الأسواق الأدبية في العصرين الجاهلي والأموي

الأيام السورية؛ فاطمة محمد

الشعر ديوان العرب وسجل تاريخهم ويومياتهم، فالأدب فن من الفنون الجميلة، يؤثر في نفوسنا بما فيه من العاطفة، والفكرة، والخيال، والأسلوب؛ لأنّ الأدب كغيره من آداب الشعوب مظهراً للحياة الإنسانية، ومرآة لها، يرقى برقيها، وينحدر بانحدارها. وعندما تألق الشعر كانت ظاهرة الأسواق الأدبية.

كانت العرب تجتمع لتناشد الأشعار والتفاخر فيها كل عام، مثل سوق عكاظ الذي كان يعقد إلى الجنوب من مكة أيام الجاهلية وسوق المربد في البصرة بمعطيات جديدة وجغرافيا مختلفة.

إن قراءتنا لما حدث بين النابغة وحسان تدل على أجمل الشعر وأروعه، فكانت تضرب خيمة من أَدَمٍ للنابغة في السوق، والشعراء تأتيه لتعرض عليه أشعارها، وحين أتاه حسان منشداً ميميّته في الفخر ومنها:

لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضحى      وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

ثم دخلت الخنساء فأنشدته قصيدتها الرائية في رثاء أخيها صخرٍ، التي منها:

وإنّ صخراً لتأتم الهداة به       كأنّه علمٌ في رأسه نار

قال النابغة: والله لولا أنّ أبا بصيرٍ-أي الأعشى- أنشدني قبلك، لقلت: إنك أشعر الناس.

فقام حسان وقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك! فقال له النابغة: يا بن أخي أنت لا تحسن أن تقول:

فإنك كالليل الذي هو مدركي       وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع

فخنس حسان لقوله.

أما سوق مربد البصرة الذي لا يبعد عنها سوى ثلاثة أميال، كما يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان. فقد ابتُنِي مع البصرة في السنة السادسة عشرة للهجرة، وفيه تناشد الشعراء، وكان لكل شاعر حلقته، وبه كانت مفاخرات الشعراء، ومجالس الخطباء إبّان ازدهاره في عصر بني أمية.

إنّ أهم منتج شعري لهذا السوق كان شعر النقائض الأشبه بمناظرات شعرية، وأهم الشعراء الذين وقفوا حياتهم على تنمية تلك النقائض القبلية مستلهمين فيها ظروف العصر الأموي، وحوادثه السياسية جرير والفرزدق التميميان، وقد ظلا يتناظران نحو خمسة وأربعين عاماً في عشيرتيهما من جهة، وفي قيس وتميم من جهة أخرى.

إضافة لقطب ثالث هو الأخطل الذي استعرتْ نار الهيجاء بينه وبين جريرٍ واستمرت نحو تسعة عشر عاماً، ولا يغيب عنا أنّ سبعين شاعراً من بينهم الراعي النميري، وقفوا في مواجهة جرير، واستطاع أن يُخمِلهم جميعاً، ولم يصمد له إلا الفرزدق والأخطل.

من أبرز شعراء المربد في العصر العباسي أيضا بشار بن برد وأبو نواس. وقصد هذه السوق من النحاة الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، ومن علماء اللغة الأصمعي، أما الجاحظ فكان يتردد على السوق لأخذ اللغة والشعر ومقابلة الرواة والنقاد واللغويين والأعراب.

وفي عصرنا الحديث فقد اعتلى منابر المربد شعراء العربية الكبار؛ أمثال الجواهري، وعمر أبو ريشة، ونزار قباني، ومحمود درويش، لتبقى تلك الأسواق منبعا من منابع الفن والإبداع عبر الأزمان.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل