دعاة على باب السلاطين

العلاقة بين السلاطين والكهنة مسألة جدلية لم تغلق، فما موقف الإسلام منها؟

اﻷيام السورية؛ حنظلة السوري

 

خلقت المجتمعات اﻹنسانية منذ القدم ثلاثية أسبغت عليها هالة القداسة حتى وصلت حدّ التأليه، معادلة فرضت نفسها على حياة الناس، تشكلت في جوهر وجودها ونهاية أهدافها لتحقيق مطامع الحكام، وإن تخلل مسيرتها صراع على النفوذ، ومع تغير شكل الكيانات وظهور الدول الحديثة، استمرت مسيرة “السلطان، الملأ أو اﻷعوان، الكاهن”.

المسألة المتعلقة بدور “الكهنة، المشايخ” جدلية، يرى البعض أهمية وجودها في ضبط تصرفات الحكام، ويرى آخرون أنها تصير أداة بأيدي المستبدين تشرعن لهم أطماعهم، وتخلق اﻷنظمة الشمولية الديكتاتورية.

عموماً المشكلة ظلّت في إطار تناول الشخصيات التي تربعت على كرسي اﻹفتاء والدعوة، كنتيجة منطقية لقيامهم بسلسلة من عمليات تطويع النصوص الشرعية بما يتلاءم مع رعونات الحكام وأطماعهم، مع ما تحققه من غايات مادية بالنسبة لهؤلاء الكهنة.

الدور الوظيفي الذي لعبه دعاة السلاطين في الآونة اﻷخيرة لم يخرج عن كونه إتماماً لمهمة تاريخية واستكمالاً ﻷداء أدوارٍ تمثيلية تتلخص في تلميع الملوك وصيانة عروشهم أو حتى شرعنة المحتل كالحال التي نعيشه في المشهد السوري.

أمّا الدور الوظيفي الثاني لأمثال هؤلاء الدعاة خرج قليلاً عن المألوف، بلهجة العوام “تنفيسة” أي متنفس للشباب الثائر أو المطالب بالتغيير.

الفضائيات في السنوات العشر اﻷخيرة فرضت وﻻدةً لدعاة “النكتة والدم الخفيف”، اقتصرت أدوارهم أخيراً على تقديم اﻹسلام الـ modern، والمتفق بين العامة على تسميتهم ((دعاة دجاج رمضان)).

التصحر الفكري الديني تحديداً، وتوقف حركة الحوارات الفقهية الصحيحة لدى العلماء اﻷكابر من المنطقي أنْ يسمح بتسلل فكرٍ مستحدث يوائم تطلعات المستبدين.

((ما تيجوا يا شباب وبنات … ما تيجوا نحضن بعض في “فيس بوك”))… عبارةٌ شهيرة لداعيةٍ معروف، شكّلَ تبدل موقفه من مسار الثورة في مصر ودعم الانقلاب الذي قاده “عبد الفتاح السيسي” صدمةً لدى الشارع العربي عموماً، والمصري خصوصاً.

على منبر الحرم المكي الشريف وقف بعضهم يزمجر بالدعاء للجهاد في أفغانستان والدعاء للمجاهدين من بينهم “أسامة بن ﻻدن”؛ ما لبث أن تحوّل من حالة تمرير الفكر الجهادي إلى رفضه وإقصائه، ووسمه بالخروج عن الطاعة والملة؛ ليتحفنا بعضهم بالتهليل للرئيس اﻷمريكي دونالد ترامب، وكأنه “المهدي المنتظر”، حاشا لله.

سياسة شرعية متلونة، وعلماء أدوات يسيرون في فلك الحاكم بأمر الله، كالسحلية “متلونة ومتكيفة مع المستجدات”.

لعل حادثة طرد إمام الحرم المكي عبد الرحمن السديس في السويد عادت لتفتح الباب واسعاً على الجدلية القديمة المرتبطة بالدور المنوط بالعالم “الشيخ”، باعتباره رمزاً لترويج فتاوى تواكب الرغبة السلطانية.

ثورات الربيع العربي عرّت أمثال أولئك “الكهنة” سواءً من قدمتهم المنابر التقليدية أو من تم تقديمهم عبر الفضائيات بصورة ملائكية، ولدوا أمام الكاميرات وماتوا أمامها، أو حتى أولئك الذين خرجوا علينا من تحت فراش الحاكم، لتؤكد اﻷيام الأخيرة أنّ ما بني على باطل فهو باطل.

بالمحصلة؛ اﻹسلام يرفض الكهنوتية وممالأة الحاكم، ويسعنا القول بأنّ الزواج بين العلماء والسلطة عقدُ نكاحٍ غير شرعي.

المجتمعات اﻹنسانية عبر تطور مسيرتها التاريخية، وفهم المنطق الذي نزل به النص التشريعي بدقة يحمِّل المسؤولية الحاكم الذي اختار بطانة مفسدة، ويندد بصمت العلماء ذوي الرأي. يقول تبارك وتعالى: ((وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) سورة البقرة: 42

وأخرج الترمذي وصححه، والنسائي، والحاكم وصححه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم، فهو مني، وأنا منه، وهو وارد علي الحوض ((.

المسألة إذاً؛ تاريخية معقدة نراها حتى بين من يوصفون باﻹرهاب، وأولئك الذين لقبوا بالمعتدلين، لنجد أنفسنا بحاجة للبحث في أصل القضية، خلفياتها ودوافعها.

يقول التابعي الجليل عبد الله بن المبارك رحمه الله:

وهل أفسدَ الدينَ إلا الملوك            وأحبارُ سوءٍ ورُهبانُه

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend