قراءة في آفاق تعاطي تركيا مع الملف السوريّ في العهد الرئاسيّ

بعد انتقال تركيا إلى النظام الرئاسي كيف ستتعاطى مع الملف السوري وتحديدا الشمال؟ وهل من المتوقع رؤية سيناريو حرب جديدة؟

الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

تباينت آراء المراقبين حول التغييرات المتوقعة في التعاطي السياسي لتركيا في عددٍ من الملفات الخارجية، و من أبرزها الملف السوريّ، بعد الانتخابات التي جرت في: 24/ 6، و فاز فيها أردوغان، و حزبه.

فيرى عدد منهم أن تركيا أعادت تقييم سياستها في الشرق الأوسط، في السنوات الأخيرة، للتأقلم مع الحرب في سورية، و فشل الدولة العراقية؛ ونتيجة لذلك، أصبحت سياستها الإقليمية، ولاسيّما في الجوار المباشر لها، أكثر عسكرة و قوة، و نجحت في تحقيق أهدافها جزئيًا، في شمال سورية من خلال عدد من التدخلات العسكرية، مثل عمليتي: درع الفرات، و غصن الزيتون.

و أنّها قد انتقلت في الآونة الأخيرة إلى المواجهة بدلًا من الانتظار داخل الحدود؛ لمواجهة التنظيمات الكردية المسلحة، و تنظيم داعش، بعد سلسلة ضربات كادت أن تعصف باستقرارها.

و هي تشعر بالقلق من محاولة عدد من دول المنطقة، إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، إلى جانب محاولة إيران بسط هيمنتها في سورية و لبنان، و أنّها ستستمر في التصدي لهذين المشروعين، و ستواصل الانخراط بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط؛ نظرًا لارتباطاتها الجغرافية و التاريخية، و المخاوف الأمنية، و احتياجات الطاقة و الاقتصاد، فلا يمكن لها  أن تدير ظهرها للمنطقة بعد الآن.

و يرى هؤلاء المراقبون في إبقاء مولود جاووش أوغلو على رأس وزارة الخارجية، تأكيدًا على استمرار تركيا في نهجها بالعلاقات الدولية، ما يعني استمرار الاتفاقات الدولية مع روسيا و إيران حول سورية، عبر مسار أستانا من جهة، و مع الولايات المتحدة حول منبج و غيرها من المناطق.

ففي مقابلة مع موقع مودرن دبلوماسي، يرى الصحفي التركي نظمي بينار، أنّه في عهده الجديد، سيبدأ أردوغان مسارا مغايرًا من مسارات تركيا، يبحر في آمال جديدة، وسيواجه أمواجًا جديدة، و قوى سياسية داخلية و خارجية، راهنت على إفشال مسيرته طيلة العقدين الماضيين.

و في حوار نشرته صحيفة برافدا رو، مع ” آمور غاجييف “، الباحث في الشؤون التركية في معهد الدراسات الشرقية حول علاقة تركيا بمحيطها بعد فوز أردوغان، نشر بتاريخ: 12/ 7، يرى أنّ أستانا، منصة جدية للغاية، ففي إطارها تمّ التوصل إلى اتفاق بخصوص مناطق خفض التصعيد، و بدرجة ما إلى تحسين الوضع الإنساني في تلك المناطق السورية، التي عانت أكبر الصعوبات، فعملية أستانا مطلوبة بدرجة قصوى في الوقت الحاضر، و النتائج المتحققة في إطارها أكبر وزنًا، فالتعاون مع روسيا في إطارها من مصلحة أردوغان، على خلفية سياسته الخارجية.

و فيما يتعلّق بالحدث الأبرز، المتمثِّل في علوّ نبرة الحديث عن التصعيد باتجاه إدلب؛ فإنّ أنقرة تجد نفسها أمام الاستحقاق الأكبر، ففي نقاط المراقبة ( 12 ) من أصل ( 13 ) ينتشر ما يزيد على الألف من جنودها، و هو ما يجعل من الصعب افتراض سيناريو حصول هجوم واسع لروسيا و النظام على إدلب، و يرجح خيار التوافق بين أنقرة و روسيا على حل وسط في المحافظة، أو انهيار اتفاق أستانا وسحب تركيا قواتها من إدلب.

و هي قد هددت لأول مرة، الشهر الماضي، بإنهاء مسار أستانا في حال استمرار الغارات الجوية، التي شنتها روسيا و النظام على مناطق رام حمدان و بنش و زردنا، و أدت إلى مقتل و إصابة العشرات، و هو ما أحرجها بصفتها الضامن لها، و ليس في وارد روسيا أن تخسر تركيا كضامن عسكري و سياسي للفصائل، مثلما ليس في واردها أن تخسر إيران كحليف سياسي و عسكريّ موالٍ للنظام.

تذهب الترجيحات إلى الإبقاء على الحالة في إدلب كمنطقة خفض تصعيد، إن لم تتطور لتصبح حالة وقف دائم لإطلاق النار، تمهيدًا للولوج في عملية سياسية، باتت معالمها شبه واضحة.

Steve Job

و أنّ الهجمات الأخيرة التي شنتها روسيا على إدلب، لا تعدو رسالة مباشرة من موسكو إلى أنقرة، لتسريع العمل على إنهاء ملف إدلب، بإنشاء نقطة المراقبة الأخيرة، رقم ( 13 ) في المدينة، و بدء المرحلة المقبلة من التوافقات، المتعلقة بدرجة أساسية بإنهاء تواجد هيئة تحرير الشام هناك.

فهي اتفقت مع روسيا على مواجهتها، بصفتها تنظيمًا إرهابيًا، يجب التخلص منه في أسرع وقت، إلا أنّ روسيا فضلت الخيار العسكري المباشر، في حين طرحت أنقرة خيارات أخرى، و طلبت الكثير من المهل من موسكو، لحل القضية بشكل لم تنجح به حتى الآن.

فخيارات أنقرة تمثل في عدم الدخول بمواجهة عسكرية مباشرة مع الهيئة، و استنزافها تدريجيًا، من خلال بناء تشكيلات عسكرية جديدة، و استقطاب العناصر غير المتشددة فيها، و عزلها تدريجيا وصولاً لإضعافها، و إنهاء وجودها بأقل الخسائر، و عبر عمليات عسكرية “جراحية “، لا توقع خسائر في صفوف المدنيين العزل.

لكن و مع عدم نجاح هذه الاستراتيجية بشكل كبير حتى الآن، يتوقع المراقبون أن تضطر تركيا، و بضغط روسي، لتسريع خطواتها في هذه الاتجاه خلال الفترة القريبة المقبلة، من أجل عدم منح روسيا ذريعة لتوجه إلى إدلب.

و إنّ علو التلويح بعمل عسكريّ نحوها، يصبّ في خانة مساعي تركيا، لتجنيب إدلب مآلاتٍ غير مرضية، من خلال إقناع الهيئة بالانسحاب منها، ضمن اتفاق معين، يعزز سيطرة أنقرة على المدينة، و ربما يشمل تسليم السلاح الثقيل من عموم الفصائل، على غرار ما يجري في درعا هذه الأيام.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend