إدلب في مواجهة سيناريو الحرب

الخيارات والسيناريوهات المطروحة التي سوف تواجهها إدلب وحيدةً فهل تنجو من مصير درعا وبقية المناطق السورية؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

مرّ ميزان القوة في سورية بين طرفي المعادلة ((النظام السوري والمعارضة)) بمراحل ثلاث، فمع تصاعد وتمدد الحاضنة الشعبية ترجّحت كفة المعارضة، لتبلغ ذروتها في التكافؤ حتى نهاية العام 2016 تقريباً، سرعان ما استطاع حلفاء الأسد الروس عبر تدخلهم العسكري بحسم الجولة وقلب الموازين، بدا ذلك مع تهجير أهالي داريا في الغوطة الغربية باتجاه الشمال السوري، تحديداً إدلب.

عقد المسبحة بدأ بالتساقط سريعاً، مع انهيار الروح القتالية وانحسار المد الثوري الفكري السلمي، والارتهان العسكري للخارج، والسير وفق مصالح الدول الداعمة، فعلياً؛ كان العام 2017-2018 حتى شهر حزيران/يونيو تاريخاً ملفتاً في تهاوي مناطق سيطرة المعارضة وحشر جماعاتها في الشمال السوري “إدلب”.

ميدانياً؛ اﻷنظار تتجه بعد درعا جنوباً إلى الشمال المحرر، باتجاه إدلب آخر معاقل المعارضة السورية، ومنفى رافضي التسويات والمصالحات، ترافقها حملةٌ دعائية انهزامية في محاولة أخرى لتكرار سيناريو ريف حمص الشمالي، والجنوب السوري. وسط تخوفٍ يعيشه الشارع وأملٍ بدورٍ حاسم لحكومة أنقرة بقيادة رئيسها المنتخب، رجب طيب أردوغان.

سلطات الاحتلال الروسي وهي التي تتفرد اليوم بالمشهد السوري دون منازع لديها تصور كامل عن الفارق بين معظم المناطق التي كانت تحت سلطة المعارضة، والوضع العسكري الذي تعيشه إدلب اليوم.

في مقدمة الصورة؛ الفكر الجهادي وأصحاب الحراك للتغيير من منظور إسلامي، أبناء الحراك الثوري من الشباب بمفاهيمهم الوطنية ورؤيتهم للروس بأنهم دولة محتلة وشريكة في قتل المدنيين، وسياسة التهجير والتطهير الطائفي لصالح المشروع الإيراني، جميع هؤلاء لديهم قناعة بضرورة مواجهة “روسيا” باتجاهين؛ فكري وعسكري.

تدرك القيادة الروسية والإيرانية أنّ الشمال السوري لا يمكن انتزاعه بالقوة؛ فالمعادلة هنا تقريباً مختلفة، ولعلّ السبيل الوحيد يتمثّل بإيجاد شرخ بين الوطنيين والجهاديين لمنعهم من الالتقاء في خندقٍ واحد، خلق هوة بين الجهاديين والشارع، يتزامن مع ضرب العلاقة بين الثوار (الجيش الحر) والشارع ذاته، ومحاولة الضغط أو تحييد الدور التركي، وسحب شرعية العلاقة بين أنقرة والمعارضة. وهذا يستحيل تحصيله على المدى القريب دون فرض سياسات معينة ومناورات عسكرية باتجاه المنطقة لخلق حالة من الخوف وإشاعته لدى المدنيين.

يمتلك بالمقابل الثوار وأنصار الفكر الجهادي أوراقاً رابحة، فالأول لديه المشروع الوطني الذي بذل الدماء من أجله، مع ما يحمله اليوم من مفهوم وشرعية مقاومة الاحتلال. بينما لدى الثاني ((الجهاديين)) العقيدة الكافية لتدفع بهم نحو ساحة المعركة وخوضها بشراسة؛ لاعتقادهم أنهم المستهدف اﻷول وأنّ الخيارات أمامهم معدومة، فلا مجال للتفاوض، بالتالي؛ القتال لرفع السكين الروسي اﻹيراني المسلّط على رؤوسهم سبيلهم في تأجيل الهزيمة على أقل تقدير.

الخندق المشترك قد يتسع للمزاوجة الآنية بين الحر والسلفية الجهادية، ما يسمح بإعادة ترتيب الأوراق كما حدث بداية الثورة.

هيئة تحرير الشام بحضور المقاتلين الأجانب إلى صفها يجعلها رقماً صعباً آخر، يحتاج إلى ترويض، أو ثمة احتمال كبير لانخراطها في المعسكر السابق. والدلالات على ذلك التوجهات القوية على الأرض، المدفوعة بإقناع من الحكومة التركية.

ليس مستغرباً أن يتحول الصراع إلى معادلة تجمع الإسلاميين الجهاديين مع الثوار وأبناء الفكر الوطني، لكنها حالة مهددة بالسقوط ما لم تنظمها علاقة قيادية ترجح طرفاً على آخر، يقود المرحلة، ومن المرجح ترك هذا الدور لحملة الفكر الثوري برعاية ورغبة تركية.

يدرك الروس أنّ المعارضة المسلحة بكل أطيافها ومشاريعها الوطنية والجهادية تعي رمزية إدلب، وأنّ مصيرها سيعيد تشكيل خارطة المنطقة، بالتالي؛ صك الدخول الروسي لن يكون إلا بموافقة من أبناء المحافظة وبعض المسلحين؛ ﻹسباغ المشروعية على تواجدهم أمام المجتمع الدولي والرأي العام الشعبي في الداخل، بدلاً من مسمى “اﻻحتلال” وما سيجره مستقبلاً من تبعات.

أمام معادلة فيها كل أطياف المعارضة (المنفية إلى الشمال) بوسع حلفاء اﻷسد البدء بسلسلة عمليات شرسة سيكون التركيز فيها على الحاضنة الشعبية، وترهيب المدنيين؛ للدفع بتكرار سيناريو الجنوب والتعجيل به، والتسريبات في الداخل تؤكد وجود فصائل مسلحة مستعدة للتنازل تحت ذريعة حماية المدنيين.

إدلب اليوم تواجه المصير منفردة، ويقع على عاتق الفصائل فيها إحياء المطلب الثوري الأول، المتمثل بمبادئ بسيطة هتف بها عوام الشعب السوري في آذار 2011، وأمامها الفرصة اﻷخيرة ﻹعادة هيكلة جسم سياسي عسكري واحد على اﻷقل يحافظ على حدود المنطقة المحررة حمايةً للمدنيين الرافضين لحكم الأسد والروس.

ضمان النجاح في المشروع الوطني السابق، يلزمه حزمٌ ورعاية من الجانب التركي، شريطة أن يبقى في إطار الضامن والراعي، وهذا تحدده التفاهمات والمصالح بين أنقرة وموسكو وبالتأكيد اللاعب الخفي واشنطن.

اﻻحتمالات بابٌ مفتوح، وﻻ شيء يؤكد حسم فرضية دون أخرى، احتمالية قيام معركة أو تجنيب المنطقة حرباً دامية، حساباتٌ قائمة وفرصتها متساوية؛ لعبة المصالح الدولية حاضرة هي اﻷخرى، والسؤال الغامض في إدلب حول مصير المهاجرين العرب واﻷجانب، ورافضي التسوية مع نظام اﻷسد.

جوهر ما ستنتهي إليه الحالة السورية؛ زواج المتعة بين الروس والنظام السوري التي من الطبيعي أن تنجب دولةً مشوهة، قائمة أساساً على جماجم تراكمت في الطرقات منذ ثمانينات القرن الماضي، تاريخ مجزرة حماة لترسخ ذات السيناريو في مشهد سينمائي مكرر.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend