قراءة في رواية: صلصال

الكاتبة: سمر يزبك.
الناشر: دار الآداب.
ط١. ورقية .٢٠١١.

خاص بالايام - أحمد العربي

( الرواية تعري البنية المجتمعية والطائفية لطبقة  الضباط العسكريين الحاكمة، والفساد والانحراف الأخلاقي والظلم العام )

سمر يزبك؛ روائية سورية تنتمي للثورة السورية، لها العديد من الروايات، أغلب رواياتها تتحدث عن السلطة الاستبدادية في سوريا، وتتابع البنية المجتمعية والسياسية والعقائدية للسلطة و حاضنتها الاجتماعية، الطائفة العلوية، التي تنتمي سمر يزبك لها، كما كتبت عن خبرتها في الثورة السورية كشاهدة ميدانية أيضاً.

تبدأ الرواية من مواقف تظهر كخواتم للرواية، “سحر النصّور” تعد العدة لتسافر إلى لندن في رحلة سياحة واستجمام ليلحق بها عشيقها، الرجل المسؤول الضابط الكبير “علي حسن”. و “رهام العلي” تتجه من دمشق إلى جبلة حيث والدها “حيدر العلي” ، الضابط السابق على فراش الموت.

تعتمد الرواية أسلوب السرد على طريقة المقاطع المنفصلة التي تشكل بتكاملها الرواية كما أرادت لها مؤلفتها.

“دلاّ” مدبرة منزل حيدر العلي وتهتم به وهو على فراش المرض، في قريته على جبال الساحل السوري، دلاّ من عمر حيدر العلي ولدا في وقت متقارب، هي بنت ” المرابع” الذي يعمل في أرض البيك ابراهيم العلي الاقطاعي الكبير، وابنه حيدر الطفل الذي ولد واستمر في العيش، بعد وفاة ستة إخوة له في أعوام سابقة، إثر الولادة مباشرة، وتوفيت والدته بعد ولادته. حيدر العلي عاش طفولة قلقة وتحت رعاية دائمة من والده إبراهيم وعائلة دلاّ، كبر حيدر ودلاّ سوية ، هو في قصر والده، وهي في المنزل الصغير للمرابع بجوار القصر، وكان لهم في جوارهم طفل من عمرهم هو علي حسن، وكانوا يلعبون سوية، كبروا مع بعضهم، حيدر وعلي ودلاّ طفولة مشتركة.

سيضع ابراهيم بيك الطفل علي حسن تحت رعايته ، ليكون مرافقاً لابنه في لعبه ودراسته وتنقلاته خارج القرية، سيكبر  علي حسن وحيد العلي ودلاّ سوية.  

دلاّ ستحب حيدر وهو يبادلها المشاعر، لكن لن يكونا لبعضهم، حيدر ابن البيك، ودلاّ ابنة المرابع.

يتفق علي وحيدر على الدخول للجيش، ليكونا ضابطين ويكون مستقبلهم متميزاً، ويحصل ذلك بفضل والد حيدر، ابراهيم العلي، كان ذلك في بدايات الاستقلال، حيث يتذكر أغلب سكان جبال الساحل – العلويين- كيف جند الفرنسيون الكثير منهم وكان لهم فرقتهم الخاصة بالجيش الفرنسي، وكيف توافق الكثير من زعمائها على الطلب من الفرنسيين أن يكون لهم دولتهم الخاصة كعلويين في الساحل السوري، وأن ذلك نجح لفترة من الزمن، ولكنه لم يستمر لان بعض العلويين رفض ذلك، وتراجع الفرنسيين عن تلك الخطوة، واستقلت سورية موحدة.

كان حيدر وعلي من أوائل الضباط في الجيش السوري، هؤلاء الضباط الذين سيلتحقون في حزب البعث الناشئ حديثاً، و سيكونان من ضباطه الذين شاركوا في كل تحركات الجيش وانقلاباته في الخمسينات، وكانوا من الضباط الذين شاركوا في استلام السلطة ١٩٦٣، وكيف تمكنوا في السيطرة على السلطة بالكامل كعسكر، مبعدين بذلك الجناح المدني للحزب ، وكيف سيطر علي حسن ورفاقه على السلطة بالمطلق مبعداً المنافسين له من الجيش أيضاً، وكيف ابتعد حيدر العلي عن الجيش، وعاد لقريته ليعيش عزلة اختيارية، من سبعينيات القرن الماضي حتى بدايات القرن الجديد، حيث افترق عن صديق عمره علي حسن، بعدما تبين له أنه والآخرين من الضباط أرادوا الحزب مطيّة للوصول للسلطة، والسلطة مدخلاً استحوذوا من خلاله على كل شيء في الدولة والبلد.

غادر حيدر العلي السلطة ودمشق مركزها ليعيش عزلة اختيارية يدون فيها حكايته، بجواره دلاّ حبيبة الطفولة، التي كبرت معه، وزوجها والده من مرابع آخر له اسمه عبد الله، لم تنجب منه الأولاد، ولم تسلم نفسها له، فهي مازالت تحب حيدر العلي ومتفرغة له، ستستمر بخدمته بعد عودته لمعتزله الاختياري منذ عقود.

أما على المستوى الخاص لعلاقة حيدر العلي وعلي حسن، فهي نموذج لعلاقة ابن البيك وابن المرابع، التي لم تستطع كل التحولات عليهم سواء تحولاتهم لضباط، وانتقالهم  لدمشق و سيطرتهم على السلطة أن تغير فيهم شيئاً. علي حسن يتصرف وفق مصلحته الخاصة ولو ضحى بكل شيء يقف أمامه، لا يمنعه حقوق أو أخلاق أو مبادئ، كل ما يريده يحصل عليه، وهو مصدر الحق، فكما دخل مع الآخرين للجيش ليكون في مركز القوة في بلد خرج من الاستعمار حديثاً، ودخل حزب البعث ليحصل على مشروعية الاستحواذ والآخرين على الحزب ومن ثم السلطة، كذلك ومنذ شبابه كان يسمح لنفسه أن يصل لأي امرأة تعجبه، ويبقى يحاول معها حتى يصل إليها ويمارس معها الجنس ويتركها ويحاول مع غيرها، ولم يسلم من ذلك أعز صديق إليه حيدر العلي، فحتى زوجته سحر النصّور، كانت ضحيته أيضاً.

سحر الفتاة الأجمل في الساحل السوري، التي تزوجها حيدر العلي بعد حب عاصف علم به كل أهل القرية، سحر التي ستصبح عشيقة لعلي حسن بعد ذلك ولعقود، خاصة بعد أن ترك زوجها حيدر الجيش وعاد للقرية، لم تترك سحر دمشق بل بقيت هي وابنته رهام هناك في بيتهم الفخم في حي أبي رمانة.

كبر علي حسن في السلطة وصار الآمر الناهي، وكبرت مصالحه، وتوسعت في القرية أراضيه هو وإخوته وعائلته.

أنجب علي حسن من زوجته أولاداً كثر، وكان منهم ابنه فادي الذي جايل رهام ابنة سحر وحيدر، وتربيا سوية في حضن العاشقين علي وسحر، وكانت توحي سحر لعلي دوماً أن رهام يمكن أن تكون ابنته وليست ابنة حيدر، راقب كبر رهام وفادي وتعلقهم ببعضهم، وكيف عشقا بعضهما، ونشأت بينهما علاقة جنسية، وكيف سارع الأب علي حسن بإبعادهم عن بعضه، خائفاً أن يكونوا إخوةً فعلاً، والأب هو نفسه، لم يستطع تحمل ذلك، لذلك أبعد ابنه فادي إلى انكلترا ليتم دراسته، وهذا حول حياة رهام لجحيم، عوضت عنه بالعودة لوالدها واللقاء به اسبوعيا والتحدث في أمورها الخاصة، والتحدث عن سبب ابتعاده عن الجيش وعن الحياة عموماً، فهو معتكف في منزله الذي يغادره للصيد يوميا، ويعود دون صيد، ويكتفي من حياته، بالقراءة والكتابة وصحبة دلاّ رفيقة عمره وحبيبة الطفولة.

وبعد مضي عقود على مغادرة حيدر للجيش والسلطة، وفي بدايات قرن جديد، في زمن الاحتلال الأمريكي للعراق ٢٠٠٣،  يعيش حيدر العلي آخر أيامه، أما علي حسن فيعيش مجد قوته وتفرده بالسلطة وهيمنته على الدولة والمجتمع، يعلم بمرض حيدر ويحضر للقرية يتابع أخباره، فعلي حسن لم يبتعد عن حيدر أبداً، وكذلك ابنته رهام التي حضرت أيضاً.

في القرية سيكون حيدر العلي قد توفي وترك مع دلاّ ظرفاً خاصاً لابنته رهام، تسلمه لها، ويحضر علي حسن ويحزن لوفاة صديقه، ويباشر إجراءات الغسل والدفن، وعندما دخل لغرفة المتوفى حيدر وكانت بصحبته دلاّ، وجدها خاوية، سرير حيدر فارغ ودلاّ مختفيه. هنا ظهرت مشكلة جديدة أين حيدر الميت والمرأة التي تخدمه؟!!.

في ذات الوقت تغادر رهام القرية هاربة  إلى دمشق بصحبة الظرف الذي تركه لها والدها، وبعد أن ظهر اختفاء الميت سارع علي حسن بالبحث عن رهام وبعث خلفها من يحضرها له، أما رهام ستجد مكاناً تقرأ به أوراق والدها، الأوراق التي تجمع خلاصة عمر أراد أن تصل لابنته.

الأوراق تتحدث عن شخصية حيدر العلي نفسه، الإنسان المتناسخ في كثير من الأجساد، يعني نفسه منذ كان في رحم أمه، وكيف عاش حيوات أخرى كثيرة، الأهم فيها كونه كان كل الوقت الرجل الضحية، ورجل الخير، وكان قرينه بشكل دائم رجل يمثل الشر، وهو يتبادل معه القتل المتبادل، الآخر يظهر في شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو يظهر تارة بشخصية الحسين بن علي (دون ذكر الاسم) ، وتتكرر الصور والتشخيصات،  حتى تصل أخيراً لتشخيص علي حسن لهذه الروح الشريرة التي تنتقل من جيل لجيل ودورها الشرير ضد البشر مستمر دوماً.

يصل رجال علي حسن لرهام ويأخذونها لسيدهم مصحوبة بأوراق أبيها، علي حسن الذي كان يعيش لحظة مراجعة ذاتية وحزن كبير على صديقه حيدر العلي، لحظة لن تدوم طويلاً حيث سيعيد توازنه، بعد أن حصل على كل شيء في الدنيا ، المجد والسلطة والمال وكل شيء ، لا ينقصه إلا الألوهية والخلود.

تنتهي الرواية وعلي حسن بصحبة شرابه ورهام، التي لم يتأكد من كونها ابنته أم ابنة حيدر العلي، وأوراق حيدر العلي يقرأها.

في تحليل الرواية نقول: إن الرواية تغوص عميقاً في المعتقدات الباطنية عند الطائفة العلوية، عن موت الأجساد وخلود الروح وانتقالها عبر الأجيال، وعن وعي أصحابها بذلك و حيدر العلي نموذج لذلك، والرواية تريد القول أن هناك أناس مسكونين بروح الشر المتأصل الذي يظهر مشخصاً عبر التاريخ، والحجاج نموذج ، ونماذج أخرى كثيرة كان آخرها علي حسن، الذي يعطي الإيحاء عنه أنه حافظ الأسد، كثير من حياته وأفعاله وسيرته وسيطرته المطلقة على السلطة هو وعصبته، والعنف الذي مارسه على الشعب وعلى المختلفين معه، وترسيخه  الاستبداد والقهر والفساد، ودوره في محاربة القيم والأخلاق والمبادئ، وقتله لعشرات الآلاف من الشعب للحفاظ على السلطة، إنه روح الشر الذي لا يرتعد عن فعل أي شيء للحفاظ على السلطة ولو كلف ذلك حياة شعبه كله.

أليس ما فعله ابن حافظ الأسد بشار هو عين ما تحدثت عنه الرواية.

هل هي نبوءة أم استقراء علمي؟، بكل الأحوال هي حقائق كتبت بدم الشعب السوري.

للأسف هذا ما حصل.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل