الأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة

باني فرنسا الحديثة، القائل: “أيها الفرنسيون، لقد خسرنا معركة.. لكننا لم نخسر الحرب، وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا الحبيب من نير الاحتلال الجاثم على صدره”.

الأيام السورية؛ فاطمة محمد

شخصية عسكرية وسياسية فرنسية، قاوم الاحتلال الألماني لبلاده في أربعينيات القرن العشرين. تولى رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة، كما أنهى الاستعمار الفرنسي لبلدان كثيرة.

نبذة عن حياته:

ولد شارل ديغول يوم 22 نوفمبر /تشرين الثاني 1890، في مدينة “ليل” شمالي فرنسا لعائلة كاثوليكية محافظة ذات ميول قومية.

بدأ دراسته في مدارس مسيحية بباريس وبلجيكا، ثم التحق في الثامنة عشرة من عمره بمدرسة سان سير، إحدى أعرق الكليات العسكرية في بلاده، حيث تخرج برتبة ملازم، وانضم إلى سلاح المشاة.

عمله العسكري والسياسي:

شارك ديغول في الحرب العالمية الأولى؛ حيث جرح ثلاث مرات قبل أن يقع في أسر الألمان 1916، وأفرج عنه عام 1918م، كما عيّنه رئيس أركان الجيش الفرنسي المارشال فيليب بيتان نائباً لرئيس المجلس الأعلى للحرب عام 1925م.

أقام مع أسرته مدة عامين في لبنان الواقعة تحت الوصاية الفرنسية عام 1929م، تعرف خلال هذه الفترة على المشرق العربي.

عمل في وزارة الدفاع الفرنسية عام 1931، وشارك عام 1940 كقائد ميداني بصدّ الهجوم الألماني عن بلاده، لكن الجيش الفرنسي أخفق في رد الاجتياح النازي فسافر إلى بريطانيا ليعلن انضمام فرنسا للحلفاء في مواجهة النازية، وأسس هناك ” حكومة فرنسا الحرة” بدعم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، لمواجهة بيتان الذي أخضع فرنسا للاحتلال النازي، وبذلك أصبح لفرنسا حكومتان؛ الأولى بقيادة ديغول ومقرها لندن، والثانية بقيادة المارشال بيتان ومقرها مدينة فيشي الفرنسية. ومن لندن كان لديغول موقفاً أطلقه عبر هيئة الإذاعة البريطانية(بي.بي.سي) “نداء 18يونيو” دعا فيه لمواصلة القتال قائلاً: ” فرنسا خسرت المعركة، لكنها لم تخسر الحرب”. فكسب ود الشعب الفرنسي وحرر بلاده عام 1944م من النازية ليعود إلى بلده بطلاً عظيماً.

لقب بمؤسس فرنسا الحديثة لما تركه من بصمات واضحة في اقتصاد فرنسا ونهضتها بشكل كبير، من ذلك مثلاً: أنّه قام بتأميم المصارف وشركات التأمين والكثير من المؤسسات الصناعية، كما ركّز على إصلاح الزراعة والنهوض بها، كما أصدر قوانيناً تسهل بناء المدن الجديدة.

اهتم بالعلم، وبتطوير البحث العلمي، والتدريب المهني لتشغيل الأيدي العاملة في كل النواحي، كل ذلك كان سبباً في نهضة فرنسا المدمرة تماماً بعد سنوات الحرب، لتتحول فرنسا من دولة مدمرة إلى دولة حديثة.

ديغول والثورة الجزائرية:

طلب رئيس الجمهورية رينيه كوتي عام 1958من ديغول العودة إلى رئاسة الحكومة معلناً عجز الجمهورية الرابعة عن التصدي للثورة الجزائرية المسلحة، فبادر ديغول إلى تأسيس الجمهورية الخامسة عبر إقرار دستور يقوي مكانة رئيس الجمهورية، ويمنحه سلطات واسعة، ثم عمل على سحق الثورة الجزائرية معتبراً ذلك بطولة تبقيه في الحكم فترة أطول، هذه الثورة التي قدّمت مليون ونصف المليون شهيد لتنعم بالحرية، فارتكبت القوات الفرنسية بحقها أبشع المجازر تجاه شعب يطالب بحريته، كما سعى الاحتلال الفرنسي لطمس الهوية الجزائرية.

أذعن ديغول لكفاح الشعب الجزائري وحقه في استقلال الجزائر أمام التضحيات العظيمة التي قدمها شعب عظيم لقوله: “إنّ الجزائر تكلفنا أكثر مما نربح منها، الحل الوحيد هو انفصال الجزائر عنا”

وقرار الانسحاب هذا جاء من صمود الثوار الجزائريين الصامدين مدة 8 سنوات، علّه أراد من هذا القرار التفرغ إلى بلاده، وكل ما أشاعه ديغول عن رغبته بمنح الشعب الجزائري الحرية لم يكن إلا تجميلاً لهزيمته عن تحقيق حلم “الجزائر الفرنسية”.

ماذا عن وجود القوات الفرنسية في سوريا:

في عام 1941تعرضت وحدات من الجيش النظامي الفرنسي الموجودة في سوريا لهجوم من قبل القوات الفرنسية -البريطانية من جهة الأردن، وذلك عبر مبادرة مشتركة اتخذها الجنرال شارل ديغول مع رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل وأطلق عندها الجنرال كاثرو نداء للجنود في الطرقات ” إن القوات الفرنسية الحرة وقوات الحلفاء ستجتاز الحدود وإنها لم تأتِ لقتالكم وإنما لمهاجمة العدو فلا تحاربوا لصالح ألمانيا”، ووصلت خسائر الحلفاء فيها إلى عشرة آلاف مقاتل و600 طائرة وعدة سفن حربية.

ديغول ممثل فرنسا الحرة انتصر على قوات فيشي، واتجهت أنظاره نحو المشرق العربي، وقد كتب الجنرال الفرنسي “كاترو”  للجنرال ديغول: “سوريا ثمرة مرة المذاق ولا تريد أن تنضج. وأخشى أن لا أستطيع الحصول عليها سوى بالقوة”.

شهدت سوريا صراعاً بين القوات الفرنسية التي كانت تابعة لحكومة فيشي (الموالية للألمان) وقوات حكومة الجنرال ديغول (المتحالفة مع الحلفاء)، حيث تمكنت القوات المتحالفة من إخراج قوات فيشي من سوريا في 1941إثر ذلك أذاع الجنرال كاثرو (باسم ديغول) بيانه الشهير الذي وعد فيه سوريا ولبنان بالاستقلال وحق تقرير المصير.

بناء على ذلك تم عام 1942 إجراء انتخابات نيابية فازت فيها الكتلة الوطنية، وفي عام 1943 انتخب شكري القوتلي رئيسا للجمهورية السورية.

ساءت العلاقة بين ديغول وتشرشل عقب الهدنة التي عقدت في عكا لتحديد الصلاحيات بين بريطانيا وقيادة فرنسا الحرة في لبنان وسوريا، فقد نجح ديغول في قلب قرارات سعت إليها بريطانيا، وأمر ممثلة الرئيس الجنرال كاترو برفض أي اتفاق لا يتم بموجبه تسليم أسلحة جيش فيشي في سوريا ولبنان إلى جيش فرنسا الحر بقيادته.

الشعوب العربية هي الضحية الكبرى، لأنها استمرت تحت هيمنة الاستعمار الفرنسي والبريطاني التي مازالت تحت وطأته رغم نيل دول المنطقة استقلالها في منتصف القرن الماضي.

شارل ديغول شخصية تاريخية فذة أثبت وجودها في العالم بأسره استطاع بحنكته السياسية كسب قلوب الكثيرين، مهما اتفقنا معه بوجهات النظر أو اختلفنا.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر أراجيك الجزيرة القدس العربي
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend