خرجنا والروح عالقة.. تأبى الرحيل ونحن هُجّرنا

الأيام السورية: سعيد العبد الله

هل نسينا شيئاً وراءنا..؟ نعم نسينا تلفت القلب، وتركنا فيك خير ما فينا.. تركنا شهداءنا الذين نوصيكم بهم خيرا..

ألف غصّة تعتصر القلب، ودموع احترقت في منابعها مع وضع قدمنا الأولى في “الباص الأخضر” تلك الآلية التي أتت على كل ما هو جميل. مضى خلال أعوامنا السبعة التي مضت من عمر ثورتنا التي حلمنا خلالها بالوصول إلى شاطئ الحرية بعد صراع دامي وطويل مع أمواج روسيا العاتية.

منير؛ أحد الخارجين من مدينة تلبيسة بريف حمص الشمالي في الدفعة الأخيرة للتهجير القسري تحدث للأيام السورية عن تجربته التي وصفها بالمريرة بقوله:

لا ننكر تحطّم العديد من مدننا، وتكسّر العشرات من قواربنا وسط البحر الذي تتلاطمه أمواج الدول التي أخذتنا للتهلكة بمؤتمرات ووعود وفعاليات كانت كلها كاذبة، نعم دمرت مدننا تحت ضربات المحتل، ومات المئات بل الآلاف من أصدقاء دربنا وغيرهم من الأبرياء من أطفال ونساء، لكن محال أن ينتهي الليمون كما هو محال أن تنكسر أو تدمّر إرادتنا، أو تدمر عزيمتنا الرامية للوصول إلى شاطئ الحرية والسلام.

كان قرار الخروج من مدينتي كخروج الروح من الجسد، ولو أنّ هناك تشبيه أبلغ لكنت استعنت به، وبالمقابل كان قرار البقاء تحت حكم الأسد أشبه بالانتحار، لم أتخيل نفسي يوماً بعيداً عن هواء ضيعتنا أو أن انقطع ليوم أو يومين أو أكثر عن رؤية شوارع المدينة التي تروي في كل زاوية أو منعطف إحدى القصص التي حصلت معنا، هناك استشهد صديقي سامر، وهنا تتبّعنا الأمن وهناك حررنا أحد الحواجز وهناك.. وهناك.

وصل بي المطاف مع بعض الأصدقاء إلى ريف حماة الجنوبي الشرقي في قرية صغيرة يعمّها الهدوء بعيداً عن أجواء التأييد أو المعارضة، سكانها بسطاء يهتمون بالدرجة الأولى بالمواشي والبعض منهم لجأ للزراعة في الفترة الأخيرة، يدركون بأننا غرباء، ومع ذلك لا يظهرون الأمر لنا على العكس تماماً، ولسان حالهم بالقول دائماً ” بكرا بتفرج و بترجعوا، نحن هون أهلكم واللي بصير علينا بصير عليكم” هذه طيبة الشعب السوري التي اعتدنا عليها فيما سبق.

من حمص إلى حماة فإدلب ومن ثم الحدود التركية آلاف القصص والعوائل التي شردها نظام البعث الفاشستي الينيني ضارباً بعرض الحائط أي اعتبار لتواجد الأطفال والنساء والشيوخ بين المهجرين الذين فضلوا مرارة وذلّ اللجوء على البقاء تحت حكمه.

إياد الحمصي أحد أبناء مدينة الحولة تحدّث عن تجربته خلال اتصال هاتفي مع الأيام فبدأ بالقول: كنت أعمل في إحدى المنظمات الإغاثية والتي تعهدت قبل انطلاق دفعتنا المهجرة بتأمين السكن اللازم وتوفير فرص العمل في صفوف كوادرها في الشمال السوري، وبناء على ذلك لم أتردد بحزم حقائبي وإجبار زوجتي وأطفالي على الخروج معي لكن وللأسف بالرغم من انتظارنا لما يقارب الـ 50 ساعة قبل دخولنا للمناطق المحررة لم نجد أحداً من أعضاء المنظمة، بتنا في العراء لثلاثة أيام قبل أن يتصل أحد الإداريين ويخبرنا بأن نتدبر أمرنا لحين توفر فرص العمل أو السكن لتبدأ على إثرها رحلة البحث عن ملجأ مشترك مع عائلات أصدقائي في مدينة الأتارب التي استقرينا بها مؤخراً.

الأجور في الشمال السوري ليست بالقليلة وليست بالمرتفعة “يضيف إياد” فمن لديه عمل بإمكانه التأقلم على العيش،  وإيجاد سبيل يكفي به أسرته مع العلم أنّ أجور المنازل تتفاوت حسب المناطق واكتظاظها السكاني من جهة وترتفع في المناطق التي لا تتعرض لأي استهداف من قبل قوات الأسد وحليفه الروسي، حيث تتراوح ما بين 20-30 ألف ليرة سورية في المناطق النائية ومن 200-100 دولار في المناطق الحيوية كمناطق الدانا وسرمدا.

وما بين النزوح والبقاء وارتباط الإنسان في مسقط رأسه والبلدات التي أقسم ألا يخرج منها انقسمت العديد من الرؤى وتفرّقت السبل بالأصدقاء والأخلاء فمنهم من رحل راجياً العودة فاتحاً، ومنهم من بقي متربّصاً بأرضه متأملاً بشيء يفعله من الداخل، وأن يكون العمل القادم أكثر تنظيماً وإفادة للثورة من الخارجين.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend