فيه كل الكلمات التي رتبتها في مساءٍ سابقٍ، لعلي أسرد لها ما يختلج في صدري… دونما أملٍ، فالحروف تلاشت أمام تلك النظرات. «عيناك حقًا بالجمال تفردت – وتمرّدت حتى سُقيتُ هواهُ».

رشفةٌ من فنجان القهوة... شفاهٌ تحاول أن ترتوي أو تبتل من ريقها، لكنّ هيام العين بالعينين يسرح بي نحوهما؛ كأنما كبلتني بقيود العشق، أو لعلي تحت وصاية سيفٍ يسبي الألباب.

Steve Jobs Apple co-founder

«لا السيفُ يفعلُ بي ما أنتِ فاعلةٌ – ولا لقاءُ عدوِّي مثلَ لُقياكِ

لو باتَ سهمٌ من الأعداءِ في كَبِدي – ما نالَ مِنِّيَ ما نالتْهُ عيناكِ!».

امتدت يدها لتخرج المنديل… الفرصة التي انتظرتها لتجفيف قطرات الدمع التي سكبتها من مقلتيها… كنتُ بانتظار اقتناص تلك اللحظة، بحثاً عن ذريعةٍ خبيثةٍ لملامسة الوجنتين؛ ﻷروي في ليل عودتي مما خزّنه المنديل، حتماً ﻷعانق عطرها الفراتي بمزيجٍ دمشقيٍّ يحكي قصة الحضارتين في جسد وعيني امرأةٍ مسكونةٍ بالغواية والحب كما يسكنني الولوع والرغبة والشهوة … لبريق عين ونعومة جسد ارتحل إليه ﻷجد سكني وراحتي.

«عيناكِ أوطانٌ أسافرُ في تأملها – أودعتها الرحمن في حلٍّ وترحالِ»

وطنٌ وأنثى… أو أنثىّ ووطن، معادلةٌ لم أتمكن من اﻹفلات منها يوماً أنا الرجل المسكون بعشق أعين النساء … بل وحدها عينا حبيبتي تتسع لي، إنه اﻻتساع الذي يمدني بالرغبة في الدفاع عنها حالة الحزن … ربما ﻷنني الحاكم فيها.

«لو أنّ حظي باتساعِ عيونها – لحكمتُ من نجدٍ إلى بغداد»

بل حتماً ﻷنّ فوق تلك اﻷهداب  استراحتي، وبين الجفنين تغفو قصائدي المنسية، فوق ذاك الشاطئ الذي لم يخلق إﻻ لرجلٍ شرقيٍّ مثلي…

«عيناكِ بحرٌ والجفون شواطئ – والهدبُ خَلقٌ حولها عشاقُ».

تحدث همساً في حضور عينيها… فلا مجال هنا إلا لحوار العينين.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل