درعا وتساؤلات بين الهزيمة والحرية والتحرر

أخيراً استطاع نظام اﻷسد أن يتنفس الصعداء، المسألة باتت ترجح قلب الطاولة على المعارضة التي تلفظ أنفاسها اﻷخيرة في الشمال السوري، فما بعد درعا ليس كما قبلها، ولن يكون بطبيعة الحال.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

مجرد أمنيات سياسية وأوهام عسكرية يحاول حلفاء الأسد الترويج لها في إطار بروباغندا ناعمة لشرعنة وجودهم كضامن للحل السياسي، وإعادة إعمار ما دمرته آلتهم العسكرية وطيرانهم الذي أكل اﻷخضر واليابس.

اﻷزمة السورية ملفٌ معقدٌ وشائك، وما حدث عملياً مجرد انتقال إلى مرحلة مختلفة تماماً، سيكون الصراع فيها يدور وفق محورين رئيسيين “التحرر والحرية”.

كما بات معلوماً أنّ الدولة السورية واقعة في شباك اﻻحتلال الروسي والغزو الثقافي اﻹيراني، ما يرجح انتقال الصراع داخلياً من حرب بين معارضة ونظام مستبد إلى حالة وطنية أكثر نضجاً ووعياً؛ فالشارع يواجه المحتل مباشرةً.

بالمقابل؛ يمكن القول بأنّ “الحرية” ستكون عملية تحصيل حاصل فور اﻻنتهاء من حبال شبكة المحتل الروسي، وانهيار منظومة اﻷسد الميليشياوية سيكون أسرع من المرة اﻷولى في ربيع العام 2011.

أغفلت العنجهية الروسية أزمة السلطة اﻻقتصادية في سورية؛ وهي حقيقة ثابتة واقعية عاشتها مكونات المجتمع السوري وأولهم الموالون للأسد، وتحديداً أبناء الساحل من الطائفة العلوية ومن بعدهم الجنوب “درعا”، وبقية المدن والمحافظات.

بقاء تلك الأزمة في الهيكل الاقتصادي لنظام الأسد القائم على “التعفيش والمحسوبيات” وتركزه بيد آل الأسد ومخلوف من أبناء خالته؛ حالة مستمرة وما تزال قائمة لم تنتهِ، بالتالي؛ أسباب الثورة وحراك الناس سلمياً له قاعدته وأرضيته الخصبة، وما تحت الرماد قابل للتجدد، بانتظار الوقت المناسب، واﻻحتقان الداخلي قابل للاشتعال ينتظر الوقود.

السنوات العشرة اﻷخيرة التي سبقت الثورة شهدت فيها سوريا حالة من الركود اﻻقتصادي، وتدني مستوى المعيشة، مع ارتفاع أسعار المواد في السوق، ﻻ سيما بعد أن تخلّت حكومة النظام السوري عن دعمها للمواد اﻷساسية: ((المقنن “رز، سكر”، المازوت، اﻷعلاف”.

المشكلة السابقة تفاقمت في السنوات التي تلت اﻻنفتاح على تركيا كردٍ على خسارة لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005، مما أدى إلى تراكم تلك العوامل بالجملة، الأمر الذي آل إلى انهيار السوق في جانبي الزراعة والصناعات اﻷولية؛ فكانت حالة البطالة المصحوبة بانخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية.

منطقياً؛ خروج اﻻحتجاجات على سياسات النظام السوري كانت مبررة مع انطلاق الحراك الثوري، الأمر بالتدقيق والمتابعة في ضوء ما يجري داخلياً ورغم اقتراب نظام الأسد من الحسم والانتهاء من الحالة المستعصية خلال السنوات السبعة الماضية يجد بأنّ اﻷسباب السابقة ما تزال موجودة.

لم يتمكن الأسد ومعه حلفائه موسكو-طهران من علاج الأزمة التي قام الحراك الثوري لتغييرها؛ إلا فيما يشبه اﻹسعافات اﻷولية للمريض على سرير اﻹنعاش.

حقيقة نهاية-مظهر-الحراك الثوري في درعا وعموم الأرض السورية صحيح، بالمقابل؛ فإننا أمام أسبابٍ لم تنتهِ، مع إضافة جديدة-طارئة-ستكون نقطة الضعف والمقتل الذي وقع به الروس واﻹيرانيون؛ باعتبارهم قدموا أنفسهم للسوريين كطرفٍ محتل، يسعى لتحقيق وترسيخ مصالحه؛ في إطار حروب ومعادلات دولية، الشعب السوري كان في منأىً عنها.

اﻹسهاب في تحليل المشهد والحديث عن درعا وكأنّها نهاية المطاف للحراك الثوري السلمي السوري ظلمٌ مجحف بحقِّ حراكٍ عادل قدم الدماء والمشردين فضلاً عن الدمار الهائل في البنية التحتية.

ولعل الكلام المطوّل، إعلامياً، عن هزيمة الثورة السورية فيه شيء من الواقع الذي نعيب على من لا يراه، لكنّ تحليلاتٍ كتلك من شأنها نسف ملفاتٍ كبيرة في مقدمتها آلاف الشهداء، وأحقية الشارع الذي خرج مطالباً بـ((العدالة، الكرامة، اﻻنتقال السياسي السلمي للسلطة، الدولة المدنية)).

تحليلات انهزامية تلمح إلى خطأ الثوار في حمل السلاح دفاعاً عن أعراضهم وأنفسهم، وأخرى تلمز هنا وهناك، تثير الكثير من التساؤلات؛ بل تجعل من الحراك الشعبي السوري حالةَ تمردٍ وعصيان على نظام شرعي؟!

من غير المنطقي أن تنتهي ثورة حملت مطالب جادة وعادلة لبناء الدولة وفق مفاهيم الحضارة وقيم إنسانية راقية، الذي قد يختفي في المرحلة اﻷولى؛ التظاهرات والعلم الوطني الذي اختاره الثوار، لكن ﻻ يوجد ما يشير إلى انتهاء أو انطفاء الشعلة الأولى، بل إنّ هناك ضرورة جديدة ستظهر تدريجياً لمقاومة وطنية للاحتلال الروسي، وما حدث في مفاصل الحراك الثوري مجرد نفض الزبد والغبار العالق فرضه وجود فصائل عسكرية بلباس المعارضة، مارست دوراً أسوأ من الذي قام به النظام اﻷمني السوري، وأخرى إن أحسنّا الظن بها لم تستطع تقديم البديل المكافئ للنظام والدولة، المسألة بحاجة إلى وقت، لعل أصحاب الفكر والقلم الثوري الحر يعيدون ترتيب أوراقها مجدداً.

الجذوة ما تزال مشتعلة، والنار لم تنطفئ ومن يمسك يوماً بضياء الكرامة والحرية لن يقبل المهانة ممن أذله، ولن يعدم الوسيلة السلمية أو العسكرية في المقاومة الوطنية المشروعة؛ بل إنّ ما تحمله بعض تصرفات عناصر النظام السوري تجاه أبناء المناطق التي استعادوا السيطرة عليها تعيد فتح الباب مجدداً، ولو بعد مدة لضرورة العودة إلى العمل السلمي المعارض.

يمكننا التركيز على قضية جوهرية كانت إحدى أسباب اشتعال الثورة، العامل الاقتصادي المنهار، مضافاً إليه اليوم مسألة اﻻحتلال الروسي المرفوض شعبياً، ما يسمح بطرح سؤالٍ حول إمكانية احتواء المدن والمحافظات المهزومة من طرف بقايا النظام وحلفائه؟

سورية عملياً دخلت منطقة ونقطة جدلية تختصر أزماتٍ متراكمة فوق أرضها، بين الحرية كمطلبٍ كان على رأس القائمة الشعبية، وبين التحرر الذي بات أولويةً لنيل الثاني.

في المواجهة روسيا وإيران، على الطرف المقابل أصحاب اﻷجندة الوطنية والفكر الإسلامي الشريف الذي لم يثبت أنّ العالم استطاع محاصرته، ولعل التلاقي بين الطرفين عند نقطةٍ ما سيحول المعادلة ويرجع بها أدراجها اﻷولى.

درعا كما سوريا انتقلت إلى حضن اﻻحتلال الروسي وزنزانة اﻷسر التي تنتظر شرارةً أخرى للخلاص، تنتظر من يشعل ذلك الفتيل. التاريخ يقول بأنّ الشعوب تريد الحياة، وأنّ القدر لم يخالف يوماً تلك اﻹرادة.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل