عن الملف الاجتماعي المهمل وضرورة وضع خطة وطنية لبناء المجتمع السوري!

ريما فليحان

مخطئ من يظن ان السلام واعادة البناء في سوريا تتعلق فقط بانهاء الحرب وتحقيق الانتقال السياسي وملفات  الدستور والامن واعادة الاعمار والعدالة الانتقالية، فالموضوع يتطلب اكثر من ذلك لأننا ولو اعتبرنا جدلا ومن باب الافتراض ان دستورا جديدا للبلاد قد خرج للنور وان الانتقال  السياسي قد حصل بالفعل في سوريا وبدأت عمليات الاعمار مجددا فان الثغرة الاكبر التي قلما يتم التطرق اليها ضمن الملفات الساخنة المرتبطة بالحالة السورية اليوم  هو ملف اعادة بناء المجتمع السوري الذي تهشم وتحطم بدءا من الفرد و انتهاءا بكل مؤسسات المجتمع عموما، فالاسر السورية تعيش حالة من التشظي والتشتت باشكال متعددة

ماذا عن جيل كامل خارج المؤسسات التعليمية، او عن جزء من هذا الجيل الذي تم وضعه في مدارس بمناهج دينية متشددة في مناطق تحت سيطرة فصائل متشددة؟

فالافراد داخل المجتمع السوري  تشتتوا بين مقيم في سوريا وافراد توزعوا في كل بقاع الارض، او ربما يكونون في نفس البلد ولكن تلك الروابط التي تجمعهم كعائلة او سارة او اصدقاء قد تلاشت بفعل المناكفات السياسية واختلاف المواقف او بفعل الضائقة الاقتصادية التي تعيشها الاسر السورية في داخل سوريا او ظروف اللجوء والحرب كما أن جرائم الحرب في سوريا خلقت اثرا كبيرا من الاحقاد بين الناس . لقد حصلت الكثير من الانشطارات في البنية الاجتماعية السورية ، وبدأت المشاعر السلبية تعلو على حساب المشاعر الايجابية بين الافراد وتزداد اضطرادا مع تدني الشعور بالانتماء المواطني وارتفاع الشعور بالانتماءات الضيقة بسبب الصراع والحرب ومفاعيلها على الارض السورية، وهذا ليس فقط ما حدث بل ان هناك عوامل مفرقة ومشتته خارجة عن ايدي السوريين فكم من الاطفال تيتموا ولجؤوا وحدهم او مع من بقي من الابوين لدول الجوار دون ان يعلموا مصير بقية افراد العائلة وكم منهم ، كما من العوائل لا تعلم مصير فرد او افراد من ابناءها ممن اختفوا في ظروف غامضة في سوريا

يضاف الى ذلك المعتقلين والمخطوفين ، كم من الجثامين دفنت في المناطق التي تعرضت للقصف ولم بعرف هوية أصحابها.

ثم يأتي التحدي القانوني الاخر في المناطق خرجت عن تغطية الخدمات القانونية والصحية بسبب الحرب وهو تسجيل وقائع الزواج والولادة والوفاة وهي اشياء لم يكن من الممكن القيام بها في كثير من المناطق في سوريا وهو تحدي اضافي يجب الاعداد له لتسجيل وتثبيت الوقائع القانونية والتحقق منها للحفاظ على حقوق المواطنين والمواطنات وعدم فتح الباب لوحوش وتجار الحرب لاستغلال حاجاتهم. وماذا عن الخدمات الصحية هل ستعود بعض الامراض التي انتهت سابقا بسبب عدم تحصيل الاطفال للتطعيم في تلك المناطق؟ هل هناك خطط صحية املاقاة مثل تلك الاحتمالات والوقاية منها ؟

ماذا عن جيل كامل خارج المؤسسات التعليمية،  او عن جزء من هذا الجيل الذي تم وضعه في مدارس بمناهج دينية متشددة في مناطق تحت سيطرة فصائل متشددة؟ ، وماذا عن الاطفال المراهقين الذي تم زجهم في القتال سواء كانوا ضمن ما يسمى لجان الدفاع الوطني او ما يسمى الفصائل ؟ كيف ستم علاجهم وازالة الاثارة النفسية لتلك التجربة واعادهم الى صفوف المجتمع بشكل صحيح؟ ماذا عن استفحال ظاهرة المخدرات والعنف ؟ ماذا عن تزويج القاصرات وماذا وماذا؟

كل تلك الاسئلة التي ذكرتها هي شيئ  بسيط مقارنة بحجم الكارثة الاجتماعية التي يعيشها السوريون اليوم او سيمرون بها بالمستقبل؟  والتي أطرحها اليوم ليس من أجل رش الملح على الجرح،  او من أجل استجرار الالم،  بل من اجل دق ناقوس الخطر وتنبيه المتصدرين للمشهد السوري والمنظمات الدولية والامم المتحدة للاهتمام بهذا الملف وبدء التركيز عليه ايضا والعمل من اجله،  لأننا نحتاج  الى وضع خطة وطنية واستراتيجية طويلة المدى  للتعامل مع الملف الاجتماعي المرتبط بجزئيات منه بالملف الانساني وملف القضاء والقوانين والسجلات المدنية والعقارية و الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية والأمن والاقتصاد والعدالة الانتقالية.

تلك الخطة تتطلب دراسة وتحليل للواقع ووضع نقاط علام واهداف قصيرة المدى وطويلة المدى لتحقيق اعادة احياء المجتمع وترميم البنيان الاجتماعي الذي تهدم عبر فرق عمل وباحثين ومختصين على مرحلتين مرحلة يجب ان تبدا منذ الان الدراسه والتقييم والتحضير ومرحلة العمل التي تليها.

ماذا عن الاطفال المراهقين الذي تم زجهم في القتال سواء كانوا ضمن ما يسمى لجان الدفاع الوطني او ما يسمى الفصائل ؟ كيف ستم علاجهم وازالة الاثارة النفسية لتلك التجربة واعادهم الى صفوف المجتمع بشكل صحيح؟

ان تلك الخطة تتطلب مناخ من القوانين والبنى التشريعية والقرارات وانشاء عدد من الهيئات والمؤسسات الجديدة من اجل التحضير لمثل هذا الملف مثل انشاء جهاز شرطة مختص من اجل التعامل مع المشاكل الاسرية او قضايا لم الشمل والبحث عن المختفيين مزود بفريق مدرب ومدعوم بمختصين من كافة المجالاتـ هيئات اجتماعية واسرية وصحية ولجان اهلية الخ

هي بعض الافكار التي يجب التفكير بها اليوم وبدا العمل من اجلها لان مجتمعا كامل قد تهدم بمعظمه تماما كم تهدمت البنى التحتية والمباني والمدن ولناء الافراد والمجتمع ووضع خطة وطنية لترميم االمجتمع السوري واعادة احياءه لا يقل اهمية عن اي ملف من الملفات الساخنة التي يتم تداولها والتركيز عليها عموما

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend