ماذا بعد درعا؟ بل ماذا قبلها؟

الانتقال للعسكرة والملف الثوري بدرعا كيف يمكن قراءة أحداثه باعتبارها مهد الحراك السوري؟

الأيام السورية| ريما فليحان

لدرعا خصوصية تاريخية في حكاية الثورة السورية، ومنذ خطت أصابع أطفالها على جدرانها العتيقة “اجاك الدور يا دكتور وحتى الآن؛ يبقى لدرعا خصوصيتها وتأثيرها على المسار العام للأحداث  أقلها على المستوى السياسي فيما بعد درعا..

إعادة سيطرة النظام على درعا هي لا شك مرحلة مؤلمة بسبب التكلفة الباهظة التي دفعها المدنيون في درعا، وهو حدث جلل ولكن لم يكن مفاجئا لأنه كان متوقعا  منذ بدأت اجتماعات أستانة، ومنذ دخلت روسيا على الخط وتسلمت الملف السوري بالكامل..

هو ثمن باهظ دفعته درعا كما دفعته من قبلها كل المناطق السورية اﻷخرى التي خضعت للحصار والقصف الإجرامي من قبل النظام وحلفائه من جهة ، وكانت تحت سيطرة الفصائل المسلحة أو الفصائل الإسلامية على تلك المناطق من جهة أخرى.

ما حصل قبل ذلك هو حيثيات وتفاصيل يجب النظر إليها بتمعن،  وليس من منطلق جلد الذات وإنما من منطلق التعلم من التجربة واستقراء المستقبل  بناء على النتيجة والواقع الراهن..

ليس من باب اللوم أو التنظير،  ولكن من باب استقراء التجربة التي عبرنا من خلالها حين كانت أصواتنا تصرخ برفض العسكرة و أسلمة الثورة،  و حين كانت ردة الفعل المقابلة لا تقل عن التخوين، الاتهام بالسذاجة، الانتماء الأقلوي ، والانفصال عن الواقع بأحسن الأحوال، كانت تقابل تلك الأصوات بارتفاع وتيرة التجييش الطائفي والتحريض كردة فعل على تصعيد النظام للفعل العنفي بالطرف المقابل وانسياق بعض النخب خلف الخطاب الغرائزي من جهة أخرى.

ماذا لو استمرت الثورة بسلميتها ؟ سؤال موضوعي مشروع يسأل عادة كرد مباشر على تمسكنا نحن أبناء الحراك السلمي برأينا حتى اللحظة في مناهضة العسكرة والأسلمة،  والجواب الذي يخطر في بالي مباشرة يستنتج من خلال تحليل الواقع الناتج عن العسكرة والحالى السياسية المعارضة بناء عليه.

في الأشهر الأولى للثورة وحين كانت الثورة سلمية ومن اليوم الأول استخدم النظام المجرم الخيار الأمني كخيار وحيد في مواجهة الانتفاضة الشعبية التي طالبت بالديموقراطية والخلاص من الاستبداد، وكان يسقط يوميا عدد من المدنيين كضحايا لجرائم النظام تلك،  باﻹضافة للاعتقالات والملاحقات الأمنية،  الا أن الخسائر البشرية الكبرى والنزوح الانساني و مستوى التدمير الهائل على مستوى الهوية الوطنية السورية والبنى التحتية لم تصل إلى ذلك الحجم الهائل من الخسارة إلا بعد العسكرة والأسلمة، حيث تضاعفت أعداد الضحايا وبات النظام في حالة سياسية تسمح له باستغلال  التوصيف القانوني الدولي لما يجري في سوريا والذي تحول من قمع النظام لانتفاضة شعبية إلى حرب أهلية لترويج البربوغندا الخاصة به من جهة والتصعيد العسكري المجنون من جهة أخرى، حيث بات هناك بتوصيف المنظمات الدولية طرفين يحملون السلاح من وجهة نظر القانون الدولي،  وتحول وصف المنتفضين إلى المتمردين في وسائل الاعلام العالمية، وتدخلت قوى دولية وإقليمية على طرفي الصراع لتكريس مصالحها وهو ما ولد فوضى و عزز المناخ المناسب لارتفاع وتيرة التطرف،  وتلك الحالة هي الحالة التي أراد النظام تعزيزها كصورة لخدمة أجندته السياسية في طرح نفسه كنظام مجددا وهيكل يشبه الدولة مقابل فصائل متطرفة أو متشتتةفي أحسن الأحوال للرأي العام الدولي الخائف سلفا من التطرف.

منذ بدأت الانشقاقات من الجيش وبدأت تتشكل أولى الفصائل المسلحة تم طرح فكرة أن يتم وضع أسس وضوابط تضمن عدم انخراط تلك القوى الناشئة في الدخول بمعارك مباشرة مع النظام داخل المدن أو خارجها ، وأن ترفع الراية الوطنية السورية وتعمل باستراتيجية وطنية بحيث يقتصر دورها على حماية المظاهرات فقط دون الدخول بمعارك أو انتهاج نهج ديني أو طائفيي ، وأن لا يتم استقطاب المدنيين داخلها،  إلا أن تلك الفكرة تمت مواجهتها واجهاضها من قبل قوى الإسلام السياسي من جهة وبعض القوى الإقليمية التي أرادت الدخول إلى الصراع لتحقيق مصالحها أو تدمير الرؤية الديمواقرطية التي قد تتحقق في حال نجحت الثورة وهو ما ينذر بامتداد الربيع العربي وهو ما لاتريده تلك القوى من جهة أخرى.

أرادت قوى الإسلام السياسي والشخصيات المتشددة السيطرة على الأرض ومواجهة الفكر المدني و العلماني من أجل التحكم بشكل الدولة الناشئ عن الثورة لتحقيق أحلامهم السياسية في الوصول إلى الحكم من خلال العسكرة والإغاثة والإعلام وسيطرتها على القوى السياسية وهو ما كان أحد أهم أسباب تشويش الرأي العام العالمي وتعميق الهوة داخل المجتمع السوري سواء كان مواليا أو معارضا.

تعدد تلك القوى العسكرية وداعميها والمتدخلين بالحالة السورية مسؤولين عن تكريس حالة الفوضى عموما و في تلك الفصائل والتبعيات المتعددة لها على وجه الخصوص، وهو ما جعل من المستحيل أن ينتج عن ذلك الحراك المسلح أي نتائج مرجوة تحقق للسوريين أحلامهم في الخلاص من الاستبداد، حيث تحولت بعض تلك القوى بحد ذاتها إلى استبداد من نوع آخر،  لذلك كان رفض العسكرة مبني على عوامل واقعية وليس سذاجة سياسية كما تم نعت كل من وقف في وجه العسكرة في حينه.

لم يكن حال القوى السياسية بأحسن من حال الفصائل، حيث بدأ الصراع على تمثيل السوريين الثائرين بين معارضة الداخل والخارج ببداية الأمر،  ومن بعدها داخل القوى السياسية ذاتها على مستوى أحزاب وشخصيات على حد سواء، وكانت أضعف تلك الأصوات في المشهد السياسي الفاعل الأصوات المستقلة التي بقيت تتمسك بفكر التغيير المدني والديموقراطي والتي تم خنقها أو تذويبها ضمن السياق العام،  أو ابتعدت من تلقاء نفسها لعدم قدرتها على التغيير، لذلك يمكنني الإجابة على السؤال المتعلق بماذا لو بقيت سلمية بالجواب الذي يقول لكان حالنا اليوم أفضل بكثير على المستوى السياسي وعلى مستوى الخسائر البشرية والوطنية على حد سواء..

يضاف إلى كل ذلك طبيعة الملف السوري الشائكة على المستوى الجيوسياسي والتدخلات الدولية وتضارب المصالح، وهو ما أعطى النظام الفرصة لمحاولة ترويج نفسه من جديد مدعوماً من حليف دولي جاد وليس خلبي كحال المعارضة بأصدقائها الكاذبين والتي بقيت منشغلة في نزاعتها أو المحاولة لتغيير الرأي العام الدولي الذي يرتبط مباشرة بمصالح الدول الفاعلة وليس بمصلحة السوريين بطبيعة الحال..

أما ما بعد درعا وعلى الرغم من الامتداد العسكري المتغير للفصائل والمعارضة والنظام على حد سواء، فإن الواقع العسكري لم يعبر يوما عن فكرة التغيير التي خرج من أجلها السوريون إلى الشارع ، ولكنه حتما أثر على الملف السياسي والتفاوضي بسبب الخطأ الأول الذي ارتكب عبر إدخال الفصائل المسلحة للبنية التفاوضية من جهة ، وابتداء مسارات محاذية لمسار الأمم المتحدة كاستانة وربما مسارات جانبية لا نعلم عنها من جهة أخرى، يضاف إلى كل ذلك الارتهان الكلي من قبل النظام والمعارضة للدول الضامنه الثلاث والتي لن تضمن إلا شيئا واحدا وهو مصالحها بطبيعة الحال،  وليس سوريا ولا السوريين حتماً، بناء على ذلك  لم يبق للحالمين بالتغيير من السوريين اليوم إلا التركيز على المسارين السياسي والحقوقي حيث يمكن تحقيق بعض المطالب على مستوى الملف السياسي في حال تم توحيد رؤى المعارضة السياسية و وضع أجندة مفاوضات قوية ومطالب واضحة تحقق دستور يضمن تداول السلطة وتحقيق الحريات العامة وإنهاء القبضة الأمنية و تحقيق اللامركزية  والانتقال السياسي إذا كنا متفائلين جدا!

أما على المستوى الحقوقي وهو الأهم برأيي الشخصي،  فيجب تصعيد العمل بالملف الحقوقي الذي يضمن عدم تغييب ملف جرائم الحرب حتى لا يتم تدوير النظام من جديد على المستوى العالمي،  وهو ما يجب أن يكون من خلال منظمات ومؤسسات كبرى وليس أفراد “مع الاحترام والتقدير الكامل لجهود كل الأبطال الحقوقين الذين أنجزوا ما لم تنجزه كل قوى المعارضة”  لكي يتم تحقيق العدالة للضحايا ومن أجل تمكين مسار العدالة من الاستمرار لحماية حقوق السوريين الضحايا وعائلاتهم وعدم السماح لمجرمي الحرب من الطرفيين بتصدر المشهد السياسي مجددا وعلى رأسهم مجرمي النظام.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend